غزة بين المكان والمعنى

من يعِشْ في غزة المحاصرة يرَ العالم من ثقب ضيّق، لكنه يبصر ما لا يدركه الآخرون في اتساعهم، إنه يبصر الحرية في الحصار، والحياة في النضال والمقاومة، وهنا تبرز العلاقة الحميمة بين الإنسان والحيّز الذي يعيش فيه.

  • لانا صالح جحا (5 سنوات) تعاني من سوء تغذية حاد في غزة بسبب الحصار الإسرائيلي (غيتي إيميجز)
    لانا صالح جحا (5 سنوات) تعاني من سوء تغذية حادّ في غزة بسبب الحصار الإسرائيلي (غيتي إيميجز)

كثيراً ما كنت أذهب للجلوس عند "استراحة الساهر" عند بحر مخيم الشاطئ في غزة. أتأمل موج البحر والسماء التي خلت من الطيور، وأتساءل في نفسي بينما أسمع صوت طائرة "الزنّانة" وهي تنعق فوق رأسي، وبينما أشاهد البوارج الحربية وهي تبحر أمامي بكلّ حرية، من دون خوف من أحد: هل نملك البحر؟ وهل نملك السماء؟ هل نملك الأرض؟ ويأخذني التفكير إلى سؤال أكثر جموحاً: هل الجغرافيا مجرّد مساحة على الخريطة؟ أم بنية خفية تشكّل وعينا وسلوكنا في فهم العالم؟ 

ولأنّ غزة محاصرة، لا تملك القدرة على التواصل مع العالم الخارجي، أو توفير كسرة خبز في لحظة ما من هذه الإبادة البشعة والمستمرة حتى لحظة كتابة هذا المقال، تتوقف أمامي فكرة واضحة، أنّ الجغرافيا ليست مجرّد خطوط طول وعرض فحسب، بل نظام شعوري متكامل، فمن هو الذي حدّد لنا مساحة العيش أو التفكير؟ ومن الذي وضع الحدود داخل عقولنا قبل أن يرسمها على الأرض، لتقوم بتنفيذها الأنظمة الشمولية؟ ورغم ذلك فأنت مضطر للنضال من أجل كرامة شعبك وأمتك التي تركتك وحيداً في الميدان، بغير سلاح. 

من يعِشْ في غزة المحاصرة يرَ العالم من ثقب ضيّق، لكنه يبصر ما لا يدركه الآخرون في اتساعهم، إنه يبصر الحرية في الحصار، والحياة في النضال والمقاومة، وهنا تبرز العلاقة الحميمة بين الإنسان والحيّز الذي يعيش فيه، ولعل هذا ما تحدّث عنه الفرنسي، غاستون باشلار، حين تتحوّل الغرفة أو البيت إلى عوالم نفسية كاملة، ولعل ما نشاهده اليوم من عرض لمسلسل "صحاب الأرض" يظهر هذه العوالم بشكل واضح، كيف يتفاعل معها الفلسطيني تحديداً رغم أنه يعيش تفاصيلها كلّ لحظة، ليس لأنه يريد العيش في ثوب الضحية، بل لأنه يؤمن أنّ حيّز المكان بات أصغر من المعنى، وأنّ الأفق الممتد نحو إشعال الوعي تجاه القضية بدأ يأخذ صدى كبيراً حتى لدى النخب العربية التي صمتت طويلاً أمام قتل وتدمير مستمر. 

ربما تكون غزة، بمساحتها الضيّقة التي لا تتجاوز 365 كيلو متراً مربعاً، مساحة محدودة، لكنها بوصفها معنى تتجاوز حدودها الفيزيائية، خصوصاً وقد اتسع المجال الرمزي أمام الدم المنساب في كلّ ردهة هناك، فالحصار الذي حاول خنق الصوت، جعله أكثر كثافة، لدرجة أن صارت غزة حالة وجودية كاملة، حيث أراها في التظاهرات والفعّاليات وبين الأفراد الذين يلبسون الكوفية رغم جنسهم الآري وفكرهم ودينهم المختلف، لأنّ فكرة الدفاع عن فلسطين لم تعد فكرة محلية، أو حتى عربية أو إسلامية، وهو ما يمكن اعتباره محضّ هراء أمام صمت الشعوب العربية والأنظمة، بل باتت أكثر عمقاً وتأثيراً، تحمل صدى الكون كلّه. 

ولعل الإنسان عندما ينتقل من جغرافيا إلى أخرى، كما حدث مع بعض الفلسطينيين في المنفى القسري، لا يتغيّر وعي الإنسان فحسب، بل تتكشّف له الكثير من الأشياء والمقاصد التي كان يشاهدها أحياناً على شاشات التلفاز ثم أدرك أنه بات جزءاً منها، ليتغيّر وعيه مرة أخرى بشكل أكثر جلاء؛ فالانتقال من فضاء مدمّر محاصر إلى فضاء منظّم مستقر لا يلغي الجغرافيا الأولى، إنما يكشف مدى الانتماء الحقيقي للمكان، وللحيّز الجغرافي الضيّق الذي صنعته يد الطغاة، ورغم أنه كائن معلّق بين مكانين، يكتشف أنّ جسده في المنفى وذاكرته في الوطن، عندها يؤمن الإنسان أنّ الجغرافيا ليست حدوداً فقط، ولكن طبقات عظيمة من الشعور والانتماء لأصغر التفاصيل في المخيم. 

وهنا يتأتى السؤال مجدّداً: هل الجغرافيا قدر؟ والإجابة ربما، لحكمة يعلمها الله وحده، لكنّ الثقافة هي المحاولة الدائمة لمراجعة هذا القدر، فنحن لا نستطيع تغيير موقعنا على الخريطة بسهولة، لكننا نستطيع أن نغيّر المعنى في الوعي الإنساني والضمير العالمي، فغزة الصغيرة المحاصرة، تحوّلت من مكان إلى فكرة. 

ولربما تقوم البلديات ووزارات الحكم المحلي العربي والإسلامي وربما العالمي لاحقاً بتغيير أسماء الشوارع أو الميادين أو الأماكن الهامة لمعاني أو أسماء ترتبط بفلسطين وغزة والأبطال الصامدين هناك، وكذلك الرجال العظماء الذين قضوا في هذه الإبادة، مما يصنع ذاكرة جديدة، تؤمن أنّ الخلود أكبر من حدود الخرائط التي رسمها الاستعمار في سايكس - بيكو أو أيّ خطة استعمارية أخرى، وأنّ الوعي قد يصنع جغرافيا مختلفة للمدن والبلاد التي تؤمن بعدالة قضيتها. 

 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك