في فلسفة الحروب: الإنسان أمام مختبر الدم!
انتقلت الفلسفة من فضاء التأمل إلى ما يشبه المختبر، حيث تحوّلت من البحث في الكمال إلى تبرير الإقصاء، ومن التفكير في الوجود إلى التدخل في تشكيله.
-
مقبرة جماعية في غزة (أ ب)
شكّلت حرب الإبادة على غزة صدمة كونية أعادت فتح أسئلة وجودية وسياسية عميقة، ودفعت إلى مراجعة مسلّمات ظلّت تحكم النظام الدولي لعقود، بل لقرون. ومع تصاعد الأحداث، بدأت ملامح تحوّل رمزي تتبلور تدريجياً: تراجع الثقة في الخطاب الأخلاقي الغربي، وتحرّر الأفراد من سطوة الإعلام الموجّه، وعودة القيم الأساسية، مثل العدالة والكرامة والتضامن، بوصفها محركات لوعي جمعي عابر للحدود.
في هذا السياق، لم تعد غزة تُختزل في كونها "قضية محلية" أو مجرد مأساة إنسانية، بل تحوّلت إلى حدث مفصلي يعيد طرح سؤال الإنسان وموقعه في الصراع بين القوة والضمير. ومن هنا، ينبثق تساؤل جوهري: هل نحن أمام لحظة تاريخية تعيد تشكيل ملامح الحضارة المعاصرة، انطلاقاً من الأطراف المهمّشة، بحيث تصبح غزة نقطة انطلاق لتحوّل في الوعي العالمي؟
الفلسفة، في جوهرها، لا تُقاس بقدرتها على تبرير الواقع، بل بقدرتها على مساءلته ونقده. وعندما تتحول المفاهيم إلى أدوات لتقسيم البشر، يصبح من واجب الفكر الفلسفي إعادتها إلى أصلها، حيث يكون العقل مسؤولية أخلاقية لا وسيلة للهيمنة. فالتاريخ يبيّن أن أخطر الجرائم لم تُرتكب بدافع الغريزة، بل تحت غطاء الأفكار.
وينطبق هذا أيضاً على ما تشهده المنطقة، من إيران إلى لبنان، حيث يتجدد حضور أنماط من التفكير الاستعماري، رغم الاعتقاد السائد بعد الحرب العالمية الثانية بأن البشرية قد تجاوزت تلك المرحلة. غير أن هذه الأفكار تعود بأشكال أكثر تهذيباً، عبر مفاهيم مثل "الحق التاريخي" و"الاستثناء الأخلاقي" و"الرسالة الحضارية".
لم تعد الحرب في القرنين العشرين والحادي والعشرين مجرد صراع عسكري أو جيوسياسي، بل غدت اختباراً فلسفياً عميقاً لمفاهيم العقل والأخلاق والمسؤولية والمعنى.
فقد واجه الفلاسفة حروباً ذات طابع غير مسبوق: حربان عالميتان، حروب أهلية دامية، تجارب استعمار وتحرر، ثم حروب بالوكالة وتدخلات خارجية تحت شعارات أيديولوجية أو أمنية أو قيمية. وفي هذا الإطار، لم يعد السؤال الفلسفي محصوراً في شرعية الحرب، بل اتسع ليشمل موقع الفيلسوف نفسه: هل هو شاهد؟ أم مشارك؟ أم ناقد من الخارج؟ أم صوت أخلاقي يُستدعى بعد فوات الأوان؟
لم تقدّم الفلسفة موقفاً موحداً من أي حرب، بل كشفت عن هشاشة اليقين الأخلاقي، وعن قابلية الفكر للانزلاق نحو التبرير حين يفقد مسافته النقدية. فمن راسل وأورويل إلى آرنت وكامو، وصولاً إلى أغامبن وبتلر وجيجك، تظهر الحرب كاختبار دائم للفلسفة، من حيث قدرتها على مقاومة تطبيع العنف، وفهم لغته، والتمييز بين الدفاع عن القيم وتحويلها إلى أدوات للهيمنة. وعندما اعتبر أرسطو أن بعض البشر "عبيد بالطبيعة"، كان يضع أساساً فكرياً لمنطق تمييزي سيتحوّل عبر الزمن إلى أنظمة إقصاء واستعمار.
لم يبدأ الوعي الأوروبي بحجم الجرائم إلا بعد الحرب العالمية الثانية، حين واجهت ألمانيا إرثها النازي، فاكتشفت أن ممارساتها الاستعمارية في ناميبيا كانت مقدمة لما حدث لاحقاً في أوروبا. وفي العقود الأخيرة، بدأت خطوات الاعتراف الرسمي بهذه الجرائم، بما في ذلك الإبادة التي تعرّضت لها قبائل الهيريرو والناما، لكن آثارها لا تزال حاضرة.
