مدينة صور بين اجتياحي 78 و82... المقاومة مستمرة
لماذا تبدو مدينة صور في نص كورشونوف أكثر من مدينة منكوبة، بل شاهداً حيّاً على حضارة لا تُهزم؟ وكيف تحوّلت من مدينة أثرية خالدة إلى جبهة تواجه القصف والدمار؟
عمل الكاتب الصحافي يفغيني كورشونوف (1934-1992) مراسلاً لوكالة الأنباء "نوفوستي" في المناطق الساخنة، فبعد 4 سنوات في نيجيريا، حط رحاله في لبنان حيث قضى نحو 8 أعوام بين 1978 و1985، فكان شاهداً على اجتياحي "إسرائيل" للبنان عامي 1978 و1982 وقسم مهم من الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1991).
أحبّ كورشونوف لبنان، وكانت مدّة إقامته فيه "صعبة وطويلة"، على حدّ تعبيره. ورأى أن البلد "ضحية مؤامرة إمبريالية دموية وعدوان إسرائيلي دائم". إلى جانب مئات المقالات والتقارير والقصص التي نُشرت في صحيفة "إزفيستيا" وصحف ومجلات سوفياتية أخرى، ترك عدداً من الكتب عن لبنان، ومنها: "تقرير من الجنة المدمرة" (1982)، "أنا بيروت"(1983)، "المثلث الحار" (1984)، رواية "أمل" (1985)، وقصة "اقتل الشيخ" (1989).
ولعل أحد أبرز كتبه "الخط العربي" (1987)، إذا يضم مذكرات تجواله في عدد من الدول العربية مشرفاً فيها على كنوز الحضارة المادية لشعوبها، وعن ألغاز العصور القديمة واكتشافات العلماء، وعن المصير التاريخي لآثار الغابرين وأحوال السكان الذين عاش بينهم.
المدينة الخالدة
-
مدينة صور إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1978
تحت عنوان "مدينة صور الخالدة"، يتحدث الكاتب عن الأوضاع في مدينة صور بين اجتياحي 1978 و1982، يبدأ رحلته من موقع آثار البصّ، يقول: "حدّق حارس الموقع فيّ وكأنني غريب الأطوار. أنا الذي أهتم بالأطلال القديمة في مدينة يمكن أن تنفجر فيها قذائف المدفعية الإسرائيلية أو صواريخ الفانتوم في أي لحظة". والمقصود بالفانتوم هو تلك الطائرة الحربية الإسرائيلية الأميركية الصنع "إف-4 فانتوم الثانية"، التي سرعان ما استبدلها "جيش" الاحتلال الإسرائيلي بطائرات "إف 15" و"إف 16" قبيل اجتياح 1982.
تاريخ صور حافل بالأحداث الجسام، لكن لم ينجح أي من الغزاة في القضاء على هذه المدينة الخالدة أبداً، ولا في كسر روح سكانها، الذين كانوا يعيدون بناء ما يهدّمه الغزاة بعناد.
يتابع كورشونوف: "كنت أصوّر مدرجات مضمار سباق الخيل الروماني القديم وأعمدة الشارع الذي بني قبل آلاف السنين، بينما في المدينة كانت الأحياء السكنية بأكملها تتحول إلى ركام؟ لكن... ربما ظنّ الحارس أن ظهور غريب الأطوار هذا هو علامة خير. وأن الكابوس الذي تعيشه المدينة منذ آذار/مارس 1978، أي منذ أن بدأت طائرات "إسرائيل" وزوارقها السريعة ومدافعها بعيدة المدى تمطر المدينة بشكل منهجي بأطنان من القنابل والقذائف والصواريخ... قد يقترب الكابوس من نهايته، ومرة أخرى، كما في السابق، سيظهر السياح هنا. لكنني لم آت إلى صور سائحاً. بل جئتها في طريقي عائداً من الخطوط الأمامية لقوات المقاومة، في الحركة الوطنية اللبنانية ومقاتلي حركة المقاومة الفلسطينية، التي لا تبعد عن صور سوى بضعة كيلومترات. بل إن صور نفسها باتت تسمى مدينة الجبهة".
