كيف قُتلت آمال خليل مرتين؟
ماذا يعني أن تُقتل الصحافية آمال خليل ميدانياً، ثم يُعاد قتلها رمزياً عبر لغة تخفّف الجريمة وتشوّه الرواية؟
اعتادت الزميلة الشهيدة، آمال خليل، أن تعرِّف عن نفسها بعبارة واحدة: "مراسلة صحافية". لطالما كانت آمال، صاحبة الشخصية الصلبة التي عرفت مبكراً أنّ الكلمة خط تماس، تختصر نفسها بصفتها كمراسلة، بنبرةٍ لا تخلو من اعتزاز.
يكفي أن يزور أحد صفحتها على منصة "إكس" ليقرأ في زاوية التعريف عبارة "مراسلة الأخبار"، وقد اختارتها تقريباً نفسها لصفحتها على "إنستغرام"، "صحافية في جريدة الأخبار". وهي بذلك، كانت تختصر كلّ ما أرادت أن تكونه، كشاهدة على الحدث وحارسة لحقّه في أن يُروى مهما كان الثمن باهظاً.
فآمال خليل التي أسرف زملاؤها في الحديث عن احترافها المهني، وشغفها الذي بلغ حدّ الهَوَس بأحوال الجنوب اللبناني وهمومه، كانت من هؤلاء الصحافيين الذين باتوا أشبه بعملةٍ نادرة في أيامنا هذه. ليس لأنها كانت تذمّ صحافة "الديسك"، أي الصحافة المُمَارسَة في المكاتب، وتمازح أصدقاءها، صحافيي "الديسك"، من جرّاء ذلك بشيءٍ من الاستهجان؛ ولا لأنها كانت بعيدة من فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي وثقافتها، بمعنى أنها كانت خارج إطار الفقاعات حيث يلتبس "الناشط" بالصحافي ويصير المنشور (بوست) خطاب الشلّة، بل لأنها كانت مراسلة ميدانية بالمعنى الحرفي للكلمة، تستقي خبرها من الأرض: معاينةً واحتكاكاً، رصداً وتفاعلاً.
فقد كانت دائماً حيث يكون الحدث، وهناك لا حسابات عقلانية فيه ولا خطوط فاصلة لها، مهما بدت ألوانها، حمراء أو صفراء أو حتى بيضاء.
كانت آمال خليل تختصر كلّ ما أرادت أن تكونه: شاهدة على الحدث وحارسة لحقّه في أن يُروى مهما كان الثمن باهظاً.
هكذا، بدت آمال خليل، وربما من دون دراية منها، من ذلك الطراز النادر من الصحافيين الذين يلمعون في الحروب. ذلك أنّ كلّ موهبتها، وكفاءتها، وحتى جوهرها الإنسانيّ، مثل إزاحة سلحفاة يتيمة عن وسط الطريق أو إنقاذ قطّة من تحت الردم، تتفجّر لحظة سقوط القنابل. فمراسلة جريدة "الأخبار" في الجنوب، اعتادت كتابة تقاريرها وأخبارها من وراء المتاريس، وفي المناطق الملغومة التي لا يجرؤ أحد على الذهاب إليها، وكأنّ الصحافة أشبه بجواز سفر أخضر يمنح قدميها حقّ الذهاب أبعد من الحدود ولو كان سطح القمر.
هذا التوهّج في الحرب حيث يتكثّف المعنى إلى حدّه الأقصى، بلغ يوم 22 نيسان/أبريل 2026 ذروته القاسية: الفاجعة. استشهدت آمال خليل، الشاهدة على مشهد الوحشية الإسرائيلية، وتحوّل الجسد الذي كان يعبر بين الركام لالتقاط الخبر إلى خبرٍ يُروى.
لحقت آمال بزملائها الصحافيين الذين استُهدفوا خلال الحرب، وانضمّت إلى لائحة طويلة من الشهداء الذين قدّمهم الجنوب اللبناني، فيما أُصيبت زميلتها وصديقتها زينب فرج بجروح خطيرة ولا تزال تخضع للعلاج في إثر الغارة الإسرائيلية التي استهدفتهما قرب بلدة الطيري في جنوب لبنان.
وبحسب روايات ميدانية وشهادات رسمية، فإنّ الصحافيتين كانتا في محيط سيارة تعرّضت للاستهداف، قبل أن تلجآ إلى أحد المنازل طلباً للحماية، إلا أنّ الغارة طالت المكان أيضاً. وبقيت آمال خليل لساعات تحت الأنقاض قبل انتشالها.
غير أنّ المهنة التي كرّست آمال خليل حياتها لها، أي الصحافة، بدت على نحوٍ ما متواطئة في فعل القتل الذي طاولها. ولعلّه من الجائر القول إنّ الصحافة، كمجالٍ حيويّ، متواطئة في قتل آمال، وأنه من الأجدى، بدلاً عن ذلك، تحديد الجهات الصحافية لكي لا نعدم الصحافة ونضعها في جانب القتلة.
دائماً وأبداً... الإعلام الإبسيتيني نفسه
-
زينب فرج
قبل أن تُنشر رواية زينب فرج التي رافقت آمال خليل في رحلتها الأخيرة، كنا نعرف أنّ غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً جنوبياً لجأت إليه آمال وزينب طلباً للحماية. لكن ما إن مرّت الساعات الأولى على وقوع الغارة، حتى بدأت رواية أخرى يراد لها التداول أن تتشكّل خارج الركام.