في القرن الــ 21، تغيّرت طبيعة الحرب مرة أخرى. لم تعد حدثاً محدد البداية والنهاية، بل أصبحت حالة ممتدة: حروب بلا جبهات واضحة، وعنف منخفض الشدة لكنه مستمر، إلى جانب حضور قوي للتكنولوجيا والإعلام. وفي ظل هذا التحول، لم تعد مهمة الفلسفة تقتصر على اتخاذ موقف مباشر، بل أصبحت مطالبة بكشف ما هو خفي، ومساءلة ما يُقدّم على أنه بديهي أو لا مفر منه.
وقد أشار المفكر الإيطالي، نيكولو مكيافيلي، إلى أن التاريخ السياسي تحكمه قوة سمّاها "فورتونا"، أي تقلب الظروف والحظ. فالقادة، رغم سعيهم للسيطرة عبر التخطيط، يظلون خاضعين لعوامل لا يمكن التحكم بها بالكامل.
من هنا، يرتبط النجاح السياسي بالقدرة على التكيف مع هذه المتغيرات. وفي السياق المعاصر، قدّم نسيم نيكولاس طالب مفهوم "البجعة السوداء"، الذي يشير إلى أحداث نادرة يصعب توقعها، لكنها تحمل تأثيراً كبيراً في مسار التاريخ.
هكذا يمكن فهم كثير من الحروب الكبرى، بما فيها الحروب الأهلية، على أنها نتاج لحظات غير متوقعة تتجاوز قدرة البشر على التنبؤ. فالتاريخ لا يسير دائماً وفق خطط عقلانية، بل يتشكل أحياناً عبر أحداث مفاجئة تعيد ترتيب موازينه. لكن، إذا كانت الحرب محاطة بكل هذا اللايقين، فلماذا يستمر الإنسان في البحث عن يقين داخلها؟
إن الحرب تكشف حدود العقل أكثر مما تؤكد قوته. فهي تذكّر بأن التخطيط، مهما بلغ من الدقة، لا يلغي عنصر المفاجأة. وربما يكمن الدرس الأعمق في ضرورة التعلّم من داخل هذا اللايقين، لا محاولة القضاء عليه.
لم يكن الفكر الاستعماري الألماني مجرد نتاج عسكري، بل ارتبط ببيئة فكرية وأكاديمية نشطة. ففي جامعات مثل برلين ولايبزيغ وغوتينغن، نشأ ما سُمّي "علم الأعراق البشرية"، الذي حاول تصنيف الشعوب وفق معايير بيولوجية. هذا التوجّه أعاد صياغة مفاهيم فلسفية قديمة بلغة داروينية، ليُنتج سرديات تبرّر التفوق العرقي.
هكذا، انتقلت الفلسفة من فضاء التأمل إلى ما يشبه المختبر، حيث تحوّلت من البحث في الكمال إلى تبرير الإقصاء، ومن التفكير في الوجود إلى التدخل في تشكيله.
ورغم سقوط ألمانيا النازية، لم يختفِ المنطق الذي دعمها، بل أُعيد إنتاجه في سياقات جديدة، خاصة خلال الحرب الباردة، حيث استُخدمت مفاهيم مثل "الدفاع عن القيم" و"نشر الديمقراطية" لتبرير التدخلات السياسية والعسكرية. في جوهر هذا الخطاب، يستمر افتراض وجود شعوب "مؤهلة" للحرية وأخرى تحتاج إلى التوجيه، وهو امتداد لفكرة التمييز القديمة.
ومن بين الأمثلة المعاصرة التي أعادت إنتاج هذا المنطق، المشروع الصهيوني في فلسطين، الذي قُدّم في كثير من الأحيان بوصفه مشروعاً أخلاقياً، لا استعماراً تقليدياً. هذه الصياغة تعتمد على سرديات تاريخية ودينية تعيد تعريف العلاقة مع الأرض والسكان الأصليين، في إطار ما وصفه المؤرخ باتريك وولف بالاستعمار البنيوي.
أما الحروب الأهلية، فقد وضعت الفلاسفة أمام تحدٍ أكثر تعقيداً. ففي غياب عدو خارجي واضح، يتحول الصراع إلى انقسام داخلي يمسّ المجتمع واللغة والذاكرة. وقد عبّر جورج أورويل عن هذه التجربة خلال الحرب الأهلية الإسبانية، حيث لاحظ كيف يمكن للخطاب السياسي أن يصنع واقعاً مزيّفاً، وأن يعيد تشكيل الحقيقة نفسها. وقد أصبحت هذه التجربة لاحقاً أساساً لنقده للأنظمة الشمولية وآليات التحكم بالمعلومة.