غزة وإيران والعراق ولبنان: لماذا أعاد الغرب إنتاج صورة "الإنسان البدائي"؟
هل تغيّر الاستعمار حقاً؟ وكيف تحوّلت الحداثة، التي وعدت بتحرير الإنسان، إلى لغة جديدة لإعادة تقسيم البشر بين من يستحق الحماية ومن يمكن قتله أو نسيانه؟
حين يفتتح سلمان رشدي روايته "أطفال منتصف الليل" (1981) بولادة طفل متزامنة مع ولادة الهند المستقلة، فإنه لا يقدّم الاستقلال بوصفه لحظة نقية للخلاص، بل بوصفه استمراراً خفياً لزمن آخر داخل الزمن الجديد.
ذلك أن الأمم الخارجة من الاستعمار لا تغادره دفعة واحدة. إذ تبقى لغته عالقة في الذاكرة، وصوره كامنة في المخيال، وحدوده مطبوعة في الجسد السياسي والثقافي. لذلك يبدو الشرق، حتى بعد نهاية الاحتلال المباشر، كأنه لم يتحرر تماماً من الرواية التي كُتبت عنه. رواية تصفه بأنه فضاء ناقص الحداثة، متوتر، خطر، ومحتاج دائماً إلى من يعيد ترتيبه أخلاقياً وسياسياً. وما الحروب الحديثة إلا أحد أكثر الأشكال عنفاً لإعادة إنتاج هذه الرواية القديمة.
في الخطاب الغربي المعاصر حول العدوان على إيران، لا يظهر الإيراني باعتباره فاعلاً سياسياً داخل شبكة مصالح وصراعات دولية فحسب، بل أيضاً بصفته حاملاً لــ "تهديد" ثقافي وحضاري. كأن الخطر لا يكمن فقط في السلاح أو المشروع الجيوسياسي، إنما في طبيعة هذا "الآخر" نفسه: المختلف، الغامض، وغير القابل للاندماج في النموذج العالمي المهيمن.
هنا يعود الفارسي القديم الذي صاغه الخيال الأوروبي منذ قرون، لا باعتباره إنساناً تاريخياً، بل صورة. فمنذ الرسائل الفارسية لمونتسكيو، كان الشرق يؤدي وظيفة رمزية داخل الوعي الأوروبي: فضاء الاستبداد في مقابل فضاء الحرية، الحريم في مقابل العقل، العاطفة المنفلتة في مقابل القانون. صحيح أن مونتسكيو استخدم الفارسي لنقد أوروبا أيضاً، لكن الشرق ظل، رغم ذلك، مادة رمزية تُبنى عبرها مركزية الغرب الأخلاقية والسياسية.
المفارقة أن الحداثة الأوروبية التي أعلنت انتصار العقل الكوني، وأسست لخطاب حقوق الإنسان، هي نفسها التي احتاجت دائماً إلى "آخر أقل إنسانية" كي تؤكد تفوقها الأخلاقي. فالاستعمار لم يتقدّم بوصفه مشروع نهب فحسب، بل "رسالة تمدين".
وحين انتهى الاستعمار العسكري المباشر، لم تختفِ البنية التي قامت عليها تلك الرسالة، معيدة إنتاج نفسها بمفردات جديدة أكثر نعومة وخطورة مثل: نشر الديمقراطية، وحماية الأقليات، وإنقاذ النساء، ومكافحة الإرهاب، وإعادة الاستقرار.
تغيرت اللغة، لكن العلاقة نفسها ظلت قائمة: هناك دائماً شعب يُعرَّف باعتباره غير مكتمل الحداثة، وغير قادر على إدارة ذاته، وبالتالي يصبح التدخل في شؤونه فعلاً أخلاقياً لا عدواناً.
-
لوحة "المؤذن" - جان ليون جيروم
لهذا يبدو "الإنسان البدائي" الذي فككت الأنثروبولوجيا البنيوية أسطورته، كأنه لم يمت أبداً. لقد تغيّر اسمه فقط. خرج من القاموس الأنثروبولوجي القديم ليدخل المعجم الأمني والسياسي المعاصر. لم يعد البدائي هو صاحب العظام والطقوس البدائية كما تخيله الخيال الاستعماري في القرن التاسع عشر، بل تحول إلى "الإرهابي"، و"المتطرف"، و"الخطر الحضاري"، و"الدولة المارقة"، أو "الشعب غير المؤهل للديمقراطية".
إننا أمام استمرار للبنية نفسها: تحويل جماعات بشرية كاملة إلى استثناء أخلاقي يسمح بممارسة العنف ضدها من دون الشعور الكامل بالذنب. فالقنبلة الحديثة لا تُلقى فقط باسم القوة، بل باسم الإنسانية ذاتها.
إن أخطر ما في الإمبراطورية المعاصرة ليس قدرتها على التدمير فقط، بل قدرتها على جعل التدمير يبدو عقلانياً وأخلاقياً وضرورياً. فهي لا تقتل باسم الكراهية المعلنة، بل باسم النظام العالمي، والاستقرار، والدفاع عن الحضارة. لذلك صار الحصار أداة ضغط مشروعة، وباتت الحرب واجباً إنسانياً، وأصبحت المراقبة حماية للحرية. في هذا العالم، لا تُدار الحياة والموت وفق مبدأ المساواة، بل وفق منطق أمني يجعل بعض الشعوب قابلة للحماية، وأخرى قابلة للإبادة أو النسيان.