4 ساعات تقريباً بقيت فيها آمال خليل تحت الأنقاض قبل أن تُنتشل شهيدة، كانت كافية كي يشتغل "الإعلام الإبستيني" المحلي الذي لا يصف الحدث بل يعيد هندسته، على إنتاج سردية بديلة توحي بوجود ارتباطات مريبة، في إيحاءٍ محسوب يهدف إلى التوريط. تكرّر السيناريو الذي حدث سابقاً مع الزملاء الشهداء في "الميادين" و"المنار"، حين جرى ربطهم بسرديات أمنية لتبرير استهدافهم أو التشكيك ببراءتهم.
حين أُعلن عن استشهاد آمال خليل، نقلت وسائل إعلام محلية الخبر على نحو يساوي بين الموت قتلاً والموت الطبيعي.
لكن في شهادة زينب فرج ما يعيد تثبيت الوقائع. هنا رواية حيّة تفكّك تلقائياً تلك السرديات التي حاولت منذ اللحظة الأولى إقامة علاقة قسرية بين الحادثة والشبهة.
ستأخذ هذه العلاقة بين الشبهة والحدث مدى أوسع في السرديات الإعلامية لتبلغ درجة الصلافة حين قدّمت قنوات مثل "CNN" و"BFM" الفرنسية تغطيات أدرجت عمل آمال خليل ضمن سياق سياسي، عبر توصيف الجريدة التي تعمل معها بأنها صحيفة يسارية مؤيّدة لحزب الله، بما فتح باب التأويل حول الضحية نفسها.
إعلام يشتغل كحانوتي
-
الزميلة الشهيدة آمال خليل
لكن قبل الولوج إلى ذلك، لا بدّ من التوقّف عند ما "غاب" عن خبر الشهادة، قبل التطرّق إلى "الحشو" وإعادة التوظيف التي طالت خبر الاستشهاد نفسه.
حين أُعلن عن استشهاد آمال خليل، نقلت وسائل إعلام محلية الخبر على نحو يساوي بين الموت قتلاً والموت الطبيعي. فقد اكتفت بصياغة الخبر على النحو الآتي: "وفاة الصحافية آمال خليل". بهذه الصياغة، تمّ محو الفاعل المتورّط في قتل خليل، وجرى تنظيف سجلّ الاغتيال من آثاره.
حين يحذف الفاعل من الجملة، لا يخفى القاتل فقط، بل تدفن الحقيقة معه.
هكذا، حين كانت "إسرائيل" هي الجهة التي نفّذت الغارة التي أدت إلى مقتل آمال خليل، تحوّل دور الإعلام إلى ما يشبه عمل الحانوتي: قتل الحقيقة ودفنها، وتقديم موتها بوصفه موتاً قدرياً. موت منزوع الفاعل والتاريخ والجريمة. لا يعود القتل حدثاً يُروى، بل يُعاد تشكيله كصيغة لغوية مُطهَّرة تُخفي القاتل بقدر ما تُخفي الجريمة.
إعلام متواطئ وشريك في القتل
-
من تشييع الزميلة آمال خليل
على أنّ محطات مثل "CNN" و"BFM" قد ذهبت أبعد، وأمعنت في القتل الرمزي. فإذا كان بعض الإعلام المحلي قد اشتغل على تغييب الفاعل، فإنّ الإعلام الغربي ذهب إلى مستوى آخر: إدراج الجريمة ضمن سياق تأويلي يخفّف من وطأتها أو يعيد تفسيرها.
في تقرير قصير، اختزلت "CNN" الحكاية بجملة ذات طابع سياسي أكثر منه تقريري: قُتلت آمال خليل في غارة إسرائيلية أثناء عملها لصالح جريدة وُصفت بأنها يسارية ومؤيّدة لحزب الله. جملة واحدة تكفي لإنتاج إطار تأويلي كامل، يُعاد من خلاله ترتيب الوقائع بحيث تصبح الضحية موضوعاً مشروط الشرعية، والجريمة نتيجة ضمن سياق مفترض.
ليست المعركة على الأرض وحدها، بل في اللغة أيضاً. كانت آمال خليل تعرف هذا جيداً، وكانت ماضية في معركة السرديات حتى النفس الأخير.
بهذا المعنى، لا تُخبر الجملة عن الحدث بقدر ما تُدرج الضحية داخل خانة الاشتباه، بما يتيح ضمنياً إعادة توزيع المسؤولية. كأنّ اللغة تقول من دون تصريح: إنّ القتل استهدف من هم خارج الحياد.
هكذا تتحوّل السردية الإعلامية إلى آلية تحمّل الضحية مسؤولية اغتيالها، في حيلة متكرّرة في سرديات الحروب: تحويل الجريمة إلى نتيجة، والمجازر إلى أحداث قابلة للتبرير.
في مثل هذه الحالات، ليست المعركة على الأرض وحدها بل في اللغة أيضاً. كانت آمال خليل تعرف هذا جيداً، وكانت ماضية في معركة السرديات حتى النفس الأخير، من دون أن تأبه بالتهديد الإسرائيلي الذي تلقّته على هاتفها عام 2024: "نحن نعرف أين أنت...". لكنها بقيت المراسلة الصحافية التي تعتز بتغطيتها للحرب على الجنوب، جنوبها، قبل أن تسقط شهيدة وتنام في ترابه.
