في رثاء إعلام لبناني بلغ أرذل العُمر
يقال إن الإعلام اللبناني كان رائداً يوماً في محيطه العربي. ويقال، بحق، إنه سبق غيره في تجارب تستحق أن تروى. لكن السقوط يكون أشد إيلاماً حين يكون من عل. بلغ تيار كبير في الإعلام اللبناني أرذل العمر، لأن الشيخوخة أصابت ضميره، وأقعدت مهنيته.
-
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
كان الهواء اللبناني، ذات زمن قريب من ذاكرة من لا يزالون يتذكرون، يحمل أصواتاً علَّمت العرب كيف تدار الحوارات، وكيف تشيد على الموجات صروح من فكر وثقافة ووعي. كانت الشاشات نافذة لبنان إلى العالم، ونافذة العالم إلى تجربة عربية فريدة في تعدده وحريتها الجريئة. كان ثمة إعلام يقال إنه رائد، وكان هذا الوصف يومها مستحقاً.
أما اليوم، فإن من يطل على تلك الشاشات ذاتها، أو يستمع إلى أثير تلك الإذاعات، أو يتصفح منصات صارت امتداداً رقمياً لهذا الخراب، يكاد لا يصدق أن البلد واحد، وأن الهواء المشترك لم يستبدل بغبار سام يتسرب إلى الرئتين فيقتل ما تبقى من فكرة وطن. لقد بلغ تيار واسع في الإعلام اللبناني أرذل العمر، لا في السنوات، بل في الأخلاق والخطاب والمضمون الذي لم يعد يخجل من عريه القبيح.
سموم على الهواء المشترك
تنضح كثير من البرامج والنشرات بما هو أكثر من خطاب كراهية عابر. لقد صارت الطائفية المقيتة، في جزء كبير من هذه الشاشات، هي اللغة الأم التي تتحدث بها، لا بوصفها انعكاساً لواقع منقسم فحسب، بل منتجاً أساسياً لهذا الانقسام ومضخِّماً له. الطائفية هنا ليست مجرد تفصيل في التغطية، بل هي في الغالب هوية التغطية ذاتها، الزاوية التي تروى منها الحكاية، والعدسة التي تنتقى بها الصورة.
والأخطر من الخطاب ذاته، هو عدد ممن يعتبرون "ضيوفاً" على هذه المنابر. كثير منهم لا يمثلون أي حيثية، ولا يحملون أي صفة تخولهم أن يكونوا في موقع من يطل على جمهور. ليسوا بخبراء، ولا بمفكرين، ولا حتى بحملة قضية نبيلة، بل في أحوال كثيرة مجرد أبواق وجدت لتنفث سمها في الهواء اللبناني المشترك. اختيروا بعناية، لا لشيء إلا لأنهم يجيدون إيقاظ الفتنة التي لم تنم يوما في هذا البلد المرهق. فتنة تغفو بعين واحدة، فإذا بصوت أحد هؤلاء يوقظها لتطلع من جديد بوجهها الكالح.
عنصرية على عواهنها
لم يعد الكلام العنصري في جزء لا يستهان به من هذا الإعلام يحتاج إلى تورية أو تلميح. يطلق على عواهنه، بلا وجل، بلا حياء. تحولت العنصرية في تلك المنصات إلى "طرح جريء" وإلى "مادة إعلامية رائجة" تضمن التفاعل والإعلانات.
ولم يعد الأمر مقصوراً على عنصرية عابرة تجاه الآخر اللبناني من طائفة أو منطقة. بل جاوز في حالات كثيرة إلى ما هو أدهى عبر الفتح المتعمد للهواء أمام الشامتين بالضحايا، أمام من يصفقون لجيش الاحتلال، أمام من يرقصون على دماء الناس وركام البيوت.
