مراجعة روائية كبيرة لما يحدث وحدث في غزة والعالم
الصراع لم ينتهِ منذ آدم وحوّاء حتى الحرب على غزة 2024، والأسئلة الإنسانية الأولى ما زالت مفتوحة على مصاريعها، وجوهر هذه الأسئلة: لماذا؟ مَن؟ وأين؟ والحديث يطول في هذا السياق والسرد الروائي الطويل عن ثلاثية الراوي العليم.
-
رواية: كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر
رواية " كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر" للروائي الفلسطيني الكبير إبراهيم نصر الله التي صدرت ضمن سلسلة شرفات، وهيَ العمل الروائي الأخير للروائي بعد التي سبقتها "مصائد الرياح"، تزامنت الرواية مع فوزه بجائزة نيستاد العالمية للأدب.
كتبتُ سابقاً عن رواية "مصائد الرياح" ووصفتها بأنّها رواية العالم وهيَ مجموعة روايات في روايةٍ واحدةٍ، متعددة الرؤى والمشاهد المفتوحة على صورة الإنسان وعلاقتهِ بالعالم وما يدور من حولهِ من عوالم أخرى، وتأتي رواية " كلّ الأشياء الجميلة القابلة للكسر" لتكمل هذه المشاهد المتعددة، لكنّها تركز عينها على الخلق الأول والوجود الأول على هذه الأرض، منذ آدم وحواء، وهما بطلا التكوين الأول للبشرية يدخلان في حالة الاستكشاف الأول للمكان الأول والزمن الأول قبل ما يحدث وحدث على الأرض، كأنّهما الشاهدان على ما سيأتي من أحداث بعد ذلك كلّه.
تصوّر الرواية بمشاهدها المتعددة مثلما أسلفنا، الأخطاء الأولى للإنسان التي كانت سبب وجوده على الأرض أو بالأحرى سقوطهِ على الأرض، هي رمزية التفاحة، ركّزت الرواية على التفاحِ وغابة التفاح، كرمزية أساسية بعد رمزية التكوين البشري الأول " آدم وحوّاء"، هذا الحب الذي أنجب البشريّة، لكنّهُ أيضاً، يجب أن يعلّم هذه البشريّة على مفهوم تجربة التفّاحة كخطأ مصيري كبير نقلهم من الجنّة إلى الأرض، وهذا الخطأ كان الخروج الكبير من الفردوس، ولا تخلو الرواية من معاصرة الزمن الأول إلى الزمن الحديث، إذ نلاحظ ونحن نقرأ الرواية أن هناك خيوطاً تربط الماضي بالحار، تؤسس الحاضر من أخطاء الماضي، تعيد عرض مشهد الإنسان الأول وتكوينه وكيف كان؟ وكيف أصبح في الوقت نفسه؟ الروائي إبراهيم نصر الله لا يكتب قصة آدم وحوّاء فقط، في هذه الرواية، بل يكتب بلسان الراوي العليم، سرديّة الإنسان منذ وجوده على الأرض حتى يومنا هذا، ولا نختلف معهُ على الابتعاد عمّا يحدث في فلسطين وغزة والعالم، بل العكس، هي مراجعة روائية كبيرة لما يحدث وحدث في غزة والعالم، لهذا الإنسان المصاب بالنسيان، للسؤال الفلسفي الأول: من أنا؟ هي مراجعة روائية لذاكرة الإنسان الأول الخارج من الفردوس إلى اكتشاف العالم للمرة الأولى، ويهمّنا الإضاءة على هذه المعاصرة في الرواية لما يحدث اليوم، يقول في الصفحة الرقم " 47":
" كان لديها دفتر صغير، وحيثما سارت في الشوارع ورأت واحدة من اليافطات التي تحيّي ذلك الجنرال الطاغية، كانت تكتب الألقاب التي يطلقونها: فهد الخالد، العظيم، الأكبر، المقدام، التاريخي، وارث المستقبل، الأبدي، الباني، المعمر، المدافع، المتصدي، الرائي، المعلم، إلى آخر هذه الأسماء، ولم يكن عليّ أن أسألها: لماذا تجمعين ألقابه؟ لأنني أعرف السبب، ورغم ذلك سألتها، وقبل أن أسمع إجابتها، رأيت وجهها ينقبض ودموعها تفرُّ، ونشيجها يتعالى بصورة لم أرَ مثلها من قبل، ومن بين دموعها قالت: ذلك الذي عشتُ حياتي كلّها من أجل أن أقرأ يافطة تصفهُ: "الجلّاد الحقير".