الآثار والناس
-
مدينة صور إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1978
يبدو من أعمال يفغيني كورشونوف خلال مدة إقامته في لبنان أنه أدى مهمّته الصحافية بمهنية عالية وتجاوزها إلى الكتابة، فعندما سُئل عما إذا كانت الصحافة تعترض طريقه ككاتب، أجاب بحسم: "لا. فالصحافة، التي تفرض الاقتحام العميق والمهني للحياة والدراسة الجادة للقضايا والمادة الواقعية، هي التي تساعد الكاتب وتمنحه الموضوعات والحبكات والشخصيات الأصيلة ومعرفة الحياة الواقعية".
يتابع حديثه عن صور، يقول: "إذا كانت الحفريات الأثرية تجري هنا لعقود عديدة، لتكشف للبشرية كنوزاً جديدة تلو الأخرى لحضارة قديمة، فإن أهالي صور اليوم هم من يحفرون بأنفسهم في الأرض، لبناء ملاجئ لحماية أنفسهم من الهمجية الصهيونية. قذائف إسرائيل وصواريخها لم تنفجر في الأحياء السكنية فقط، حاصدة أرواحاً بشرية. بل كانت تنفجر أيضاً في واحد من أعظم مضامير سباق الخيل الرومانية المعروفة، وفي المدافن القديمة الشهيرة، حيث تتناثر النواويس الرخامية من الحقبتين الرومانية والبيزنطية، المزينة بنقوش بارعة، وهي إما زخارف أو مشاهد من الإلياذة. وبات قوس النصر الأثري لدرب صور الأسطوري الأقدم، الذي كان يربط بين مينائها الشمالي والجنوبي، المكتظين بسفن البحارة الفينيقيين الشجعان، تحت خطر الدمار أيضاً. لقد حفظ لنا الزمن هنا قناة مائية قديمة، ومسرحاً مبنيّاً بشكل رائع، وحمامات رومانية، ومباني عامة".
-
يفغيني كورشونوف (1934-1992)
وينتقل الكاتب إلى فعل المقاومة، مضيفاً: "على مدى 5 آلاف عام من وجود المدينة، حاول البرابرة مراراً وتكراراً القضاء على صور وأهلها. صحيح، أنه لم تكن لديهم وسائل الإبادة الجماعية التي تتيحها واشنطن اليوم لتل أبيب، لكن تقول الأساطير إن المدينة تأسست نحو عام 2750 قبل الميلاد. هناك أسطورة أن ملكارت (ملقرت)، الإله الأسمى للمدينة، كان يتمشى مرة على الشاطئ مع حورية اسمها تيروس، التي كان مغروماً بها، فعثر كلبه الأبيض على صدفة غريبة على الرمال، وقضمها. فتلطخ وبره الأبيض ببقع أرجوانية جميلة بشكل لا يصدق. جمع ملكارت الصدف، وصبغ ثياب تيروس بدماء تلك الرخويات. وهكذا ظهر إلى الوجود الأرجوان، أي صبغة الملوك. وقد قدّر الغرام الواحد من الأرجوان في تلك الأيام بـ 20 غراماً من الذهب".
صور هي العاصمة المعترف بها للبحارة الفينيقيين، لم تكن تشتهر بإنتاج الأرجوان فحسب، بل وبالزجاجيات أيضاً. كان لها أسطول قوي، ومستعمرات كثيرة على جزر وسواحل البحر المتوسط وضفاف الأطلسي.
ويسرد كورشونوف جانباً آخر من عظمة صور "مدينة فينيقيا الكبرى، التي ورد ذكرها مراراً في الكتاب المقدس، كمدينة غنية مزدهرة ذات علاقات واسعة. صور هي العاصمة المعترف بها للبحارة الفينيقيين، لم تكن تشتهر بإنتاج الأرجوان فحسب، بل وبالزجاجيات أيضاً. كان لها أسطول قوي، ومستعمرات كثيرة على جزر وسواحل البحر المتوسط وضفاف الأطلسي. وصل قباطنتها إلى الجزر البريطانية وغرب أفريقيا. ويعتبر الإغريق قدموس الصوري أبا أبجديتهم، وأطلقوا اسم شقيقته أوروبا على قارتنا. وهناك امرأة صورية شهيرة أخرى، اسمها ديدو (آليسا أو عليسة)، حاولت الاستيلاء على السلطة في صور، وعندما لم ينجح ذلك، ثارت بالأسطول، وابتعدت به وأسست في شمال أفريقيا مدينة عرفت في ما بعد باسم قرطاج".
