لاريسا بندر: رحلتي من لغة الضاد إلى لغة غوته
تشير بندر إلى أن وضع الترجمة سيسوء مستقبلاً مع اقتحام الذكاء الاصطناعي لهذا الحقل، لصعوبة التقاط روح النص، لأن الآلة، مهما كانت ذكية، تفتقر إلى العاطفة والعلاقة الروحانية مع النص الأصلي.
-
لاريسا بندر
كنّا على موعد مع لاريسا بندر في مقهى "الروضة" الدمشقي، لا بوصفها مستشرقة ألمانية في زيارة خاطفة لمدينة خرجت لتوّها من لهيب الحرب، بل كواحدة من "السوريين" الذين عادوا إلى البلاد بعد غياب قسري، وذلك لاكتشاف تحوّلات المشهد عن كثب، أو لتظهير "نيغاتيف" الصور المفزعة التي اشتبكت معها طويلاً في عشرات النصوص السورية، عبر رحلتها من لغة الضاد إلى لغة غوته.
كانت ترجمة كتاب "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف بوصلتها الأولى في التعرّف إلى جحيم الشرق ومآسيه، قبل أن تغرق في ترجمة "مدن الملح" بمشاركة ماجدة بركات، وعناوين أخرى لهذا الروائي المتفرّد.
وستكتشف تدريجياً تضاريس الخريطة العربية على اتساعها، تبعاً لمناطق الزلزال وبؤر الاضطرابات السياسية وتمزّقات الهوية من جهة، ولموقفها الشخصي من نصوص خلّفت ندبة في روحها لفرط الألم والأسى وعذابات بشر الجنوب من جهة أخرى، وتالياً العمل على تصدير صورة الآخر وصبواته ومكابداته، بعيداً من النموذج الاستشراقي "سيئ السمعة".
تفكيك الخرائط
دراسة بندر للاستشراق في جامعتي كولن وبرلين عام 1977، وضعتها أمام أسئلة جديدة حول معنى الإسلام والإرهاب والاستعمار والعنصرية، من منظور مختلف عمّا أسّس له إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق". فهي تنتسب إلى جيل ما بعد الحرب في تفكيك الخرائط، ذلك الجيل الذي درس الاستشراق من وجهة نظر جديدة تعتني بتصحيح الصورة، لا بتشويهها استعمارياً.
هكذا سلكت طريقها نحو الأدب بوصفه نقطة تحوّل في مسيرتها الأكاديمية، وغاصت في بحر اللغة العربية وألغازها وتعقيداتها البلاغية، فعملت على سحبها نحو بساط آخر بعد تشذيبها من فائض الحكي والتكرار والسيولة اللفظية.
فالقارئ الألماني، كما تقول، يحتاج إلى "العبارة المنضبطة والدقّة في المعنى، على عكس اللغة العربية المتخمة بالاستطرادات البلاغية". بناءً على هذه الرؤية، كان عليها أن تُخضع النصّ المترجم لنحو 7 مسودات متتالية، بقصد "ترميم هفوات الترجمة، وتفكيك المعنى، وفحص الفروق في اللهجات بين بلد وآخر، وصولاً إلى النسخة النهائية".
الاعتناء بأدب الصدمة
في رصيد بندر اليوم عشرات العناوين المترجمة إلى الألمانية، بما يكفي لواجهة مكتبة أو حبل غسيل في فضح الأنظمة القمعية ودرجات الاستبداد والطغيان والعنف في المنطقة العربية عموماً، وفي سوريا على نحو خاص، نظراً إلى معرفتها العميقة بأحوال هذا البلد المنكوب تاريخياً بأهوال الحروب والانقلابات العسكرية والمعتقلات، ما يذكّرها بأدب المعسكرات النازية بوصفه نسخة موازية لأدب السجن عربياً، ويجعل من الترجمة محاولة فردية في "ردم المسافة بين الثقافات".
هكذا انخرطت في ترجمة رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة، الحائزة "جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي" عام 2025، وهي من أكثر الروايات السورية انتماءً إلى ما يسمّى "أدب الصدمة".
ينخرط هذا الأدب في تشريح مصائر الكائن المعذّب، وتصوير ضيق الزنزانة و"حفلات" التعذيب الوحشية، من بساط الريح إلى "الكرسي الألماني"، كذاكرة مشتركة بين اللغتين، سواء في سجن تدمر الصحراوي، أم في سجن صيدنايا، أم في أقبية المخابرات.
