فلسفة الجوائز في الأدب العربي: رعاية للإبداع أم توجيه سياسي؟
هل تحوّلت الجوائز الأدبية العربية من وسيلة لتكريم الإبداع إلى أداة تحكّم اقتصادي وسياسي توجّه ما يكتبه الأدباء؟
يسعى جزء يسير من الشعراء والأدباء العرب إلى حصد الجوائز، لا لنيل التكريم اللائق لأعمالهم فقط، بل لأنّ المال صار ضرورة في ظلّ أوضاع اقتصادية صعبة. وتأتي المبالغ المالية الكبرى المطروحة عبر بعض الجوائز العربية، خصوصاً المرصودة لفنّ الرواية، لتكون حافزاً مغرياً لكثيرين كي يتقدّموا بأعمالهم طمعاً في "الثروة" التي تطرحها الجهات المموِّلة للجوائز، ولتلك الجهات بالتأكيد أغراض من وراء استقطاب أعمال إبداعية بعينها.
حتى أنّ كثيراً من كتّاب الأدب يغيّرون تخصصهم الكتابي من شعر أو قصة إلى رواية، بل ويكتبون على مزاج لجان التحكيم في الجوائز، ليحظوا بالمبلغ المرصود، باعتبار أننا في عصر استهلاك هذا الفنّ. هكذا تصبح فلسفة الجوائز العربية، خصوصاً في مضمار الأدب، في حاجة إلى وقفة ما يطرح السؤال الآتي: هل هي للتقدير الفني أم تقف وراءها أغراض سياسية؟
جوائز أدب تستبعد شعر الفصحى
في مصر جوائز شهيرة أطلقتها "مؤسسة ساويرس الثقافية"، ويعدّها كثيرون بديلاً من جوائز الدولة، نظراً إلى ارتفاع قيمتها المالية. لكنّ المتأمّل في حال تلك الجوائز يرى أنها تُقدَّم في فروع كالمسرح والقصة والرواية، طبعاً، بل والنقد، ثمّ أخيراً شعر العامية المصرية، فيما لا توجد جائزة لشعر الفصحى. وهذه هي المرة الوحيدة التي تُؤسَّس فيها جائزة للأدب لا يتصدّرها شعر الفصحى، باعتباره فنّ العرب الأكبر.
وسام رجب، مديرة العلاقات العامة في "جائزة ساويرس الثقافية"، تقول لأحد المواقع المصرية إنّ القائمين على الجائزة "يسعون إلى تطويرها سنوياً وإضافة فروع جديدة لها"، وتابعت: "المشكلة تكمن في أنّ فروع الشعر كثيرة، وإضافة فرع خاصّ بالشعر أمر ما زال محلّ نظر ودراسة".
بعضهم يريد أعمالاً أدبية تروّج فكراً محدّداً يتوافق معه، وبعضهم الآخر يريد تحقيق هدف استثماري من جوائزه، فضلاً عن الحكومات التي قد تستهدف الترويج لتراث البلاد عبر طرح جائزة أدبية، أو تقديم الصورة العربية إلى العالم.
هذا الرأي الدبلوماسي تواجهه آراء تتردّد كثيراً، فحواها أنّ مؤسس جوائز ساويرس يعتبر أنّ "الفتح العربي لمصر احتلال عربي". وأصحاب هذا الرأي يستندون، مثلاً، إلى أنّ قناة "أون تي في"، التي أطلقها ساويرس عام 2008، كانت النشرات الرسمية فيها تُقرأ باللهجة العامية المصرية، وقد تلقّتها الجماهير حينها بشيء من الصدمة والريبة.
شاعر العامية المصري، أحمد خطاب، يرى أنّ بعض الشعراء يسيرون بمبدأ أنّ "الجوائز تلد جوائز"، بمعنى أنّ المبدع قد يقدّم عملاً إلى جائزة ليس لقيمتها المالية، وإنما لأنها ستضعه ضمن احتمالات الاختيار لجائزة أخرى تالية، مثل جائزة "المجلس الأعلى للثقافة" في مصر، وقيمتها 10 آلاف جنيه فقط، ومن يتحصّل عليها ربما يُرشَّح لجائزة الدولة التشجيعية في السنة التالية أو بعدها.
وإذا حصل المبدع، بحسب خطاب، أيضاً جائزة الدولة التشجيعية، يُرشَّح لعضوية لجنة الشعر، لافتاً إلى أنّ هذا ليس قانوناً بالطبع، لكن هذا ما يجري في معظم الأحيان.
إحصاءات جوائز الأدب العربي
تقديرات كثيرة تشير إلى أنّ إجمالي الإنفاق العربي على الجوائز الأدبية في دول مثل الإمارات وقطر والكويت والسعودية ومصر يتجاوز 3 ملايين دولار سنوياً. وهذا المبلغ سيزيد بالتأكيد إذا انضمت ميزانيات الجوائز في بقية الدول العربية، ولن يكون فقط بهدف دعم الإبداع الأدبي، بل إنّ هناك بالتأكيد أهدافاً أخرى لرعاة هذه الجوائز.
الدكتور هيثم الحاج علي، أستاذ النقد بجامعة حلوان والرئيس السابق لــ "الهيئة المصرية العامّة للكتاب"، يقول لـ"الميادين الثقافية" إنّ الحديث عن الجوائز العربية في مجال الأدب مرتبط بالتاريخ، فالأدباء في العصور القديمة كانوا يتكسّبون من عطايا الحكّام، وكان هذا أول شكل من أشكال الجوائز الأدبية تاريخياً.
ويضيف: "في العصر الحديث وُجدت جوائز أُسِّست بمبادرات فردية، مثل جائزة "قوت القلوب الدمرداشية"، تلك الجائزة التي أنقذت نجيب محفوظ من إحباطه وأعادته إلى الكتابة".
كثير من كتّاب الأدب يغيّرون تخصصهم الكتابي من شعر أو قصة إلى رواية، بل ويكتبون على مزاج لجان التحكيم في الجوائز، ليحظوا بالمبلغ المرصود، باعتبار أننا في عصر استهلاك هذا الفن.
وتابع: "مع الحالة الاقتصادية نرى أنّ لقيمة الجوائز سطوة على استمرار الأدباء في إنتاجهم، وبالتالي من الطبيعي أن يسعى بعضهم وراء الجوائز ذات القيمة المادية الكبيرة. لكن تبقى نسبة لا بأس بها من الأدباء تتقدّم لجوائز أقلّ في القيمة المادية، لكنها معروفة بنزاهتها وتوجّهاتها".
ويوضح هيثم الحاج علي أنه قد صارت لدينا جوائز مدعومة من رجال أعمال، ولا شكّ أنّ لهم توجّهات وأفكاراً. فمثلاً، بعضهم يريد أعمالاً أدبية تروّج فكراً محدّداً يتوافق معه، وبعضهم الآخر يريد تحقيق هدف استثماري من جوائزه، فضلاً عن الحكومات التي قد تستهدف الترويج لتراث البلاد عبر طرح جائزة أدبية، أو تقديم الصورة العربية إلى العالم عبر تقدير مجمل أعمال المبدع باستخدام جوائز الدولة التقديرية، كما هي الحال في مصر.
خريطة عربية للجوائز
ويقترح الرئيس السابق لــ "الهيئة المصرية العامّة للكتاب" أن يتمّ تنشيط دور اتحاد الجوائز العربية وتفعيله لصناعة خريطة عربية للجوائز، بحيث لا تتعارض أو تتقاطع، ولنضمن أنّ هذه الجوائز تمنح دفعة للمشهد الإبداعي العربي، وكذلك لضمان ألا يكون تأثير التوجّه السياسي كبيراً في القيمة الإبداعية، وأن تذهب الجوائز إلى مستحقّيها، وفق قوله.
من جانبه، يقول الدكتور جمال العسكري، الناقد الأدبي والباحث الثقافي، إنّ للجوائز أهميتها الكبرى في عالم الفنون والآداب، فهي وجه من وجوه التقدير المعنوي الواجب التعامل به مع صاحب أيّ منجز إبداعي. وبناء على ذلك، تصبح للجوائز أهميتها في الكشف عن الطاقات المبدعة التي ربما غابت في ضجيج اللحظة، وبخاصة بين صفوف الشباب ومن يبحثون عن البدايات.
العلاقة وطيدة بين الجوائز وسياسات الدول، فالفعل الثقافي عموماً صورة من صور الفعل السياسي، والسؤال هو: هل يدعم هذا العمق السياسي طاقات الإبداع والابتكار، أم إنّ الأمر مجرّد أداء وظيفي يسهم في تكريس الواقع وتجميده في إطار نظرة أيديولوجية ضيّقة؟
ويؤكّد العسكري أنّ الجوائز إحدى نقاط الضغط المحورية في السياسات الثقافية، بخاصة في الدول التي تجعل من الثقافة حقيبة وزارية في تكوينها التنفيذي الرسمي، مثل مصر، ما يعني أنّ الجوائز إحدى وسائل التنشيط الثقافي والحضاري المعبِّر عن قوة المنظور الثقافي لدى الدولة، ومن ثمّ تصبح الجوائز إحدى وسائل السياسة الثقافية والقوى الناعمة، ترسّخ قيمها وتمنحها مساحة لدعم مشروع الدولة الحضاري.
وأوضح العسكري أنّ الجوائز الراهنة في العالم العربي "بعيدة تماماً عمّا أشرنا إليه، لأنّ أغلبها يغرّد في سبيل مختلف يخصّ المساحة الضيّقة التي تتحرّك فيها الجائزة عبر المتحكّمين فيها"، وقال إنّ: "أغلب هذه الجوائز يدخل مرحلة الاعتياد والموسمية، بمعنى أنها أصبحت دورية تشبه السوق، فما تلبث أن تنعقد ثمّ تنفض، يربح فيها من يربح ويخسر فيها من يخسر، من دون وقوف أمام مخرجات هذه الجوائز للاستفادة منها إبداعياً ونقدياً وثقافياً".
وأضاف أنّ أغلب هذه الجوائز دخل طور التكلس والسكون بفعل نشوء مراكز قوى حولها، وهذه المراكز ربما أثّرت في النتيجة النهائية لهذه الجوائز، بما يعني التأثير في قيمة الجوائز وأثرها.
من جوائز التضامن الاجتماعي إلى جوائز الأدب ورهاب التغيير
ويرى العسكري أنّ بعض الجوائز الأدبية العربية يُمنح على سبيل التضامن الاجتماعي، حتى وصل الأمر إلى التحديد المسبق لصاحب الجائزة، وهي ظاهرة لها أبعادها السياسية والاقتصادية التي ينبغي الالتفات إليها ودراستها كظاهرة اجتماعية تهدّد الفعل الإبداعي والثقافي عموماً، لافتاً إلى غلبة الهوس المادي وتراجع القيمة المعنوية للجوائز بفعل الأزمات الاقتصادية في أغلب بلدان العالم العربي، وهذا يفسّر عدم تأثير الجوائز الفعلي في الواقع الثقافي.
وأضاف أنّ الجوائز العربية كلّها، حتى الآن، لم تستطع توفير المصداقيّة لنفسها، بحيث يتحقّق لها الترويج بين مجموع القرّاء، تلك الغاية التي من المفترض استهدافها، لأنّ مصداقيّة الإبداع تتحقّق حين يتحقّق له الانتشار بين جموع المتلقّين.
أغلب الجوائز يدخل مرحلة الاعتياد والموسمية، بمعنى أنها أصبحت دورية تشبه السوق، فما تلبث أن تنعقد ثمّ تنفض، يربح فيها من يربح ويخسر فيها من يخسر، من دون وقوف أمام مخرجات هذه الجوائز للاستفادة بها إبداعياً ونقدياً وثقافياً.
وأكد العسكري أنّ العلاقة وطيدة بين الجوائز وسياسات الدول، فالفعل الثقافي عموماً صورة من صور الفعل السياسي، وتساءل: "هل يدعم هذا العمق السياسي طاقات الإبداع والابتكار، في إطار مشروع إنساني يتحرّك نحو غاية وحيدة هي التجديد الفني والإبداعي، أم أنّ الأمر مجرّد أداء وظيفي يسهم في تكريس الواقع، بل ويجمّده في إطار نظرة أيديولوجية ضيّقة؟"
ويختتم بقوله إنّ: "سياسات الجوائز في العالم العربي تعاني رهاب التغيير والتجديد، ذلك الذي بدأ ينسحب على المبدعين أنفسهم وبعض مراكز القوى النافذة حول هذه الجوائز. ولا يخفى هنا شيوع ظاهرة التخطيط للعمل الإبداعي وفقاً للخبرة بالجائزة وأصحابها، بل ولجان التحكيم فيها، وهو ما يجرح، بل يقلّل، من قيمة الجوائز على المدى البعيد، ويسهم في حالات الإحباط التي ربما اعترت المبدعين الجادّين".