وقد كان فرانز فانون محقاً حين رأى أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، إنما يحتل صورة الإنسان عن نفسه. وكان سيزير أكثر دقة حين كشف أن أوروبا لم تكن تصدّر الحضارة إلى العالم بقدر ما صدرت عنفها الخاص تحت غطاء أخلاقي. أما إدوارد سعيد فقد أظهر أن الشرق لم يكن حقيقة جغرافية بريئة، بل اختراعاً معرفياً متكاملاً، أنتجته النصوص والجامعات والمؤسسات والسياسات، بحيث يصبح الشرق دائماً موضوعاً للتفسير لا ذاتاً تتكلم. لهذا لا يمكن فصل الطائرات التي تقصف اليوم عن الكتب التي كتبت بالأمس؛ فالمعرفة نفسها كانت دائماً جزءاً من آلة القوة.
إن أكثر ما يكشف عنف الخطاب الحضاري ليس ما يقوله عن نفسه، لكنْ تناقضاته الداخلية. فالحرب التي تُشنّ باسم حماية الحياة تُنتج موتاً جماعياً. والديمقراطية التي تُقدَّم كقيمة كونية تُفرض عبر الحصار والعقوبات والقصف. والمرأة الشرقية التي تُستخدم رمزاً للاضطهاد لا تُستشار غالباً في الحروب التي تُشنّ باسم تحريرها. بل إن "الإنسانية" نفسها تتحول إلى جهاز فرز خفي: هناك بشر يُنظر إلى موتهم بوصفه مأساة كونية، وآخرون يُختزلون إلى "أضرار جانبية". هنا بالضبط يتكشّف الوجه العميق للاستعمار المتأخر: ليس بوصفه احتلالاً مباشراً، بل بكونه سلطة تعرّف من يستحق الإنسانية الكاملة ومن يُدفع إلى هامشها.
ولعل أخطر ما في الحروب الحديثة أنها لا تدمّر المدن فقط، لكنها تعيد ترتيب العالم أخلاقياً. إنها تُنتج خرائط خفية للبشرية، فيصبح بعض الشعوب أقرب إلى القانون والإنسانية، بينما تُدفع شعوب أخرى إلى منطقة رمادية بين الإنسان والخطر. وهنا يعود السؤال القديم في صورة أكثر قسوة: هل انتهى فعلاً عصر "الشعوب البدائية"، أم أن الحداثة أعادت اختراع البدائي بلغتها الخاصة؟ وهل تغيّر الاستعمار حقاً، أم أنه فقط استبدل الجندي بالمحلل الأمني، والمبشّر بالخبير الاستراتيجي، ولغة "التمدين" بلغة "الاستقرار العالمي"؟ وإذا كانت الحروب تُشنّ اليوم باسم إنقاذ الإنسان، فلماذا يبدو الإنسان نفسه أول ضحايا هذا الإنقاذ؟
الشرق كاختراع حضاري: من مونتسكيو إلى الخطاب الجيوسياسي المعاصر
-
حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة لحظة قصوى في إنتاج اللامساواة الإنسانية
لم يعد الشرق في الخطاب الجيوسياسي المعاصر مجرد مجال جغرافي للصراعات. لقد تحوّل إلى مختبر رمزي تُعاد في داخله صياغة العلاقة بين القوة والإنسانية. ذلك أن الحرب الحديثة لا تبدأ بالقصف، إنما بإنتاج صورة تجعل العنف ممكناً أخلاقياً، لا بل "ضرورياً" أحياناً. ومنذ أن صاغ مونتسكيو الفارسي في الرسائل الفارسية باعتباره عيناً غريبة تنظر إلى أوروبا، لم يتوقف الشرق عن أداء دور "الآخر الضروري" الذي يسمح للغرب بإعادة تعريف نفسه باعتباره مركز العقل والنظام والحرية.
غير أن هذه الصورة لم تبقَ أدبية أو فلسفية، إذ تحولت تدريجياً إلى بنية سياسية كاملة، حيث يصبح الشرق فضاءً دائم التأجيل للحداثة، ودائم الاشتباه الحضاري.
هكذا لم تعد الحرب على إيران، أو العراق، أو غزة، أو لبنان، مجرد حروب على دول أو تنظيمات، بل تحولت إلى لحظات يُعاد فيها إنتاج الشرق بوصفه مشكلة أنثروبولوجية وأخلاقية في آن واحد: شرق يحمل فائضاً من العنف، والتعصب، واللاعقلانية، بما يجعله دائم الحاجة إلى الاحتواء أو التأديب أو التدمير.
في هذا السياق، يبدو تحليل أشيل مبمبي في نقد العقل الزنجي شديد الأهمية، لأنه يكشف أن الحداثة الغربية لم تبنِ نفسها فقط عبر إنتاج مفاهيم الحرية والعقل والإنسان، لكن أيضاً عبر إنتاج "الإنسان القابل للاستبعاد". فالزنجي عند مبمبي ليس مجرد هوية عرقية، بل هو موقع داخل النظام العالمي: الكائن الذي يُختزل إلى مادة حية قابلة للإدارة أو الإبادة أو الإهمال.
وإذا كان الاستعمار الكلاسيكي قد صنع "الزنجي" بوصفه الجسد الذي يمكن استغلاله من دون اعتراف كامل بإنسانيته، فإن الحروب المعاصرة أعادت إنتاج المنطق نفسه تجاه شعوب الشرق الأوسط، لكن بأدوات جيوسياسية وأمنية جديدة.