وجوه المقاومة
-
كتاب "الخط العربي" لكورشونوف الصادر عام 1987
حاز الكاتب على وسام "الصداقة بين الشعوب"، وجوائز أدبية من مجلات "أوغونيوك" (الشعلة)، "جورناليست" (الصحافي)، و"المرأة السوفياتية"، وتُرجمت أعماله إلى لغات شعوب الاتحاد السوفياتي واللغات الأجنبية.
في وقت كتابه "الخط العربي"، بعد مغادرته لبنان، عمل في مجلة "نوفيه فريميا" (الزمن الجديد). يميّز في حديثه عن صور بين 3 وجوه لمقاومة "جيش" الاحتلال، فبعد حديثه عن المقاتلين على الجبهة جنوبي المدينة، يتحدث عن صمود أهلها. يضيف: "تاريخ صور حافل بالأحداث الجسام، لكن لم ينجح أي من الغزاة في القضاء على هذه المدينة الخالدة أبداً، ولا في كسر روح سكانها، الذين كانوا يعيدون بناء ما يهدّمه الغزاة بعناد. صور اللبنانية اليوم هي مدينة صيادين وبناة مراكب صيد، ويعمل سكانها في البساتين المجاورة، ويحضر مزارعو التبغ ثمار أيديهم لبيعها هنا. المدينة حية، على الرغم من أن بيوتاً كثيرة فيها قد دُمّرت، وغالبية السكان اضطروا لمغادرتها. والمتاريس من أكياس الرمل في الشوارع، والفوهات الإسمنتية المؤدية إلى الملاجئ مشرّعة، ونقاط المتطوعين في مفارق الطرق... كل ذلك ليس سوى صفحة أخرى في تاريخ صور، أعزّ معلم للحضارة الإنسانية".
المدينة حية، على الرغم من أن بيوتاً كثيرة فيها قد دُمّرت، وغالبية السكان اضطروا لمغادرتها.
أما الوجه الثالث فهو ارتباط الحاضر بالماضي العريق، إذ يحمل الكاتب همومه إلى المدير العام للآثار الأمير موريس شهاب، الذي انشغل بالتنقيب في صور 30 عاماً. يقول: "كان يريني الكتب والمطبوعات العلمية المكرسة لصور، والصور الفوتوغرافية ومخططات الحفريات، والرسومات والتصاميم للآثار القديمة التي رمّمها في شكلها الأولي، على الورق، وفي الرسوم والحسابات. وجدنا أنفسنا في مدينة عمرها آلاف السنين، وأخذني الأمير شهاب في جولة في شوارع ذلك الزمان، فقصصه وخيالي المعتمد على ما رأيته من تصاميم ورسوم ومخططات علماء الآثار، أحيا أمامي مدينة ذات جمال هائل مذهل".
-
مدينة صور إثر اجتياح عام 1978
تقع صور التوراتية على بعد كيلومترات إلى الشمال من موقع البصّ، "حيث يوجد الآن مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين، الذي تضرر جداً من القصف والتفجيرات الإسرائيلية الأخيرة"، وفق الكاتب.
-
مدينة صور إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1978
يبتسم شهاب لكورشونوف وهو يعرض جزءاً من المقبرة ساهم في تنقيبه، وكشف له عن وثيقة: "الإسكندر الأكبر. نعم، نعم، من أجل الوصول إلى قلعة المدينة التي كانت قائمة على جزيرة، بنى رصيفاً كبيراً، مستخدماً فيه أنقاض الآثار القديمة والأتربة التي كانت تغطي المدافن. لكن جنوده، لحسن الحظ، لم يصلوا إلى النواويس والمدافن نفسها. على أي حال، عندما بدأنا الحفريات في المكان الذي اكتُشفت فيه صدفةً زاوية ناووس من تحت التراب، وجدنا أشياء كثيرة قيّمة جداً للعلم. لم نضطر للحفر عميقاً. الطبقات العليا من التراب كان الإسكندر الأكبر قد أزالها قبلنا بقرون عديدة".