هذه الأخطاء " في غابة التفّاح" أيضاً، هي التي أسهمت في سقوطنا وتراجعنا وخروجنا من الفردوس، كما تدور الرواية حول الكثير من اللمعات المعاصرة رغم تركيزها على الخلق الأول، لكي تدلّ على تلك المفارقات التي لا تنفصل عن الواقع الذي نعيشهُ، فيشعر القارىء بأنّهُ أيضاً، بطل من أبطال الرواية، لأنّهُ إنسان، " وابن آدم وحوّاء"، هو المولود من رحم هذه التجارب في عالم اكتشاف الصراع الأول بين الكائنات، والصراع على التفّاح، والصراع على الاحتلال وامتلاك القوّة في أرض البريّة، وما زالت بريّة لحدّ الآن، وفي الصفحة الرقم " 119" يقول عن الجوع في غزة:
" البحث الطويل عن الماء والغذاء أرهقهُ، حتى مع وجود الزرافة، كما أنّ الفرار من الحيوانات التي كانت تفاجئه بين حين وحين حوّلهُ إلى إنسان أشدّ ضموراً من الطفل الفلسطيني" يزن كفارنة" الذي مات جوعاً خلال الحرب على غزة 2024 ، من الطفلة الفيتنامية الراكضة عارية " فان ثي كيم فوك".
الصراع لم ينتهِ منذ آدم وحوّاء حتى الحرب على غزة 2024، والأسئلة الإنسانية الأولى ما زالت مفتوحة على مصاريعها، وجوهر هذه الأسئلة: لماذا؟ مَن؟ وأين؟ والحديث يطول في هذا السياق والسرد الروائي الطويل عن ثلاثية الراوي العليم.
أمّا عن التبؤ بالمستقبل، فقد فاضت الرواية بالرؤى المستقبلية التي تنبئ بما سوف يحدث لهذا الإنسان في المستقبل منذ ارتطامه بالصخرة، وانفتاحه على اكتشافات المؤلم والجرح والمنفى وفكرة الخروج، والتماهي مع إرهاصات الإنجاب، فهنا تبدأ صورة المستقبل في الرواية، عندما تشعر حوّاء بالحركات في بطنها وتدرك بأنّها حامل وستلد، فيبدأ آدم اختبارهُ الأول في التصرف وتحمّل المسؤولية، وسط بريّة مفتوحة من الحيوانات المفترسة، مع رمزيّة الحصان المختلفة مع العيش في بريّة ساد فيها " القوي يأكل الضعيف"، حين حلم آدم بالحصان فنهض سعيداً، حتّى أنّهُ لم يترك حلمهُ يكتمل، صاح: الحصانُ لي ... الحصانُ لي، هذه دلالة تفتح باب المخيلة للبحث عن ارتباط آدم بالحصان، ربّما كسند قوي وسط البرية، ولا سيما عند إشعار حوّاء بالحركات في بطنها، أثناء نومهما، ومع أسئلة حوّاء لهُ حول الحصان الذي رآهُ في المنام وبين رمزية التفاح، تقول: ما الذي جعلك تعتقد أنّهُ لك؟ لأنّني رأيتهُ في منامي، فتجيبهُ: الليلة رأيتُ التفّاح في نومي، فهل هو لي، أم لك، أم لنا؟، هذه دلالة كبيرة تضيء عليها الرواية بين الحصان كقوّة المقاومة وبين التفّاح كاستفادة من تجربة أخطاء الماضي وبناء المستقبل الجديد.