هكذا صار العربي أو الإيراني أو الفلسطيني يُقدَّم، في كثير من الخطابات الإعلامية والسياسية، بوصفه كائناً محاطاً دائماً بشبهة العنف، بحيث يصبح موته حدثاً أقل مأساوية من موت الإنسان الغربي. هنا لا تعمل العنصرية عبر اللغة البيولوجية القديمة، لكن عبر ما يمكن تسميته "الأنثروبولوجيا الأمنية": تصنيف الشعوب وفق قربها أو بعدها من نموذج الإنسانية المقبولة.
ولهذا لم يكن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 مجرد عملية عسكرية مرتبطة بأسلحة الدمار الشامل، كما زعمت إدارة بوش الإبن، بل ذروة خطاب حضاري كامل. فقد بدا العراق، في السردية الأميركية، كأنه فضاء متجمد خارج التاريخ، يحتاج إلى إعادة إدخاله قسراً إلى زمن الديمقراطية الليبرالية.
كانت بغداد تُقدَّم كمدينة مختطفة من الحداثة، فيما ظهر الاحتلال العسكري كأنه عملية جراحية أخلاقية لإنقاذ المجتمع العراقي من الاستبداد. لكن المفارقة أن هذه الحرب التي جاءت باسم "تحرير الإنسان العراقي" انتهت إلى إنتاج فضاء واسع من الفوضى والموت والانهيار الطائفي. هنا تتكشّف إحدى أعنف تناقضات الحداثة الإمبراطورية: إنها تدّعي صناعة النظام عبر العنف، لكنها كثيراً ما تنتج العنف بوصفه نظاماً دائماً. كأنّ الشرق لا يُسمح له بالدخول إلى الحداثة إلا عبر المرور أولاً بممر الإبادة والفوضى.
هذا ما يجعل حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة أكثر من مجرد حرب على أرض محاصرة؛ إنها لحظة قصوى في إنتاج اللامساواة الإنسانية. فالفلسطيني لا يُقدَّم كخصم سياسي، بل كتهديد وجودي متجذر في ذاته الجماعية. وهنا تصبح الإبادة ممكنة داخل خطاب "أخلاقي" يتحدث باستمرار عن "حق الدفاع عن النفس". إن ما يكشفه المشهد الغزّي ليس فقط اختلال ميزان القوة، لكن أيضاً اختلال ميزان التعاطف نفسه. فهناك بشر يُنظر إلى موتهم باعتباره مأساة كونية تهدد الضمير العالمي، بينما يتحول موت آخرين إلى أرقام إحصائية أو "أضرار جانبية".
بهذا المعنى، فإن غزة تكشف ما يسميه مبمبي "السياسة الموتية"؛ أي تلك السلطة التي لا تكتفي بإدارة الحياة، بل تقرر أيضاً من يستحق أن يعيش ومن يمكن دفعه إلى الموت الجماعي من دون أن ينهار النظام الأخلاقي العالمي.
أما الجنوب اللبناني، فقد ظل منذ عقود يُختزل داخل المخيال الجيوسياسي الغربي إلى "منطقة تهديد"، لا إلى مجتمع تاريخي حيّ. إن اختزال الجنوب إلى مجرد فضاء للصواريخ و"المليشيات" يمحو تعقيده الاجتماعي والإنساني، ويعيد إنتاجه كأرض حدودية خارجة جزئياً عن الإنسانية الطبيعية.
انتهى الاستعمار العسكري المباشر، لكن بنيته الإدراكية استمرت في العمل داخل مؤسسات الدولة الحديثة، وفي الإعلام، والسياسات الأمنية، والخطابات الإنسانية نفسها. لم يعد "الإنسان البدائي" هو ذلك الجسد الذي كانت تدرسه الإثنوغرافيا الاستعمارية، بل صار الإنسان الذي يُنظر إليه باعتباره غير قابل للاندماج، أو حاملاً لفائض من العنف، أو تهديداً كامناً للاستقرار الكوني. هكذا تحوّل الاختلاف الثقافي إلى شبهة سياسية، ثم إلى خطر أمني، قبل أن يصبح مبرراً للعنف.
لذلك تبدو عمليات التدمير الواسعة وكأنها جزء من "إدارة الخطر"، لا اعتداءً على حياة مدنية كاملة. فالحرب الحديثة لا تحتاج فقط إلى القوة العسكرية، بل إلى إعادة كتابة المكان نفسه: تحويله إلى مساحة استثنائية، قابلة للقصف الدائم لأنها تقع خارج الجغرافيا الأخلاقية الكاملة للعالم.
هنا تلتقي تحليلات مبمبي مع رؤية بانكاج ميشرا في كتابه "عصر الغضب". فالعالم المعاصر لا يعيش فقط أزمة سياسية، بل أزمة وجدانية عميقة ناتجة عن وعود الحداثة غير المحققة.
لقد وعدت الحداثة بالمساواة والحرية والاندماج الكوني، لكنها في الواقع أنتجت شعوراً عالمياً بالإقصاء والمهانة واللاجدوى. وهذا ما يجعل الحروب المعاصرة ليست مجرد صدامات مصالح، إنما انفجارات ضخمة للغضب والضيم. فالغرب نفسه، الذي بشّر بالعالمية، عاد يبني أسواره الهوياتية والأمنية، بينما وجدت مجتمعات كاملة نفسها معلقة بين الرغبة في اللحاق بالنموذج الغربي والشعور العميق بالإذلال أمامه.
لذلك فإن العنف المعاصر، سواء جاء في صورة تدخل إمبراطوري أو ردود فعل راديكالية، يبدو كأنه ابن مشوّه للحداثة نفسها، لا نقيضاً خارجياً لها.
