صناعة "فلسطين" في وعي الآخر
لدينا العديد من البرامج التي لا تزال في طور الإعداد، نسعى من خلالها لاستثمار قوانين حقوق الإنسان، لتسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرّض لها الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس وكذلك الشتات.
-
غزة
كنت قد جلت أصقاعاً كثيرة، متنقّلاً من بلد إلى آخر، ضمن برامج متعدّدة، تتعلّق بحقوق الإنسان أو الحوارات الثقافية والاندماج أو العلوم السياسية وغيرها من المواضيع التي أمتلك خبرة فيها، وكانت تلك الرحلات قصيرة، ربما لا تزيد مدة الرحلة فيها عن أسبوعين، حدثت قبل أكثر من عقد من الزمن، عندما كانت المعابر بحالة جيدة، وخلال تلك الرحلات، لم يكن الوقت يسمح لي ولمن يشبهونني بالعمل على تسليط الضوء على القضية الفلسطينية بشكل ممنهج أو واضح. إذ كنا نكتفي بتقديم بعض الهدايا التذكارية للرفاق الذين نتعرّف إليهم في تلك البرامج أو الدورات التدريبية، ثم نعود إلى بلادنا من دون فعل حقيقي وجادّ، يمكنه ربط قضيتنا العادلة في اللاوعي داخل عقول الأمم والشعوب التي لا تدين بلغتنا أو ديننا أو منطقتنا أو رؤيتنا للحياة.
وعندما وصلت إلى أوروبا مرة أخرى، بعد رحلة عذاب لا يكفي الحديث عنها بمقال واحد، والاستقرار لوقت قصير في سويسرا، بدأت أتساءل: كيف يمكن للإنسان أن يكون سفيراً لوطنه على وجه الخصوص، وسفيراً للأمة العربية على شموليتها، في ظل عجز المؤسسات الدبلوماسية الفلسطينية والعربية بالدفاع عن فلسطين كما يجب؟ وكذلك الدفاع عن الإنسان العربي في معركة الوعي والنهضة؟ وما هي الوسائل الفردية أو الجماعية التي يمكن تنفيذها لأجل الوصول إلى لاوعي المواطن الغربي، بطريقة حضارية لا تمسّ هيبة أو مكانة الدولة أو المملكة أو الجمهورية التي يعيش فيها الإنسان العربي؟ خصوصاً مع انتقال الدبلوماسية من الوطنية إلى النفعية والمصلحة الشخصية ثم مصلحة الحزب الحاكم.
ولم يكن الجواب واضحاً حتى لحظة كتابة هذا المقال، إذ يختلف التفكير الفردي عن الجمعي، والفردي داخل بيئة معينة، بثقافة معينة، عن آخر جاء من بيئة مختلفة، بلون سياسي مختلف، لكن الهم الوطني الحقيقي يمكنه أن يؤسس لحالة فرد/جمعية داخل إطار الأسرة الواحدة، وهو ما قررت فعله على صعيدي الشخصي بعد عودتي من فعالية لشبان فلسطينيين بمدينة لوزان، عمد خلالها هؤلاء الأفراد على تنظيم نشاط فردي، غير مأسسي، في لفت الأنظار حول ما يجري في قطاع غزة، من خلال أمسية فنية، تخللها قراءة الشعر، وبيع بعض الملابس الفولوكلورية الفلسطينية.
لذلك، اجتمعت في اليوم التالي مع الأسرة، وطرحت السؤال الأساس: كيف نسلّط الضوء على ما يجري في غزة، بشكل دبلوماسي، ناعم، لا يؤثر على حياتنا في هذه البلدة التي احترمت كفاءتي وأحضرتني للعمل في إحدى جامعاتها؟ في ظل حصار خانق ومستمر تتعرّض له المدينة الرؤوم غزة؟
وكانت الإجابات غير متوقّعة، حيث استطاع أبنائي بحكم اطلاعهم على وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تقديم طروحات متعدّدة، يمكن تنفيذها بين الفينة والأخرى، في أماكن متعددة، من دون إلحاق الأذى أو الضرر لأي منا، نحن والآخر.
وكانت الفكرة الأولى تتمثّل في توزيع طعام تقليدي فلسطيني "فطائر السبانخ" على الجيران، مع ورقة رسم أبنائي عليها علم فلسطين، ووضعوا صورة المسجد الأقصى، ثم كتبوا عليها بلغة فرنسية بسيطة: "من غزة إلى سويسرا، طعام بنكهة فلسطينية، يحمل الحب والتقدير لكم". إيماناً منهم أنّ هذه الكلمات يمكنها أن تخبر الآخر، أنّ الغزي لديه هويته وثقافته الإنسانية.
اقترح بعضهم أن أقوم بتسويق كتبي، رغم أنها كتبت بالعربية، من خلال كتابة رسالة قصيرة بالفرنسية، تدعو القارئ الحالم الشغوف باكتشاف المغامرة والعوالم السحرية في كل كتاب أن يجتهد معي في البحث عن مترجم لسبر أغوار روايتي "ملابس تنجو بأعجوبة"، التي قرّرت وضعها إلى جانب كتب بلغات متعددة، في رف المكتبة الصغيرة عند ناصية الشارع.
ليلة البارحة قرّرنا طباعة ورق صغير، ثمّ وضعناه بين صفحات الكتب الموجودة في أرفف المكتبات في شوارع لوزان، وقد كُتب عليه بالفرنسية: "نحن قادمون من مدينةٍ على البحر اسمها غزة. نحب الحياة كما تحبونها، نقرأ الكتب، ونختبئ في الخيال حين يضيق الواقع. بين صفحات هذا الكتاب، نضع سلاماً صغيراً من هناك، من مكان يتعلّم فيه الأطفال معنى السماء باكراً أكثر مما ينبغي. إذا وصلتك هذه الكلمات، فتذكّر أنّ وراء الأفق البعيد قلوباً تشبه قلبك، وتنتظر من العالم أن يتذكّر إنسانيته.. من غزة محبة لا تنطفئ".
ولدينا العديد من البرامج التي لا تزال في طور الإعداد، نسعى من خلالها لاستثمار قوانين حقوق الإنسان، لتسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرّض لها الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس وكذلك الشتات.
ربما، النموذج الشخصي، يمكنه أن يكون ناقوساً، نطرق من خلاله جدران الخزّان، أنّ العربي يستطيع أن يستثمر كلّ الحقوق الأخلاقية والإنسانية التي تسمح بها الدول، لإظهار بشاعة ما تتعرّض له غزة، في ظلّ صمت الأنظمة الكبرى ورؤوس الأموال، لعلّ هذا الصوت يكبر ويصبح مذياعاً يصل إلى كلّ بيت، في كلّ مكان من هذا العالم المتنوّع.