عرائس الخوارزميات: تشريح الصمت في زمن المحو والطمس

نحن والمؤثّرون والمنصات والسلطة، كلنا نلعب هذه اللعبة معاً. لكن الأدوار موزعة بلا عدالة. السلطة تتحكم بالمنصات، والمنصات تتحكم بالظهور، والمؤثرون يلهثون وراء الظهور، ونحن نلهث وراء التسلية، والمثقفون الحقيقيون يبقون في الظل.

  • غزة
    غزة

على شاشة الهاتف الصغير، تتقافز الصور في سباق محموم. هنا طفلة فلسطينية تنتشل من تحت ركام منزلها في غزة، هناك مؤثر يعلن عن آخر صيحات الموضة، هنا مسعف يستهدفه "جيش" الاحتلال في جنوب لبنان، وهناك فيديو قصير لرقصة على أنغام مبتذلة، هنا بلدة كفركلا تمحوها "إسرائيل" من الخريطة، وهناك منشور عن "روتين صباحي" يتابعه الملايين.

المشهد فاقع إلى حد العبث. إنه زمن التضاد الأقصى، حيث تستطيع أن تمسك هاتفك بكف واحدة فترى العالم يحترق في زاويته اليمنى، وترى عرائس الخوارزميات تبتسم في زاويته اليسرى. والسؤال الذي يراودك فوراً من يصنع هذا المشهد؟ من يوزع الأدوار؟ ومن يقرر من يستحق الظهور، ومن يُحكم عليه بالتلاشي الرقمي، في لحظة تتسع فيها رقعة الإبادة من غزة إلى جنوب لبنان؟

خوارزميات لا تكتفي بالصمت..بل تمحو

ما إن تفتح "تيك توك" أو "إنستغرام" حتى تستقبلك وجوه بعينها، بإيماءات متشابهة، ومواضيع لا تتعدى حدود "روتين العناية بالبشرة" و"يوم في حياتي" و"أكلات سريعة".

ليس هذا من قبيل الصدفة، وليس نتاج "ذوق" الجمهور وحده. إنها صناعة دقيقة، تقف خلفها آلهة جديدة اسمها الخوارزميات، صُممت لمكافأة السرعة والسطحية. المحتوى السريع يُنتج تفاعلات سريعة، والتفاعلات السريعة تغذي الخوارزميات، فتزداد ظهوراً، فيزداد المتابعون، فتزداد الإعلانات، وتكتمل الدائرة المغلقة التي تطرد كل من يحاول كسرها بفكر عميق أو موقف ناقد.

لكن المشهد اليوم تجاوز مجرد مكافأة السطحية إلى ما هو أشد قتامة: الطمس الرقمي المنظم. لم يعد الأمر "تواطؤاً بنائياً" مدمجاً في تصميم المنصات فحسب، بل صار شراكة فعلية موثقة.

في أيلول/سبتمبر 2025، كشف تقرير لمركز "حملة" أن شركة "ميتا" امتثلت لـ 94% من طلبات إزالة المحتوى التي تقدمت بها حكومة الاحتلال، متجاوزة المراجعة البشرية، خالقة "آلة طمس مؤتمتة" تتعلم من قرارات الحذف لتطبقها تلقائياً على نطاق أوسع. هذه الآلة لا تبتلع فقط صوت فلسطين ولبنان، بل تمتد لتشمل كل من يحاول توثيق ما يحدث.

إنها نقلة نوعية في منطق المنصات. لم يعد المطلوب أن يصمت المؤثر وحسب، بل أن تُمحى الحقيقة ذاتها من الوجود الرقمي. الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات توزيع، بل صارت أدوات محو. والفارق بين الأمس واليوم هو أن ما كان يُشتبه به صار يُعترف به، وتُفصح عنه التقارير، من دون أن يحرك ذلك ساكناً في وجدان العالم الرقمي.

حين امتد الخراب إلى جغرافيا الروح

من غزة إلى لبنان. تمتد نيران الإبادة شمالاً، فتتحول بلدات بأكملها في الجنوب اللبناني إلى عناوين دائمة للنزيف، النبطية، حولا، ميس الجبل، بنت جبيل. غارات لا تتوقف، حتى مع سريان اتفاقات هشة، تستهدف المسعفين وفرق الدفاع المدني، وتمحو أحياء بكاملها.

إنه استنساخ لنمط التدمير الشامل، من "إبادة عمرانية" إلى "إبادة بيئية" ممنهجة، تسميم للتربة والمياه والهواء، قطع لكل سبل الحياة، محو للجغرافيا لتغيير الديموغرافيا. "إبادة مكانية"، كما وصفتها التقارير، لا تستهدف البشر وحدهم بل ذاكرة الأرض نفسها.

وهنا، في هذا المختبر الأخلاقي الموسع، يتجلى الصدق والزيف كأنهما تحت المجهر. أين المؤثرون؟ أين عرائس الخوارزميات؟ قلة قليلة تجرؤ على الموقف، تدفع ثمنه من شهرتها وعقودها الإعلانية. أما الأغلبية الساحقة، فتواصل نشر فيديوهات الرقص والأزياء والوصفات وكأن شيئاً لا يحدث، لا في غزة ولا في جنوب لبنان. وكأن المسافة بين بيروت وصور لا تُقاس بالكيلومترات بل بالسنوات الضوئية الأخلاقية.

هذا الصمت ليس بريئاً، وليس عادياً. إنه صمت يتحدث. إنه يقول "لا نريد أن نزعج متابعينا"، و"لا نريد أن نخسر عقودنا"، و"السياسة ليست من اختصاصنا". أعذار تتهاوى أمام حجم المأساة المزدوجة. إنهم يختارون ألا يروا، لأن الرؤية تكلف ثمناً، ولأن الخوارزميات التي صنعتهم لا تكافئ إلا من يواصل الدوران في فلك الترفيه الخالص. إنهم جزء من آلة الطمس ذاتها، ليس لأنهم يمحون المحتوى، بل لأنهم يغرقونه بطوفان التفاهة حتى يختفي.

السلطة وعرائسها: تواطؤ صامت في زمن الإبادة

ثمة يد خفية تحرك هذه الآلة، أو على الأقل تتوافق معها. السلطة بأشكالها – سياسية، اقتصادية، اجتماعية – تجد في هؤلاء السطحيين حلفاء طبيعيين. لماذا؟ لأن المؤثر السطحي لا يسأل، لا ينقد، لا يزعج. همّه الوحيد "الترند"، الظهور، التفاعلات. وهذا كله يخدم "اقتصاد الانتباه" الذي يقوم على إبقائك أطول فترة ممكنة تشاهد، حتى يُباع وقت انتباهك للمعلنين.

أما المفكر الناقد، صاحب الموقف، فهو خطر مزدوج، على المنصة لأنه قد يدفع المشاهد للتفكير بدل الاستهلاك، وعلى السلطة لأنه قد يكشف ويفضح. لذلك تجد طريقه إلى الظهور مليئاً بالعقبات، حسابه لا يُوصى به، منشوراته تخفض في الترتيب، وأحياناً يُحظر من دون سبب واضح.

وفي ذروة الإبادة، صار الخطر أعظم، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد التفكير الناقد، بل بتوثيق جرائم حرب. وهنا يتحول "اقتصاد الانتباه" إلى "اقتصاد طمس" كامل، لا يكفي فيه ألا ترى الحقيقة، بل يجب أن تُمحى من الوجود الرقمي كأنها لم تكن.

المتفرجون في صفوف المتواطئين

لكن قبل أن نرجم المؤثرين بالحجارة، علينا أن نسأل أنفسنا ألسنا جزءاً من هذه اللعبة؟ نحن الذين نتابع، نتفاعل، نمنح هؤلاء وقتنا وانتباهنا. نحن الذين نشاهد فيديوهات الرقص ونمرّرها لأصدقائنا، بينما تغيب عنا تحليلات المفكرين لأنها لا تظهر في صفحتنا الرئيسية.

الخوارزميات لا تصنع الفراغ من لا شيء. إنها تعطينا ما نريده، أو ما تعتقد أننا نريده بناءً على سلوكنا. فإن كنت أتابع التافهين، فسأرى التافهين. وإن كنت أبحث عن العمق، فقد أراه أحياناً، لكن بصعوبة. لكن كم منا يبحث حقاً عن العمق؟ كم منا مستعد لدفع ثمن المعرفة الحقيقية التي لا تأتي جاهزة في 60 ثانية؟ وكم منا على استعداد لمواجهة الحقيقة التي قد تفسد مزاجه الصباحي؟

نحن والمؤثرون والمنصات والسلطة، كلنا نلعب هذه اللعبة معاً. لكن الأدوار موزعة بلا عدالة. السلطة تتحكم بالمنصات، والمنصات تتحكم بالظهور، والمؤثرون يلهثون وراء الظهور، ونحن نلهث وراء التسلية، والمثقفون الحقيقيون يبقون في الظل يسألون: لماذا؟ لماذا يظهر فيديو لرقصة أمام الكاميرا بينما يُمحى فيديو لتوثيق مجزرة؟ لماذا يُرفع حساب مؤثر تافه إلى القمة بينما يُحظر حساب صحافي وثق مئات الجرائم؟

في حضرة الصمت: الموقف الأخلاقي وتشريح الخراب

هناك صمت، وصمت. صمت العاجز، وصمت المتواطئ، وصمت المتفرج. لكن هناك أيضاً صمت المثقف الذي يختار ألا يصرخ في وادٍ خالٍ. صمت من يعرف أن الكلمة قد تضيع في زحام السذاجة، فيؤجلها إلى وقتها.

