فاطمة فتوني.. شاهدة لا تموت
فاطمة، يا زهرة المدى، أنت الخبر والحكاية، والشاهدة التي لا تموت. يا عطراً لا يمكن أن يُحاصر.
-
فاطمة فتوني
قرى جنوب لبنان التي لا تنام، موطن التقاء السماء بصلابة الصخر ورقة الأزهار البرية، هناك، كُتبت الحكايا بالدم، حكايا لم تنته فصولها بعد وهي تنسج خيوط الحرية، من بوصلة الحقيقة التي تتجه على يد فاطمة فتوني وعلي شعيب.. صوت وعين أشد فتكاً ببرودة القاتل.
زهرة "الميادين" نثرت في كل رسالة بذور الأمل على تفاصيل الأرض بكل ملامحها، لم تعرف الخوف، ولم يعرف الخوف إليها سبيلاً، وإلى جانبها قارئ للتضاريس غيباً، كاتب لمعلومة ينتظرها كل باحث في الآن والذاكرة، واقف مرة على خط النار، ثابت لا ينحني، ومرة يجول بعدسة تنطق ما تخفيه الجراح في المدى.
فاطمة لم تكن تكتفي بنقل خبر عابر أو معلومة من هنا وهناك، بل كانت تقف بشجاعة بين المنازل المهدمة، وتلمس عنفوان الناس وإباءهم أمام الاحتلال. كما لمست حزنهم على رحيل من أحبوا. لم تكسرها العواصف ولا الفقدان في القرى المكلومة، وهي تقول بين نبض الركام: "هذا ما تبقى من درعي وخوذتي والسلاح الذي نحمله (الميكروفون)".
في الجنوب - ليست المرة الأولى - تُغتال الكلمة والصورة، على يد عدو يخشى التوثيق، شعاع الميدان، وإرادة الصمود. عدو يخشى من همسة في الصباح من روح الأرض، قبل استفاقة القذائف. عدو يرتجف أمام كل صخرة عاملية، تخفي خلفها ظل مقاوم، وحتى من طيف فوق العشب الأخضر.
لم تكن شجاعتها وصلابتها تهوراً، بل إيماناً يحمي الحقيقة، يخاطب كل حجر: "سأكتب عنك". كانت تعلم أن حب المقاومة في زمن التزييف له ثمن باهظ دفعته بابتسامة واثقة، وقوة راسخة، ويقين بحق القضية الفلسطينية وتحرير الأرض.
استشهدت فاطمة، لكن صدى صوتها يغزل كفن المحتل، ينساب في الوديان وبين شجر الزيتون.. صدى يكرر نفسه مثل مناجاة إلهية في يد أرزة ترتفع إلى السماء، مثل قصيدة يقرؤها التراب للياسمين، مثل حبر يلون أحداق الفجر.
فاطمة، يا زهرة المدى، أنت الخبر والحكاية، والشاهدة التي لا تموت. يا عطراً لا يمكن أن يُحاصر.