هنا لا تعود المسألة خلافاً سياسياً، بل انحداراً إلى حضيض أخلاقي لا قاع له. حين يصبح ابن الوطن شامتاً بأخيه تحت القصف، وحين تفتح الشاشة ليرقص البعض على أشلاء بني جلدتهم، فعندئذ يكون ذلك الإعلام قد نزع عن نفسه آخر قميص مهنة.
من حق أي إنسان أن يكون له رأيه ووجهة نظره، بل إن تعدد الآراء هو روح الحرية. لكن ليس من حقه أن يتماهى مع سرديات العدو الإسرائيلي، وأن يتحول إلى بوق يردد أكاذيب المعتدي. فالتماهي مع العدو ليس رأياً آخر، بل خيانة.
كما أن التعبير عن الرأي يجب أن يبقى في إطار الاحترام، لا أن يهبط إلى الابتذال. من حقك أن تختلف وتعترض بشدة، لكن ليس من حقك أن تهين وتشتم، أي كان هذا الآخر ومهما بلغت درجة الاختلاف. أما على السلطات المعنية، فواجبها تطبيق القوانين التي تمنع هذا التدني، شرط أن لا يكون ذلك على حساب حرية الرأي المقدسة. لكن قداسة هذه الحرية تستلزم رفعتها وسموها، لا انحطاطها.
أرذل العمر
يقال إن هذا الإعلام كان رائداً يوماً في محيطه العربي. ويقال، بحق، إنه سبق غيره في تجارب تستحق أن تروى. لكن السقوط يكون أشد إيلاماً حين يكون من عل. بلغ تيار كبير في الإعلام اللبناني أرذل العمر، لا لأنه تقدم في السنوات، بل لأن الشيخوخة أصابت ضميره، وأقعدت مهنيته.
أرذل العمر هو ذاك الذي يفقد فيه الكائن كرامته قبل أن يفقد أنفاسه. وهذا ما آلت إليه حال إعلام كان يفترض أن يكون مرآة وطن، فإذا به في أغلبه الساحق مرآة مشوَّهة ومشوِّهة.
في خضم هذه العتمة التي تجتاح شاشات كثيرة، لا يملك المرء إلا أن يسأل نفسه: أين برامج الثقافة والوعي والرقي؟ أين ذلك الزمن الذي كان لبنان فيه وطناً للإشعاع، لا وطناً يصدر الكراهية عبر الأثير؟ لبنان الذي اخترعناه معاً كان فكرة ثقافية حوارية تعددية قبل أن يكون كياناً سياسياً. فإذا انهارت الفكرة في الفضاء الإعلامي، فماذا تبقى من لبنان؟
استثناءات لا تلغي القاعدة
ورغم قتامة المشهد في قطاعات واسعة من الإعلام، تظل هناك استثناءات وأصوات جديرة بالاحترام والمتابعة. ليست العتمة كلها حالكة. هناك منابر ومنصات لم تبع ضميرها بعد، ولم تتحول إلى سوق للكراهية. هذه الاستثناءات لا تبرر الفساد المستشري، لكنها تثبت أن الإعلام النظيف ممكن، وأن لبنان لم يمت بالكامل. من واجبنا تسليط الضوء على هذه الأصوات، والعمل على أن تتسع رقعتها.
إن ما يجري في جزء كبير من الإعلام اللبناني اليوم ليس مجرد تردِ مهني، بل جريمة بحق وطن بأكمله، تُرتكَب على الهواء مباشرة بحجة حرية التعبير. إنه إعلام اختار أغلبه أن يكون أداة حرب لا وسيلة سلام. وحين يفتح الهواء للشامتين، وحين يصفق للمحتل، وحين يرقص على الركام، فاعلم أن مصباح لبنان قد أوشك على الانطفاء. لكنه لم ينطفئ بعد. فما دام هناك من يكتب هذه الكلمات، ومن يقرأها بغضب وألم، ومن يرفض السكوت، فثمة أمل أن يعود الهواء نقياً، والشاشات مشرعة على الضوء لا على العار.