كما التفتت إلى نصوص أخرى عالجت الوضع السوري موشورياً، مثل "تقاطع نيران" و"المشّاءة" لسمر يزبك، و"لم يصلِّ عليهم أحد" لخالد خليفة، و"الخائفون" لديمة ونوس، وصولاً إلى نصوص جيل المهجر المطعّمة بنكهة الفقدان والهجنة الثقافية ومحنة اللجوء ومكابدات المنفى.
غزة أو فتح ثغرة في ضمير العالم النائم
مع اندلاع أحداث غزة الأخيرة، أدارت بندر بوصلتها نحو هذه المدينة التي شهدت إبادة إسرائيلية علنية. تعترف بأنها عاشت ألماً لا يُطاق وذهولاً من جرّاء جرعة الألم، وهي تقرأ شهادات الجرحى الذين استضافتهم مدينة الدوحة للعلاج، فانكبّت على ترجمة 27 شهادة، بمشاركة ليوني نوكيل، كانت سمر يزبك قد أنجزت نسختها العربية.
تعترف بأنها أُصيبت بصدمة غير مسبوقة وألم نفسي عميق حيال الهمجية التي عاشها هؤلاء الناجون من المذبحة، فهنا "لا مكان للمجاز كما في الروايات". لكن ما شجّعها على إتمام الترجمة هو حرصها الشخصي على إيصال أصوات الضحايا إلى القارئ الألماني المثقل بماضي بلاده، وفتح ثغرة في ضمير العالم النائم حيال هذا الدرس في الوحشية والقسوة والأذى.
بموازاة هذه النصوص، اكتشفت لاريسا بندر سرداً آخر بمذاق مختلف، وهو ما وجدته في رواية السوداني، عبد العزيز بركة ساكن "الغراب الذي أحبني"، سواء من جهة الأسلوب أم البيئة أم وقائع الحرب الملتهبة في السودان.
وفي الفضاء السوداني نفسه، انكبّت لاريسا بندر على ترجمة رواية "أرواح إدو" لستيلا غايتانو، إذ وجدت فيها واقعاً سحرياً في تعرية ثنائية الأمومة والموت، وأسئلة الهوية والذاكرة في جنوب السودان، بسرد متوتر، وأزمنة متداخلة، ومناخات مشبعة بالروحانيات. وقد رُشّحت النسخة الألمانية لجائزة الأدب العالمي في برلين، ووصلت إلى القائمة القصيرة.
لا تبدو لاريسا بندر متفائلة بعبور الأدب العربي نحو ضفاف الراين كما ينبغي، وذلك لعدم اكتراث القارئ الألماني بهذا الأدب إلا عبر إشعاعات خاطفة. لكنها، من جهتها، مستمرة في التحدي، طالما أنها تترجم ما يستهويها وترفض ما لا يتناسب مع ذائقتها. فالمترجم، كما تقول، "ليس ماكينة بقدر ما هو صاحب موقف".
وتضيف: "أسعى إلى إزاحة الظلم الذي لحق بقضايا العرب، إلا أن المحصول لم يكن وفيراً، فالناشر الألماني يخضع للآراء المسبقة والأحكام الجاهزة حيال هذا النص أو ذاك".
المشقّة والمتعة فوق سجادة واحدة
لا تنكر لاريسا بندر، في إجابتها عن سؤالنا حول تسرّب قضايا المثلية وشخصية اليهودي والأكزوتيك الشرقي، أن بعض الأصوات العربية الجديدة تخضع لنبرة استشراقية بوهم العالمية، إلا أن الروايات التي تعتني بسوسيولوجيا المكان والهوية تلقى اهتماماً أكثر جدية.
هكذا تتأرجح مهنة المترجم بين مشقّة "تفسير النص" والمتعة الشخصية التي تأتي متأخرة، بعد عمليات مرهقة تتمثّل في الحذف وإعادة تركيب الجملة وفقاً لمتطلبات القارئ الألماني.
وتشير، أخيراً، إلى أن وضع الترجمة سيسوء مستقبلاً مع اقتحام الذكاء الاصطناعي لهذا الحقل، لصعوبة التقاط روح النص، لأن الآلة، مهما كانت ذكية، تفتقد إلى العاطفة والعلاقة الروحانية مع النص الأصلي.