لقد تحولت العولمة، كما يلمح ميشرا، إلى نوع من "التضامن السلبي"؛ حيث الجميع متصلون بالشبكة نفسها، لكن داخل تراتبية قاسية للكرامة والفرص والاعتراف. من هنا تحديداً ينبع التوتر الهائل الذي يحيط بصورة الشرق اليوم. فالشرق ليس خارج الحداثة، بل أحد أكثر ضحاياها التصاقاً بها. إنه المجال الذي استُدرج إلى وعودها الكبرى ثم تُرك يواجه خرابها منفرداً. ولهذا فإن صورة الإيراني أو العراقي أو الفلسطيني أو اللبناني في الخطاب الجيوسياسي ليست صورة "الآخر البعيد"، لكن صورة الذات الغربية وهي تواجه أشباحها الخاصة: خوفها من انهيار مركزيتها، ومن عودة العنف الكامن داخل مشروعها الحضاري ذاته. وربما لهذا السبب تحديداً تبدو الحروب الحديثة وكأنها تحاول، في كل مرة، قتل الشرق كي تمنع انهيار الوهم الذي قامت عليه الحداثة منذ البداية: وهم أن الحضارة يمكن أن تُبنى بلا ضحايا، وأن الإنسانية يمكن أن تكون كونية حقاً بينما تُقسَّم الحياة البشرية إلى درجات متفاوتة من القيمة.
الاستعمار بعد الاستعمار: كيف أعادت الحداثة إنتاج "الإنسان البدائي"؟
-
مهاجرون يسيرون خلف سياج حدودي مؤقت عند الحدود بين المجر وصربيا في شباط/فبراير 2016 (أ ب)
حين أعلن الفكر الأنثروبولوجي الحديث نهاية أسطورة "الإنسان البدائي"، بدا الأمر وكأنه انتصار متأخر لفكرة المساواة الإنسانية. فقد كان النقد البنيوي للأنثروبولوجيا التطورية بمثابة هدم جذري لذلك التصور الاستعماري الذي قسّم البشرية إلى درجات زمنية متفاوتة، حيث يظهر الأوروبي بوصفه مستقبل الإنسانية، بينما تُدفع الشعوب الأخرى إلى ماضيها البدائي.
لم يعد "البدائي" يُفهم باعتباره إنساناً ناقص العقل أو خارج التاريخ، بل باعتباره حاملاً لبنية رمزية وثقافية لا تقل تعقيداً عن المجتمعات الصناعية الحديثة. بذلك انهارت، نظرياً على الأقل، فكرة أن الغرب يحتكر العقل والمدنية فيما يعيش الآخرون داخل طفولة البشرية. غير أن المفارقة الكبرى أن "البدائي" لم يختفِ فعلاً؛ لقد تغيّر موقعه فقط. خرج من القاموس الكولونيالي الكلاسيكي ليعود داخل الخطاب الأمني والسياسي والثقافي للعالم المعاصر بصور أكثر تجريداً وخطورة.
فالحداثة التي تخلّت ظاهرياً عن التصنيفات العرقية الفجّة، أعادت إنتاجها داخل منطق جديد يقوم على إدارة الخوف. لم يعد الإنسان "البدائي" هو ذاك الجسد العاري الذي كانت تدرسه الإثنوغرافيا الاستعمارية، بل صار الإنسان الذي يُنظر إليه باعتباره غير قادر على الاندماج الكامل في النظام العالمي الحديث، أو حاملاً لفائض من العنف، أو تهديداً كامِناً للاستقرار الكوني.
هكذا تحوّل الاختلاف الثقافي تدريجياً إلى شبهة سياسية، ثم إلى خطر أمني، قبل أن يصبح مبرراً لإعادة إنتاج العنف الإمبراطوري بأشكال جديدة. لقد انتهى الاستعمار العسكري المباشر، لكن بنيته الإدراكية استمرت في العمل داخل مؤسسات الدولة الحديثة، وفي الإعلام، والسياسات الأمنية، والخطابات الإنسانية نفسها.
إن أخطر ما فعلته الحداثة المتأخرة أنها نزعت عن "البدائي" ملامحه القديمة وأعادت تشكيله بوصفه ذاتاً معطوبة حضارياً. لم تعد المشكلة في لون البشرة أو "العرق" كما في القرنين الــ 19 والــ 20، بل في القابلية المفترضة للعنف، أو في العجز عن تبني قيم الحداثة الليبرالية، أو في الانتماء إلى ثقافات تُقدَّم باعتبارها غير متصالحة مع الديمقراطية والعقلانية.
بهذا المعنى، فإن الحداثة لم تتخلَّ عن مركزيتها الأوروبية، لكنها أعادت صياغتها داخل لغة أكثر مرونة. إذ بدلاً من الحديث عن "التفوق العرقي"، صار الحديث يدور حول "التقدم"، و"الحوكمة"، و"التحديث"، و"الاندماج"، و"الحرب على التطرف".
لكن البنية العميقة بقيت نفسها: هناك دائماً شعوب تُوضَع داخل موقع النقص التاريخي، وكأنها لم تلتحق بعد بالإنسان الكامل الذي تدّعي الحداثة تمثيله.
وقد أدى هذا التحول إلى إنتاج شكل جديد من الاستعمار لا يقوم أساساً على احتلال الأرض، بل على احتلال المعنى. فالقوة لم تعد بحاجة دائمة إلى الجندي بقدر حاجتها إلى القدرة على تعريف من هو الإنسان الطبيعي ومن هو الإنسان المشتبه به حضارياً. هنا يظهر "البدائي" المعاصر بوصفه ذلك الكائن الذي يُنظر إليه باعتباره أقرب إلى الفوضى من النظام، وإلى الانفعال من العقل، وإلى الجماعة من الفردانية الحديثة.
