محاولة إعادة منزل عباس كياروستامي إلى الضوء

بعد تضرر منزله نتيجة التوحش الإسرائيلي - الأميركي.. كيف مزج عباس كياروستامي بين السينما والشعر ليخلق لغة فنية تقوم على الاختزال واللقطة المقرّبة والمعنى المكثّف؟

نستعيد سيرة المخرج الإيراني الراحل، عباس كياروستامي (1940- 2016)، في هذا التوقيت لسببين، الأول يتعلّق بالأضرار التي أُلحقت بمنزله في حي شيزر شمالي إيران جرّاء غارة إسرائيلية استهدفت هذا الحيّ السكني، والثاني مرور 10 سنوات على رحيله.

إثر هذه الواقعة، تساءل الناطق الإعلامي باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على منصة "إكس": "هل كان منزل عباس كياروستامي أيضاً جزءاً من التهديد الوشيك ضد الولايات المتحدة؟".

هكذا تطاير الزجاج من نوافذ المنزل، وتبعثر أرشيف المنزل. كان على كياروستامي نفسه أن يصوّر وثائقياً عن حطام منزله: بكرة فيلم تدور بلقطات من "طعم الكرز"، الفيلم الذي حصد جائزة السعفة الذهبية في "مهرجان كان السينمائي" عام 1997، ووضع اسم هذا المخرج الطليعي بين أعظم مخرجي العالم، ثم مشاهد من "سوف تحملنا الرياح" (جائزة الأسد الفضي من مهرجان فينيسيا الدولي عام 1999)، ملصقات أفلام، سيناريوهات في الأدراج، كاميرات قديمة، صور فوتوغرافية التقطها بنفسه كذاكرة حيّة في كيفية "انقضاض الكاميرا على الروح الإنسانية المتعبة"، ويوميات الهامش، غرفة نومه "المكان الوحيد الذي أنام فيه جيداً هو غرفتي في إيران".

تتلخّص رؤية كياروستامي في تحرير النص من قيوده، واختزال المعنى بضربات مكثّفة تطيح الزخارف، لتبقي القارئ أو المشاهد في حالة عطش دائم إلى المعنى. 

نسخة جديدة من فيلمه "كلوز أب" بمعالجة أخرى ومزيج من الوثائقي والروائي في شوارع طهران، ذلك أن مواقع ثقافية وتاريخية نفيسة تضررت هي الأخرى بسبب همجية من لا يمتلك تاريخاً وهوية وصبراً في معنى حياكة السجّاد الفارسي. 

لقطة مقرّبة

اللقطة المقربة إذاً، هي الملاذ الروحي لسينما هذا المخرج المتفرّد، منذ فيلمه الروائي الأول "المسافر" (1974)، مروراً بفيلمه "أين يسكن الصديق" (1987)، وحتى فيلمه الأخير "سوف تحملنا الرياح" (1999). اقتبس معظم عناوين أفلامه من قصائد شعراء، وسيعمل مشرطه في قصائد حافظ الشيرازي الغزلية إحدى أيقونات الشعر الفارسي قداسة وسحبها نحو بساط الحداثة بشذرات أقرب ما تكون إلى شعر الهايكو الياباني من جهة و"رباعيات عمر الخيام" لجهة الكثافة واللغة المصقولة، والحسيّة العالية.

يدرك السينمائي الإيراني المعروف أنّه يخوض في حقلٍ شائك. لذلك، فهو يعاجلنا إلى تقديم "غزليات حافظ الشيرازي برؤية عباس كياروستامي" بقول مقتبس من آرثور رامبو "ينبغي لنا أن نكون حداثيين بشكلٍ مطلق".

مقولة تتيح لصاحب "بين أشجار الزيتون" تشريح نصوص الشيرازي على هواه، أو استلال المضمر في متن تلك النصوص، ووضعه في الواجهة. اللعبة ليست جديدة عليه، فقد سبق أن تجرّأ على نصوص سعدي الشيرازي في "سعدي يستغيث من نفسه" (2007). كما استعار بعض عناوين أفلامه من قصائد لشعراء إيرانيين مثل فروغ فرخزاد "سوف تحملنا الريح".

لا فرق واضحاً لدى عباس كياروستامي بين سينماه وشعره، فالتحديقة نفسها حيال تكوين المشهد أو الصورة الشعرية، لجهة الإشباع والكثافة البصرية والضربة المباغتة في إغلاق فتحة العدسة.

خاض السينمائي الإيراني الراحل تجارب شعرية لافتة، عدا القصائد التي كتبها بنفسه مثل "سوف تحملنا الريح" (1999)، و"ذئب متربّص" (2005)، وديوانه الأخير "ريح وأوراق" الذي صدر بالعربية (2018)، عمل ما يشبه المونتاج على قصائد شعراء آخرين، وإذا بها تذهب إلى مجرى آخر أكثر بريقاً.

تطاير الزجاج من نوافذ منزل كياروستامي، وتبعثر أرشيفه، مشهد يعيدنا إلى عالمه السينمائي حيث تتحول الذاكرة والصورة إلى مادة حيّة لالتقاط الروح الإنسانية المتعبة. 

هكذا يذهب السينمائي والشاعر والرسّام والفوتوغرافي بعدة شغل واحدة لقطف ثمار الشيرازي. يهزّ شجرة الشعر بقوة، ثم ينتخب الثمار اليانعة فقط. في منطقة ما من القصيدة المسربلة بالموسيقى والإطناب الإيقاعي، يلتقط المعنى، ليختزل النوتة، إلى ضربة إيقاعية واحدة، كما يفعل في سينماه ذات النبرة الشاعرية، سواء في ترميم الكادر، أو في الحوار.

يقول عباس كياروستامي في تبرير إعادة صوغ أشعار الشيرازي بهذه الطريقة: "الشجرة عندما تكون في بريّة ولا يحيط بها شيء، فإنها تُشاهد ويكون في وسعنا مشاهدة خصوصيتها وقيمتها، هذه الأشعار هي أيضاً كذلك".

 تحطيم الميراث المقدّس

  •  عباس كياروستامي في منزله
    عباس كياروستامي في منزله

بصرف النظر عن الهوية الجديدة للنصوص، فأهمية التجربة تنبع من عملية الهدم والبناء، وبمعنى آخر تحطيم الميراث المقدّس لأحد أعمدة الشعر الفارسي من منظورٍ آخر، أو إخراجه من كتاب المحفوظات إلى هواء الشارع العمومي.

ووفقاً لما يقول بهاء الدين خرمشاهي، وهو أحد النقّاد المتخصصين في أشعار حافظ، "يسعى كياروستامي إلى محو الهالة الأسطورية الضبابية عن حافظ وتقديمه على أنه كائن أرضي أولاً".

قراءة هذه النصوص تحيل على الشحنة البصرية التي نجدها في أفلام كياروستامي. الشحنة المتوترة، والمحمولة على جماليات رحبة وحميمة في التقاط جوهر المعنى: "مصائب خُصلاتك السوداء لا نهاية لها"، و"من رقة خفية ينبثق الحب"، و"أمل وصالك هو ما يبقيني حيّاً".

بهذا الإزميل الصارم، ينحت كياروستامي ما تبقى من صلصال الشيرازي، كأنّ الشعر في المآل الأخير يعبر من يد خزّافٍ إلى آخر أكثر درايةً ولوعةً، لكن من دون أن يخبو بريق الأصل. لن نجد بسهولة جبّة الشيرازي الصوفي، بل ذلك العاشق المحزون، وصاحب الحكمة، والخمريات، في نزهة المعنى، بعد تقشيره من محسناته البديعية الفائضة.

يقول: "هات الخمر، فأركان العمر، في مهب الريح"، و"أنا الذي أتنفّس من دونك، يا للعار!"، و"رائحة شواء قلبي، ملأت العالم".

اللقطة المقرّبة كانت الملاذ الروحي لسينما كياروستامي، حيث تتكثّف الصورة وتختزل المعنى، في توازن بين البساطة والعمق، وبين الشعر والسينما. 

تتلخّص رؤية عباس كياروستامي بتحرير الأصل من القيود، والتقاط العبارة التي تختزل ما قبلها وبعدها بضربات مباغتة تطيح الزخارف، استناداً إلى جماليات قصيدة الهايكو وحدها. القصيدة التي يراها كياروستامي "أكثر أشعار العالم شاعرية"، و"أنها لا تمنحك كل ما ينبغي أن تمنحه بل تبقيك عطشاً إلى المعنى، وهي عوض أن تحضر الشعر إلى عالمك تدعوك إلى اللامكان".

سلّم موسيقي مختلف

  • عباس كياروستامي
    عباس كياروستامي

من موقعه كسينمائي، يتّكئ صاحب "لقطة مقرّبة" على اللقطة في بناء مشهد لاحق، يتراكم على مهل، وبسلّم موسيقي مختلف، هو حصيلة ذلك الإيقاع المخبوء واللامرئي تحت طبقات شعرية كلاسيكية، ينبغي ألا نتجاهل أهميتها، مهما كانت مبررات الحداثة تتطلب مثل هذه المغامرة.

لكن، هل انتفض حافظ الشيرازي في قبره، وهو يجد معول كياروستامي يهدم ما بناه "أفضل عازف على الكلمات"، كما قال عنه إدوارد فيتزجيرالد، أم أنه اطمئن إلى المسافة التي قطعها شعره نحو جيل آخر، ليس لديه الوقت، لقراءة المطولات؟ على الأرجح، فإنه ابتهج لصنيع حفيده.

ربما علينا استعادة شذرات من فيلمه" سوف تحملنا الرياح" في حوارية تختزل رؤيته الفلسفية للعالم:

-  أين هو النفق إذن؟

-  لقد اجتزناه

-  متى؟

- إنه خلفنا

- إننا نسير على غير هدى.

ملحق

هنا مختارات من ديوان كياروستامي الأخير "ريح وأوراق" (دار المتوسط) بترجمة محمد أمين الكرخي. في هذا الديوان يواصل عباس كياروستامي ترسيخ رؤيته الشعرية عبر قصائد موجزة تذهب نحو اليومي والوجودي والطبيعة واللحظات العاطفية العميقة التي تكاد تكون توثيقاً شعرياً للّقطة السينمائية أو مؤسسة لها عبر تقنية الاختزال، واعتماد الصورة كخيار في الكتابة.

ومضات شعرية ثاقبة على شكل شذرات مسبوكة بعناية ممزوجة بنفحة صوفية وكأنها محاولة للعودة بالقول الشعري إلى فردوسه الأول والمفقود، وكأن الشاعر هنا يرى الكون وأشياءه من ثُقب كاميرا مكسورة:

"ريح وأوراق"

حين حطت النحلة على الوردة
طارت
الفراشة

***

غريقٌ
في اللحظات الأخيرة من حياته
أهدى العالم بضع فقاعات.

***

عند العطار
يضوع عطر آلاف الورود
والأعشاب.

***

حينما امتلك السلطة
فقد لطفه.

***

سأل الطفل
هل يحك القنفذ ظهره؟

***

اليوم
هو نتاج الأمس
والغد
نتاج اليوم
الموت هو حصيلة مثمرةٌ للحياة.

***

شاعرٌ مغمور
في قريةٍ معزولةٍ
أعلنَ حلول عام الشعر.

***

كانت الصيدليات تعيد لزبائنها قصائد
عوض النقود المتبقية

بقالو التجزئة
كتبوا على واجهات دكاكينهم
"نعتذر عن قبول القصائد"

الباعة المتجوّلون
عرضوا القصائد للبيع.

***

حينما ضحك
ضحكت
حين بكى
بكيت
حين قال شيئاً
أنصتُّ إليه
حين قلت شيئاً
غفا.

***

تم رصدُ ست ابتساماتٍ مصطنعةٍ
في صورةٍ تذكارية

***

بحثاً عن ينبوع
بلغتُ ينبوعاً
عكراً كان.

  ***

على الساحل
ضاع بيت من الشعر
لا أحد يبحث عنه.
الريح
سرقت بيتاً شعرياً
من حبل غسيل الجيران.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك