ماركيز ويوسّا: الكتابة وصناعة الأسطورة

نكتشف من الحوارات المتتالية انتماء الكاتبين إلى وطنٍ عريضٍ يتجاوز الحدود السياسية، وما عزلة كولومبيا سوى مرآة لعزلة البيرو. وما الفساد والتسلّط والعنف سوى تجليات يومية للواقع المعيش في البلدين.

  • ماركيز ويوسّا: الكتابة وصناعة الأسطورة
    ماركيز ويوسّا: الكتابة وصناعة الأسطورة

تعدّ القطيعة بين ماريو بارغاس يوسا (1936-2025) وغابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) واحدةً من أشهر الخلافات الأدبية في التاريخ المعاصر، وحدثت بعد أن سدّد يوسا لكمةً مفاجئةً إلى وجه ماركيز في دار السينما في مدينة مكسيكو. وعلى الرغم من التزام الكاتبين الصمت من غير أن يكشفا عن التفاصيل الدقيقة للخلاف، إلّا أنّ ثمّة من يرجّح ذلك إلى سبب شخصي يتعلّق بالسيدة باتريشيا يوسا (1945) زوجة يوسا في ذلك الوقت، إضافة إلى التحوّلات السياسية والحزبية والموقف من الثورة الكوبية. 

قبل أعوام من هذه الحادثة، كانت العلاقة بين الكاتبين وطيدة لدرجة أنهما شكّلا في العام 1967 حدثاً استثنائياً لم يكن الحاضرون يدركون حمولته التاريخية الكاملة وقتذاك. وعلى منصة الجامعة الكاثوليكية كان الشابان يمثّلان ما سُمّي لاحقاً "الطفرة الأدبية الكولومبية واللاتينية" (EL Boom). حينها كان ماركيز البالغ من العمر 40 عام ينتشي بنار النجاح الساحق لروايته "مئة عام من العزلة"، فيما كان البيروفي ماريو فارغاس يوسا متوّجاً بجائزة "رومولو غاليغوس" عن روايته "البيت الأخضر".

 لم يكن اللقاء مجرد ندوة جامعية، إنما تشريحاً لصنعة الكتابة الروائية وأزمة الهوية في أميركا اللاتينية. وقد نُشرَ هذا الحوار التاريخي لاحقاً في كتاب عنوانه "عزلتان" صدر عن منشورات الجمل (2025) منقولةً إلى العربية بقلم مارك جمال، ويتضمّن شهادةً قاطعة عن اللحظة التي استعادت فيها القارة صوتها الأدبي بعد عقودٍ من التبعية والعزلة. ويتفق الكاتبان فيه على أنّ الكتابة لا تُشكّل ترفاً، إنما تجسيداً حقيقياً لاندفاعٍ قهريّ، وبينما يؤطّر يوسا فكرته حيال الكتابة الروائية بوصفها نوعاً من التمرّد والانتقام، كان الكاتب بالنسبة إلى ماركيز مدفوعاً للسرد بسبب عجز الواقع عن تلبية خياله أو احتواء تجاربه المبكرة التي عاشها في طفولته؛ تلك الطفولة التي شكّلت قوام السرد في رواياته، وفي أسلوبه الذي حاكى طريقة جدّته في القَصّ: "كانت جدتي تنطق بأكثر الخرافات غرابة بوجهٍ صلبٍ وباردٍ، من دون أن يرفّ لها جفن، وكأنها ترصد واقعاً محبوكاً بالبديهيات". 

نكتشف من الحوارات المتتالية انتماء الكاتبين إلى وطنٍ عريضٍ يتجاوز الحدود السياسية، وما عزلة كولومبيا سوى مرآة لعزلة البيرو. وما الفساد والتسلّط والعنف سوى تجليات يومية للواقع المعيش في البلدين. وهكذا فإنّ مفهوم العزلة بالنسبة إلى ماركيز انطوى على أبعادٍ أنطولوجية تاريخية تُجبَرُ فيها الشخصيات على الدوران في حلقاتٍ مفرغة من الذكريات. أما عزلة يوسا فهي صراع الإنسان الحديث ضدّ البنية القاسية للواقع، إذ يصبح الصمت والتمرّد خياره الوحيد. 

 ولغاية التفريق ما بين أدب الازدهار في أميركا اللاتينية وما كُتب قبله فإنّ ماركيز يعترف بتأثير وليام فوكنر (1897-1962) بوصفه الحدّ الفاصل بين جيلهِ من الكتّاب وجيل الأجداد، لأنّ وجودَهُ باعتباره حدثاً استثنائياً بين الجيلين دفع النقّاد للبحث عن تأثيره في أكثر من خمس وسبعين رواية في أميركا الجنوبية، بما فيها روايات ماركيز ذاته، ولأنّ تأثيراته كانت جليّة فإنّ المنهج الفوكنري كان شديد الفعّالية لسرد واقع أميركا اللاتينية، وكأنما من خرج من كتّاب وروائيي القارة عمدوا، من غير وعي منهم، على استبعاد المنهجين الأوروبي والإسباني التقليدي في الكتابة، والعثور على منهج "فوكنر" بوصفه علامة فارقة ملائمة لسرد الواقع اللاتيني. 

 مجَسّدين مسرحاً لتضادٍ ممتعٍ في كيمياء الكتابة، يُظهر يوسا عاطفة تنظيمية صارمة؛ إذ يتناول الرواية باعتبارها معماراً هندسياً دقيقاً. ويطرح أسئلة عن الأسلوب، والزمن السردي، ووظيفة الراوي، وكأنه بأسئلته التي يطرحها يفتّش عن المعنى الفلسفي خلف كلّ مجازٍ استخدمَهُ ماركيز الذي بدوره كان يتملّص من فخاخ التنظير؛ مرجعاً فكرة الإبداع إلى الحسّ والملاحظة والذاكرة الشفاهية. وعندما حاول يوسا تحليل رمزية بعض الأحداث في "مئة عام من العزلة" أجابه بابتسامة: "كلّ ما أردتُهُ أن أحكي قصة عائلتي والبيت الذي نشأتُ فيه". لذا فإنّ قراءة كتاب "عزلتان" لا يمكن أن تتمّ من دون استحضار الظلّ الإنساني والبعد التاريخي للكاتبين، إذ أبدى كلّ منهما كشفاً غير مسبوق للكيفيّة التي تتمّ فيها تحويل الحادثة العابرة أو التراث الشفاهي إلى أسطورة، كما أفردا مساحة شيّقة لتفكيك طقوس الكتابة، وإظهار التمايز بينهما فيما يتعلّق بطريقة نشأة العمل الروائي. 

وفي الحين الذي يجد ماركيز أنّ البداية في عملية الكتابة هي تجربة مجهدة وتتطلّب التغلّب على قسوة البدء، فإنّ أصعب ما يجده عند كتابة الرواية هو السطر الأول أو الصفحة الأولى؛ وبمجرّد العثور على النغمة والأسلوب والإيقاع الصحيح للبداية، فإنّ الرواية تنهمر بشكل طبيعي وتلقائي، مصرّاً على أنه لا ينبغي للكاتب أن يبدأ بناء على خطط هندسية مسبقة، بل أن يستمدّ طاقته من الذكريات والانطباعات الحسية، مؤكّداً أنّ الكتابة بالنسبة له عملية تجريد وتفريغ للذاكرة والوجدان. 

وعلى النقيض منه، فقد تعامل يوسا مع الكتابة بشكل صارم وبصورة يومية وبساعات محدّدة، سواء نزل الإلهام أم لم ينزل، ينبغي على الكاتب أن يعثر على الإلهام في أثناء العمل وليس في أوقات الانتظار. هكذا يبرز التضاد بين الكاتبين، من واحد خرج من عباءة "ماكوندو" مكرّراً أحداثها، ومتكئاً على زمن دائري يسحق في داومته كلّ أبطاله، إلى كاتب آخر وجد في الظلم التاريخي وغياب الحريات الفردية هدفاً لنصوصه. وعلى أنّ نهاية هذه الصداقة بين العملاقين شهدت خاتمة دراماتيكية استمرت لعقود، فإنّ الحدث الذي جمع بينهما ووثّق للقائهما يبدو كمثل لحظة ذهبية نادرة توثّق الوفاق الخالص قبل أن تفرّقه الأيديولوجيات السياسية وصراعات الحياة الشخصية، وإذا ما أردنا أن نخلص من كتاب "عزلتان" بنتيجة، فإننا نستطيع القول بأنّ الكاتبين الحائزين على جائزة نوبل لاحقاً، أثبتا، على الرغم من اختلاف التكنيك الفني والمسار الفكري لكلّ منهما، أنّ الأدب ينبع على الدوام من الجرح ذاته؛ ومن عزلة المرء أمام مصيره، ومن حاجته الماسّة إلى السرد لكي ينجو. 

اخترنا لك