صوت الحياة أعلى

في زحمة الخراب، يرتفع "صوتُ الحياة" بأبهى تجلّياته: حين تُقرع أجراس كنيسة تحيّة لشهيد مسلم، وحين تُعدّ راهبات وجبات الطعام لمهجّرين لا يعرفنهم، وحين يصطفّ مسلمون في قدّاس الجمعة العظيمة.

فيما تهدر الطائرات النفّاثة، وتنهمر القذائف والصواريخ، تتداخل الأصوات وتتشابك الجراح. لكنّ الصوت الأكثر إشراقاً هو ذاك الطالع من عمق الإنسان: صوت الجار الذي لا يسأل عن الهوية قبل أن يفتح باب بيته. صوت الأخ الذي لا ينتظر طلباً ليمدّ يده. صوت القريب الذي يسبق الجميع ليقدّم العون قبل أن يُطلب منه. إنه صوت لا يطلب للحياة سوى أن تستمرّ، باسم إنسانية لا تعترف بالانقسامات الضيّقة.

ليس جديداً على لبنان أن يكون مسرحاً للتجارب القاسية. وليست جديدة تلك الأصوات العنصرية الكريهة التي تختلط روائحها النتنة بدخان القصف والتدمير الإسرائيليين. لكنّ اللافت بحقّ هو ذاك المشهد الذي يتجدّد في كلّ محنة، والذي لا ينال نصيبه المستحقّ من التغطية الإعلامية: التكافل الإنساني الذي لا يحتاج إلى تنظيم رسمي، والتآزر الذي يسبق أيّ نداء.

في الزوايا الضيّقة من المدن، وفي البيوت المتواضعة في القرى، تمتدّ أيادٍ بيضاء لا تسأل المنكوب عن انتمائه. تُفتح قلوب قبل أن تُفتح أبواب. مبادرات فردية وجماعية تجسّد، ببساطة شديدة، معنى أن تكون إنساناً في أرض تعلّمت أنّ الخراب لا يُقاوم إلا بالعطاء. هؤلاء، وحدهم، يمثّلون حقيقة لبنان العميقة. إنهم النسيج نفسه حين يُترك على سجيّته، بعيداً عن أصوات التحريض والاستثمار السياسي، والانحياز للمحتلّ ضدّ ابن البلد.

أصوات النشاز تعلو بالتحريض والكراهية، لكنها تبقى هامشية بمقدار ما هي صاخبة. فهي لا تمثّل إلا ذاتها، بينما يمثّل أولئك المتضامنون المعنى الحقيقي لكلمة إنسان. غير أنّ المفارقة أنّ هذه الأصوات الهامشية تجد، في الإعلام ووسائل التواصل، تضخيماً لا يتناسب مع وزنها. فالشاشات ومنصات التواصل تمنح الحالات الشاذّة مساحة تفوق ما تستحقّه. بينما يبقى فعل التضامن الصامت، الأوسع انتشاراً في الواقع، محكوماً بالغياب أو بالتصوير العابر. هكذا تنقلب المعادلة: من يصرخ يبرز، ومن يعمل لا يُرى.

صوت لبنان الحقيقي ليس صوت الساسة ولا حناجر المحرّضين والعنصريّين. صوت لبنان هو ذاك الخافق في صمت العطاء، المتجذّر في أخلاق التضامن التي لا تُعلن عنها البيانات السياسية، بل تمارسها الأيدي التي تحمل الحقائب والطعام والدواء. لكنّ هذا الصوت، مهما كان عميقاً، يظلّ مهدّداً إذا تُرك في الظلّ، وتَقدّم عليه صوت الحقد والانقسام. المشكلة ليست فقط في وجود أصوات الكراهية، بل في أنّ الغالب الصامت من الإيجابيات يُترك من دون تغطية، من دون أن يُروى، من دون أن يتحوّل إلى ثقافة عامّة قادرة على المواجهة. وهنا تكمن المسؤولية: ليس في إنكار وجود الجرح، بل في الإصرار على أنّ ما يلتئم به الجرح لا يقلّ واقعية عمّا يمزّقه.

هنا، في هذه اللحظة بالذات، يمكننا أن نتأمّل في ما يفعله التضامن بالمجتمع حين يكون في أضعف حالاته. إنه ليس مجرّد استجابة إنسانية عابرة، بل إعادة إنتاج للنسيج الاجتماعي من أسفل، خلافاً لكلّ المحاولات التي تسعى إلى تفكيكه من أعلى. حين يفتح إنسان بيته لجاره، فهو لا يقدّم مأوى فقط، بل يؤسّس من جديد لفكرة أنّ الوطن ليس مجرّد أرض وحدود، بل هو تلك الشبكة من العلاقات التي تتحمّل الانهيار. وهذه الشبكة لا تُبنى بالخطابات، بل بهذا الفعل البسيط المدهش: أن ترى في الآخر إنساناً مثلك، قبل أن ترى فيه موقعاً سياسياً أو هوية دينية.

ثمّة سخرية في التاريخ لا تخفى على من يتأمّل. فذاك الذي يظن أنّ بوسعه التعاون مع المحتل ليحصل على حماية أو مكاسب، يكتشف عادة أنه كان في حساب الخصم مجرّد أداة مؤقتة. لكنّ السخرية الأعمق أنّ المحتل نفسه، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يصنع ما يصنعه الجار لجاره: تلك الثقة الصامتة التي تجعل الحياة ممكنة حتى في ظلّ الحرب والدمار. فالدول تُبنى بالقوانين أحياناً، لكنّ المجتمعات يُعاد بناؤها بهذا العطاء الذي لا ينتظر مقابلاً.

ربما لهذا السبب تحديداً تبقى قصص التضامن هذه أكثر استحقاقاً لأن تُروى. ليس لأنها تنقل صورة مثالية عن لبنان  - فهو ليس مثالياً - بل لأنها تكشف عن طبقة من الوجود الاجتماعي لا تنكسر بسهولة. طبقة من المعنى لا تظهر في البيانات الرسمية، ولا في عناوين الأخبار العاجلة. إنما تظهر في التفاصيل الصغيرة: في وجبة تُعدّ لمن لا يعرف صاحب البيت اسمه، في غرفة تُترك مؤقتاً لمن فقد غرفته، في صمت لا يحتاج إلى تصريح.

هنا، في زحمة الخراب، يرتفع "صوتُ الحياة" بأبهى تجلّياته: حين تُقرع أجراس كنيسة تحيّة لشهيد مسلم، وحين تُعدّ راهبات وجبات الطعام لمهجّرين لا يعرفنهم، وحين يصطفّ مسلمون في قدّاس الجمعة العظيمة، لا بدافع الفولكلور أو المجاملة، بل بإيمان حقيقي بهذه الشراكة الإنسانية والروحية والوطنية. ليس هذا استثناء، بل هو جوهر هذا البلد حين يُترك لطبعه الأوّل.

نحن بأمسّ الحاجة إلى من يلتقط هذه الممارسات ويجعلها مرئية. ليس كدرس أخلاقي، بل كشاهد على أنّ المجتمعات تحتفظ، في أعماقها، بقدرة على إعادة اختراع نفسها من خلال العلاقات المباشرة بين أبنائها. هذه القدرة هي ما يبقى حين تنهار الأنظمة، وحين تفشل السياسات، وحين تصمت القوانين أو تتواطأ. وهي أيضاً القدرة التي إذا لم نعمل على تعميقها وتعميمها - إذا تركناها في الظلّ بينما نُضخّم ما يناقضها - قد تخفت تدريجياً. وقد يصبح الانهيار الذي نراه على الشاشات حقيقة واقعة. ليس لأنّ الضعفاء غلبوا، بل لأنّ من يملكون أدوات التشكيل اختاروا، بوعي أو بغير وعي، أن يكرّسوا صورة التمزّق حتى صارت أقوى من واقع التماسك.

إنها ليست دعوة إلى نسيان الجراح، ولا إلى تغطية الخلافات بسذاجة فكرية أو بطبقة من العاطفة. بل هي مجرّد تأمّل في ما يفعله اللبنانيون حين يُتركون لأبسط غرائزهم الإنسانية، قبل أن تصل إليهم الخطب والشعارات، وقبل أن تخترق صورةُ الشاشة تصوُّرَهم عن أنفسهم. وما يفعلونه، غالباً، هو أنهم يتشاركون، في بيت صغير، في ممر ضيّق، في تفاصيل لا تصلح لعناوين كبرى.

هذه التفاصيل، وحدها، قد تكون أكثر قدرة على تفسير استمرار هذا البلد من كلّ التحليلات السياسية. غير أنّ استمرارها ليس مضموناً إذا ظلّت في حيّز غير مرئي، فما لا يُروى يموت، وما لا يُعمَّم يظلّ هشاً، وما لا نصمّم على نشره وتكريسه قد نخسره لحظة نكون في أمسّ الحاجة إليه.

فما أقسى أن يُختزل الإنسان في لحظة كراهية عابرة، وما أجمله حين تتسع مساحته لكلّ التناقضات، وحين يبقى فعل العطاء هو ما يعرّفه في النهاية. لبنان، في لحظاته الصعبة، يظهر على حقيقته: ليس تلك الصورة التي تلتقطها الكاميرات من فوق، بل تلك التي تُبنى من تحت، بيتاً بيتاً، وجاراً لجار. هذا هو المعنى الحقيقي للوطن والمواطنة وحبّ الحياة والإنسان. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً، ومسؤوليتنا فيه جماعية، هو: أيّ الصورتين سنختار أن نروي، وأيّتهما سنعمل على تعميقها قبل أن تقرّر الظروف عنّا ما لم نقرّره لأنفسنا؟

اخترنا لك