ولذلك فإن مراقبته، أو عزله، أو إخضاعه، أو حتى إبادته، تبدو داخل الخطاب السياسي السائد وكأنها إجراءات دفاعية وليست عنفاً مؤسساً على تراتبية إنسانية خفية.
ولعل أخطر ما في هذه البنية أنها لا تعمل فقط من الخارج، بل تتسلل أيضاً إلى وعي المجتمعات ما بعد الاستعمارية نفسها. فالشعوب التي خضعت طويلاً للتصنيف الكولونيالي لم تخرج بسهولة من الصور التي صُنعت عنها، بل كثيراً ما أعادت إنتاجها داخلياً.
ولهذا نشأت داخل العالم ما بعد الاستعماري علاقة متوترة بالحداثة: انجذاب عميق إلى وعودها بالحرية والتقدم، يقابله شعور دائم بالإذلال أمام مركزيتها الغربية. من هذه الهوة تحديداً وُلدت أشكال متعددة من الغضب والهويات الجريحة والرغبة المحمومة في الاعتراف. فالحداثة لم تدخل إلى المجتمعات المستعمَرة بوصفها تجربة تحررية خالصة، بل باعتبارها قوة قسرية أعادت تفكيك البنى الاجتماعية والرمزية القديمة من دون أن تمنح الجميع مكاناً متكافئاً داخل عالمها الجديد.
لهذا يبدو "البدائي" المعاصر كائناً مزدوجاً. إنه ضحية الحداثة ومنتَجها في الوقت نفسه. فهو ليس خارج العالم الحديث، بل أحد أكثر نتائجه عنفاً. فالشخص الذي يُصوَّر اليوم باعتباره متطرفاً أو خطراً أو غير قابل للاندماج، هو غالباً نتاج تاريخ طويل من الإقصاء الاقتصادي، والتهميش السياسي، والتحقير الثقافي، والوعود غير المحققة.
غير أن الخطاب السائد يفضّل دائماً اختزال هذا التاريخ كله في صفات جوهرانية: ثقافة عنيفة، عقلية قبلية، نزعة دينية، أو فشل حضاري. هكذا يتحول الضحية إلى متهم، بينما تُخفى البنية العالمية التي صنعت شروط غضبه وانكساره.
لم يعد الشرق في الخطاب الجيوسياسي المعاصر مجرد مجال جغرافي للصراعات، بل تحوّل إلى مختبر رمزي تُعاد داخله صياغة العلاقة بين القوة والإنسانية. فالحرب الحديثة لا تبدأ بالقصف، إنما بإنتاج صورة تجعل العنف ممكناً أخلاقياً، بل ضرورياً أحياناً. ومن هنا يصبح الشرق فضاءً دائم التأجيل للحداثة، ودائم الاشتباه الحضاري، كأنه لا يدخل التاريخ إلا بوصفه مشكلة تحتاج إلى احتواء أو تأديب أو تدمير.
إن العالم المعاصر لا ينتج فقط الثروات والتكنولوجيا والاتصال الكوني، بل ينتج أيضاً فائضاً بشرياً هائلاً: جماعات كاملة تعيش داخل الإحساس بأنها غير مرئية أو غير مرغوب فيها أو زائدة عن الحاجة. وهذه إحدى أكثر النتائج قسوة للعولمة النيوليبرالية؛ فهي من جهة تعد الجميع بالمشاركة في عالم مفتوح بلا حدود، لكنها في المقابل تعيد إنتاج حدود أكثر عنفاً بين من يملكون حق الحركة والاعتراف ومن يُدفعون إلى هامش الإنسانية.
في هذه اللحظة بالذات يعود "البدائي" بوصفه صورة سياسية ضرورية: الكائن الذي يمكن تحميله مسؤولية الفوضى العالمية، أو تصويره باعتباره مصدر تهديد مستمر للنظام الكوني.
لقد أعادت الحداثة المتأخرة اختراع "البدائي" لأنها تحتاجه رمزياً. فكل نظام يدّعي تمثيل العقل والإنسانية يحتاج إلى آخر يُعرَّف باعتباره أقرب إلى الخطر والهمجية كي يحافظ على تماسك صورته عن نفسه. لذلك لم يكن اختفاء "البدائي" ممكناً فعلاً، لأن غيابه كان سيعني انهيار الحدود الرمزية التي بنت الحداثة عبرها مركزيتها الأخلاقية.
ولهذا السبب يظهر "البدائي" اليوم في صور متعددة: المهاجر الذي يُنظر إليه كتهديد ثقافي، والمسلم الذي يُشتبه به أمنياً، والأفريقي الذي يُختزل إلى مأساة إنسانية دائمة، أو سكان الأطراف الذين يُعاملون باعتبارهم فائضاً ديموغرافياً خارج منطق القيمة.
إن المفارقة الأكثر رعباً أن الحداثة التي وعدت بتحرير الإنسان من الأساطير البدائية، أعادت إنتاج أسطورة أكثر تجريداً وخطورة: أسطورة الإنسان الكامل في مواجهة الإنسان الناقص. لكنها لم تعد تستخدم اللغة العرقية الصريحة ذاتها، بل لغة الأمن والتنمية والاندماج والإنسانية.
هكذا لم يعد "البدائي" يسكن الغابة أو القبيلة كما تخيله الخيال الكولونيالي القديم، بل صار يسكن الضواحي المعزولة، والمخيمات، والحدود، والسجون، والمناطق التي تُحوَّل باستمرار إلى فضاءات استثناء.
في هذه الجغرافيا الجديدة لا يُقاس الإنسان بإنسانيته المجردة، ولكن بمدى قربه من النموذج الحضاري المهيمن، وبمدى قابليته لأن يُعترف به كجزء من العالم الكامل لا كظلٍّ فائض عنه.
الحرب باسم الإنسانية: تفكيك الخطاب الأخلاقي للعنف الإمبراطوري
-
إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003
لم تعد الإمبراطورية المعاصرة تُقدِّم نفسها كمشروع استعماري مباشر، إنما كقوة أخلاقية كونية تدّعي حماية النظام العالمي من الفوضى. إنها لا تتحدث بلغة الاحتلال بقدر ما تتحدث بلغة الأمن، والاستقرار، والدفاع عن القيم الديمقراطية.
غير أن هذا التحول في اللغة لم يُلغِ البنية العنيفة التي قامت عليها الإمبراطوريات القديمة، بل جعلها أكثر سيولة وقدرة على الاختراق. فالقوة لم تعد تحتاج دائماً إلى السيطرة الترابية المباشرة، لأنها باتت تملك ما هو أخطر: القدرة على تعريف من يشكل تهديداً للعالم، ومن يملك حق استخدام العنف الشرعي، ومن يُسمح له بالبقاء داخل دائرة الإنسانية السياسية.
في هذا السياق يبدو خطاب دونالد ترامب أحد أكثر التعبيرات فجاجة عن عودة الإمبراطورية إلى صورتها العارية، بعد عقود حاولت فيها الليبرالية الغربية تغليف الهيمنة بلغة القانون الدولي وحقوق الإنسان.
لقد كان ترامب يتحدث كما لو أن العالم كله مجال أمني أميركي مفتوح. ففي خطابه حول إيران لم تكن المشكلة الأساسية مرتبطة ببرنامج نووي أو توازنات إقليمية فحسب، بل بفكرة أعمق: وجود دولة ترفض الانخراط الكامل داخل النظام الإمبراطوري الأميركي. لهذا كان الخطاب تجاه إيران مشبعاً بلغة العقاب والتأديب، وكأن المطلوب ليس فقط تغيير سياسة دولة، بل إخضاع إرادة سياسية متمرّدة على مركز القوة العالمي.
إن التهديد الدائم بالقصف، وتدمير منشآت حيوية إيرانية أو توسيع نطاق الضربات ضدها، يكشف أن الإمبراطورية الحديثة لا ترى نفسها مجرد دولة بين دول، بل سلطة تمتلك حق تحديد من يحق له امتلاك السيادة ومن يجب أن يبقى تحت المراقبة الدائمة.
هنا يتكشف أحد الأبعاد الأساسية للمنطق الإمبراطوري المعاصر: تحويل العالم إلى فضاء هرمي للسيادة. فهناك دول تُعامل باعتبارها شريكة كاملة في النظام الدولي حتى حين تنتهك القانون الدولي، بينما توجد دول أخرى يُنظر إلى مجرد استقلال قرارها السياسي باعتباره تهديداً عالمياً.
لهذا لم يكن الخطاب الأميركي تجاه إيران قائماً فقط على فكرة "الخطر"، بل على فكرة العصيان الحضاري أيضاً. ذلك أن إيران تُقدَّم باعتبارها قوة غير منضبطة داخل النظام العالمي، أي دولة ترفض الاعتراف بالمركز الأميركي بوصفه المرجعية النهائية للشرعية السياسية والعسكرية.
غير أن الوجه الأكثر عنفاً لهذا الخطاب الإمبراطوري ظهر في الحرب على غزة. فالدعم غير المشروط للحرب الإسرائيلية، لم يكن مجرد تحالف جيوسياسي، بل تعبيراً عن منطق أعمق يعتبر أن الحفاظ على الهيمنة الغربية يمر عبر إدارة الحياة والموت على نطاق كوني. لقد بدا الفلسطيني، داخل هذا الخطاب، كائناً يقع خارج التمثيل الكامل للإنسانية السياسية. ولهذا لم يكن عدد الشهداء والجرحى أو حجم الدمار كافياً لإحداث قطيعة أخلاقية مع الحرب، لأن الإمبراطورية لا ترى في الضحية فقط إنساناً، بل تنظر أيضاً إلى موقعه داخل خريطة القوة العالمية.
لقد كشفت غزة أن النظام الدولي لا يعمل وفق مبدأ المساواة الإنسانية، إنما على أساس اقتصاد سياسي للتعاطف. فهناك شعوب تُعامل باعتبارها قابلة للحماية، وأخرى يُنظر إلى فنائها كأنه تكلفة محتملة لاستمرار النظام العالمي نفسه.
لقد تحوّل الخطاب حول غزة إلى مختبر كامل لإنتاج العنف الأخلاقي. فالعنف الواسع لم يُقدَّم باعتباره رغبة في التدمير، بل هو دفاع عن "الحضارة" ضد "الهمجية". هذه اللغة ليست جديدة؛ إنها تعيد إنتاج الخيال الاستعماري القديم الذي كان يربط دائماً بين العنف الإمبراطوري وفكرة الرسالة الأخلاقية. الفرق أن الإمبراطورية اليوم لم تعد تتحدث باسم "تمدين الشعوب المتوحشة"، بل باسم "الحرب على الإرهاب" و"حق الدفاع عن النفس".
غير أن النتيجة واحدة: تحويل شعب كامل إلى موضوع أمني دائم، وتجريد موته من القدرة على إحداث الصدمة الأخلاقية العالمية.
إن أكثر ما يكشف عنف الخطاب الحضاري ليس ما يقوله عن نفسه، بل تناقضاته الداخلية. فالحرب التي تُشنّ باسم حماية الحياة تُنتج موتاً جماعياً، والديمقراطية التي تُقدَّم كقيمة كونية تُفرض عبر الحصار والعقوبات والقصف. حتى المرأة الشرقية التي تُستخدم رمزاً للاضطهاد لا تُستشار غالباً في الحروب التي تُشنّ باسم تحريرها. هكذا تتحول الإنسانية نفسها إلى جهاز فرز خفي، يقرر أي موت يستحق الحزن وأي موت يمكن اختزاله إلى "أضرار جانبية".
وما يجعل هذه المرحلة مختلفة هو أن الإمبراطورية الأميركية لم تعد تكتفي بإدارة الأطراف البعيدة، بل بدأت تتعامل مع المجال العالمي كله باعتباره قابلاً للتدخل والانضباط.
لهذا فإن خطاب ترامب تجاه دول أميركا اللاتينية يكشف بوضوح أن منطق "الفناء الخلفي" الاستعماري لم يختفِ أبداً. فحين هدد المكسيك بالجدار، وحين تحدث عن المهاجرين بوصفهم مصدراً للجريمة والانهيار، وحين لوّح مراراً بإمكانية التدخل ضد فنزويلا، كان يعيد إحياء عقيدة الإمبراطورية الأميركية القديمة التي تعتبر القارة اللاتينية مجالاً طبيعياً للهيمنة الأميركية. هنا يعود الخط الفاصل بين "المركز المتحضّر" و"الأطراف الخطرة"، لكن هذه المرة داخل القارة الأميركية نفسها.
إن الإمبراطورية المعاصرة لا تُنتج فقط الحروب، بل أشكالاً جديدة من البشر الزائدين عن الحاجة. فالمهاجر القادم من "الجنوب العالمي"، واللاجئ، وسكان المخيمات، وضحايا الحروب الدائمة، جميعهم يتحولون إلى فائض بشري داخل نظام اقتصادي عالمي لا يعترف إلا بمن يملك القدرة على الاستهلاك والإنتاج وفق شروط السوق المعولم.
وعليه، يبدو العنف الإمبراطوري اليوم مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعولمة النيوليبرالية؛ فالحرب لم تعد حدثاً استثنائياً، بل باتت جزءاً من إدارة النظام العالمي نفسه. إنها أداة لإعادة ترتيب الأسواق، والحدود، والهويات، ومسارات الطاقة، وحتى أشكال الحياة الممكنة.
من هنا تحديداً، يمكن فهم التحول العميق في صورة الدولة الإمبراطورية. فهي ليست مجرد قوة قومية توسعية بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة عالمية من المؤسسات العسكرية، والشركات العابرة للقوميات، والأجهزة الأمنية، والخطابات الإعلامية، والأنظمة المالية، التي تعمل معاً لإنتاج شكل جديد من السيادة المعولمة.
لم تعد الإمبراطورية تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر، لأنها باتت تملك القدرة على إخضاع العالم عبر العقوبات الاقتصادية، والتحكم بالتكنولوجيا، وإدارة تدفقات المال، وتصنيف الدول إلى "شرعية" و"مارقة". ولهذا فإن الحرب على إيران، أو الحصار على غزة، أو التهديدات ضد أميركا اللاتينية، ليست أحداثاً منفصلة، بل لحظات مختلفة داخل البنية نفسها: بنية عالمية تعتبر أن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر إخضاع كل ما يرفض الاندماج الكامل داخل منطق الهيمنة.
لكن المفارقة أن هذه الإمبراطورية التي تدّعي حماية النظام العالمي تبدو، في العمق، أسيرة خوف دائم من الانهيار. فهي تتصرف كما لو أن أي مقاومة محلية، أو أي خطاب سيادي مستقل، أو أي تدفق بشري خارج السيطرة، يشكل تهديداً وجودياً لها.
ولهذا يتحول العالم كله إلى فضاء مراقبة واستباق وعقاب دائم. إن الإمبراطورية الحديثة لا تخاف فقط من الجيوش، بل تخاف أيضاً من الحدود المفتوحة، ومن الهويات غير المنضبطة، ومن الشعوب التي ترفض البقاء داخل الموقع الذي خُصص لها في النظام العالمي.
وربما لهذا السبب يبدو خطاب ترامب مهماً سوسيولوجياً؛ لأنه كشف من دون أقنعة ليبرالية ما كانت الإمبراطورية الغربية تحاول طويلاً إخفاءه. لقد أعاد اللغة العارية للقوة: لغة الجدران، والعقوبات، والتهديد بالمحو، وتجريم المهاجرين، والدعم المفتوح للحروب التدميرية. وبهذا المعنى لم يكن ترامب انحرافاً عن النظام الإمبراطوري، بل لحظة كشف له. لقد جعل الإمبراطورية تتحدث بصوتها الحقيقي، بعدما أمضت عقوداً تتحدث باسم الإنسانية.
حين انتهى الاستعمار العسكري المباشر، لم تختفِ البنية التي قامت عليها رسالته القديمة، بل أعادت إنتاج نفسها بمفردات جديدة أكثر نعومة وخطورة. لم تعد اللغة تتحدث عن التمدين صراحة، لكن عن نشر الديمقراطية، وحماية الأقليات، وإنقاذ النساء، ومكافحة الإرهاب، وإعادة الاستقرار. تغيرت الكلمات، لكن العلاقة نفسها ظلت قائمة: هناك دائماً شعب يُعرَّف باعتباره غير مكتمل الحداثة، وغير قادر على إدارة ذاته، وبالتالي يصبح التدخل في شؤونه فعلاً أخلاقياً لا عدواناً.
هكذا لا تكشف الحروب المعاصرة عن اختلال موازين القوة فحسب، بل أيضاً عن الأزمة العميقة التي تعيشها الحداثة نفسها. ذلك أن العالم الذي بشّر طويلاً بالعقل والحرية والإنسان الكوني، لا يزال عاجزاً عن الاعتراف المتساوي بالبشر. بل إن هذه الحداثة، كلما ادّعت تجاوز الماضي الاستعماري، أعادت إنتاجه داخل صيغ أكثر تعقيداً: عبر الأمن، والخطاب الإنساني، والحرب الوقائية، وإدارة الخوف، وتصنيف الشعوب وفق قربها أو بعدها من النموذج الحضاري المهيمن. لقد انتهى الاستعمار بوصفه احتلالاً مباشراً، لكنه استمر كبنية إدراكية وأخلاقية تنظّم العالم وفق تراتبية خفية للحياة البشرية.
إن أخطر ما في الإمبراطورية المعاصرة ليس قدرتها على التدمير فقط، بل في جعلها التدمير يبدو عقلانياً وأخلاقياً وضرورياً. فهي لا تقتل باسم الكراهية المعلنة، إنما باسم النظام العالمي، والاستقرار، والدفاع عن الحضارة.
ولهذا فإن العنف الإمبراطوري الحديث لا يحتاج دائماً إلى تبرير استثنائي، لأنه صار جزءاً من اللغة العادية للسياسة الدولية. فالحصار يُقدَّم كأداة ضغط مشروعة، والإبادة كحق للدفاع عن النفس، والمراقبة الشاملة كحماية للحرية، والتدخل العسكري كواجب إنساني. هكذا يتحول العالم تدريجياً إلى فضاء تُدار فيه الحياة والموت وفق منطق أمني عالمي يجعل بعض الشعوب قابلة للحماية، وأخرى قابلة للإبادة أو النسيان.
وفي قلب هذه البنية يعود "البدائي" باستمرار، كمفهوم أنثروبولوجي قديم، وضرورة سياسية للحداثة المتأخرة. فكل نظام يدّعي احتكار العقل يحتاج إلى آخر يُقدَّم باعتباره أقرب إلى الفوضى والعنف كي يحافظ على صورته الأخلاقية عن نفسه. ولهذا لم يكن الفلسطيني، أو العراقي، أو السوداني، أو الإيراني، مجرد ضحايا لحروب منفصلة، بل ضحايا لنظام عالمي لا يزال يعيد تقسيم البشر إلى درجات متفاوتة من الإنسانية.
هكذا يمكن فهم أن تفاوت التعاطف العالمي ليس خللاً عرضياً في الإعلام أو السياسة، بل انعكاس لبنية أعمق تحدد أي حياة تستحق الحزن وأي موت يمكن احتماله من دون انهيار الضمير العالمي.
لكن المفارقة الأكثر قسوة أن الإمبراطورية، رغم كل ما تملكه من قوة تقنية وعسكرية، تبدو اليوم أكثر خوفاً من أي وقت مضى. فهي تخشى الحدود المفتوحة، والهجرات، والهويات المتحركة، والشعوب التي ترفض موقع الهامش، وحتى الذاكرة نفسها.
ولذلك فإن العالم المعاصر لا يعيش فقط عصر الحروب، بل أيضاً عصر القلق الإمبراطوري الدائم: قلق المركز من فقدان احتكاره لتعريف الإنسان، والتاريخ، والحضارة. وربما هنا تحديداً يكمن المعنى الأعمق لكل هذا العنف: إنه ليس علامة قوة مطلقة، إنما علامة أزمة حضارية تخشى الاعتراف بأن العالم لم يعد يقبل بسهولة أن يُدار من مركز واحد، ولا أن تُختزل إنسانية البشر في صورة واحدة للإنسان الكامل.
المراجع والإحالات
Mbembe, Achille. Critique of Black Reason. Translated by Laurent Dubois. Durham: Duke University Press, 2017.
Mbembe, Achille. Necropolitics. Durham: Duke University Press, 2019.
Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.
Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Alfred A. Knopf, 1993.
Césaire, Aimé. Discourse on Colonialism. Translated by Joan Pinkham. New York: Monthly Review Press, 2000.
Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Translated by Richard Philcox. New York: Grove Press, 2004.
Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks. Translated by Charles Lam Markmann. London: Pluto Press, 1986.
Foucault, Michel. Society Must Be Defended: Lectures at the Collège de France, 1975–1976. New York: Picador, 2003.
Foucault, Michel. Security, Territory, Population: Lectures at the Collège de France, 1977–1978. New York: Palgrave Macmillan, 2007.
Hardt, Michael, and Antonio Negri. Empire. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000.
Hardt, Michael, and Antonio Negri. Multitude: War and Democracy in the Age of Empire. New York: Penguin Press, 2004.
Mishra, Pankaj. Age of Anger: A History of the Present. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2017.
Butler, Judith. Frames of War: When Is Life Grievable? London: Verso, 2009.
Mamdani, Mahmood. Good Muslim, Bad Muslim: America, the Cold War, and the Roots of Terror. New York: Pantheon Books, 2004.
Asad, Talal. On Suicide Bombing. New York: Columbia University Press, 2007.
Gregory, Derek. The Colonial Present: Afghanistan, Palestine, Iraq. Oxford: Blackwell Publishing, 2004.