لكن صمت المثقفين والمؤثرين في لحظة الإبادة الممتدة من غزة إلى جنوب لبنان ليس من هذا النوع. إنه صمت من اختار ألا يسمع، ألا يرى، ألا يعرف. صمت من يغلق نوافذ الروح لئلا يدخل هواء الحقيقة فيزعج دفء غرفته المكيفة.

هذا الصمت، في زمن المآسي الكبرى، يصبح موقفاً بحد ذاته، موقفاً لا يحتاج إلى كلمات. إنه يقول "أنا مع من يدفعني لأبقى على القمة، ولو كان أهلي هم من يُقصفون". وربما لا يدرك صاحبه حتى ما يقوله، لأنه فقد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، بين الإنسانية والتسليع.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً. لقد وصلنا إلى عناوين عريضة تعلن بكل وضوح "حبها للحياة" فيما أهوال غزة وجنوب لبنان تحدث، وتُنسى في لحظتها حباً بهذه الحياة المزيفة والمبتذلة والخالية من المعنى الإنساني.

هذه ليست مجرد عناوين وشعارات جوفاء، بل تشريح دقيق لعصرنا، حيث يُسطّح كل شيء – حرب، حزن، فرح، تفاهة – في تيار واحد، وحيث يصبح النشر طقساً من طقوس النسيان لا الحفظ. الفيديو يُرفع ليُنسى، لا ليُخلّد. والصورة تُلتقط لتُستهلك، لا لتُشاهد.

من هو المؤثر حقاً؟ إعادة تعريف في زمن الإبادة

ربما آن الأوان لإعادة تعريف "التأثير" جذرياً. ليس كل من تخطى متابعوه المليون يكون مؤثراً. التأثير الحقيقي هو أن تترك في النفس أثراً، أن تغير قناعة، أن تحرك مشاعر، أن تدفع إلى فعل. وأن تفعل هذا في لحظة تحتاج فيها البشرية إلى من يقول كلمة حق، لا إلى من يلتزم الصمت خوفاً من فقدان الرعاة.

المؤثر الحقيقي، في هذه اللحظة، قد لا يكون من تراه على شاشة هاتفك. قد يكون ذلك الطبيب في مستشفى ميداني بغزة، يكتب اسم طفل على ورقة لأنه لا يملك سوى حبره. تلك الأم في جنوب لبنان التي توثق تهجيرها بهاتف مكسور الشاشة. ذلك الشاب الذي يترجم الأخبار من العبرية والعربية ليصل الصوت إلى آذان لا تريد أن تسمع. ذلك المسعف الذي يُستهدف في طريقه لإنقاذ عائلة تحت الأنقاض. ذلك الناشط الذي يبني أرشيفاً رقمياً بديلاً ليحفظ ما تمحوه المنصات، فيحوّل فعل التذكّر إلى مقاومة.

أما عرائس الخوارزميات، فأمامهن امتحان لا ينتهي. كل يوم يمرّ بصمت في وجه مأساة هو خيار أخلاقي. كل مقطع رقص يُنشر وجثث الأطفال تملأ المقابر هو موقف سياسي. كل تجاهل للإبادة في غزة وجنوب لبنان هو انحياز للطرف الأقوى. كل فيديو ترفيهي يطفو على سطح الشاشة بينما تغرق الحقيقة في الأعماق هو شهادة على أن "التأثير" صار عملة مزيفة.

أن تبقى إنساناً في زمن التشوهات

الخوارزميات تصنع عرائسها. والسلطة تحميها. والمنصات تنتفع منها. لكن الإنسان، حين يبقى إنساناً، يمكنه أن يكسر المرآة. أن يرفض أن يكون انعكاساً مشوهاً في غرفة هذا المعبد الرقمي.

لم يعد السؤال كيف نوقف آلة الطمس؟ بل صار كيف نبني ذاكرة لا تستطيع الآلة محوها؟ كيف نحول الفعل الرقمي من استهلاك إلى حفظ؟ كيف نعيد تعريف "التأثير" بحيث لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بعدد من استيقظ ضميرهم بعد أن كان نائماً؟

في جنوب لبنان، كما في غزة، ما زال هناك من يصرخ في وجه الآلة. ما زال هناك من يوثق، يحفظ، يكتب على الجدران الرقمية بأصابعه قبل أن تمسحها الخوارزميات.

هؤلاء هم المؤثرون الحقيقيون. ليس لأن متابعيهم كثر، بل لأن أثرهم يبقى. أثر لا يشتريه إعلان، ولا تمسحه خوارزمية، ولا يخفت أمام فيديو راقص على أنغام مبتذلة. المرآة قد تتحطم. لكن أجزاء الحطام، حين يجمعها من يعرف قيمة الصورة، قد تعكس الحقيقة أوضح مما عكسته المرآة يوماً.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك