"عمة آل مشرق"... نبش في الأسطورة المنسية وبحث عن الهوية!
لم تكتب أميمة الخميس مجرّد رواية تاريخية عائلية، بل قدّمت وثيقة إنسانية بالغة الأهمية، تحوّل التاريخ الجامد إلى تجربة نابضة بالحياة، وحافلة بالصراعات النفسية والأيديولوجية.
-
"عمة آل مشرق"... النبش في الأسطورة المنسية والبحث عن الهوية المخفية!
يحتلّ التاريخ في الرواية العربية المعاصرة مكانة مركزية، لا بوصفه مجرّد سرد لأحداث مضت، بل باعتباره مرآة كاشفة لتحوّلات الحاضر وتطلّعات المستقبل.
من هذا المنطلق، تأتي رواية "عمة آل مشرق" للروائية السعودية، أميمة الخميس، الصادرة عن (دار الساقي) في بيروت، لتمثّل واحدة من أعمق الملاحم الروائية التي تحفر في سيرة الذاكرة المحلية والتحوّلات الأنثروبولوجية والاجتماعية في شبه الجزيرة العربية والخليج على امتداد قرن كامل، منذ عام 1918 وحتى العصر الحديث.
ولم يكن غريباً أن تحجز هذه الرواية مكانها في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" لعام 2026، إذ تعتبر عملاً أدبياً رصيناً يحتفي بالهوية ويفكّك البنى الاجتماعية والسياسية من خلال لعبة سردية بالغة الذكاء والتعقيد. وتنطلق الرواية من فكرة جوهرية تضعها الكاتبة عتبة نصية ومقدّمة أساسية للعمل، وهي أنّ: "في تاريخ كلّ عائلة هناك حكاية غامضة، داكنة متوارية، قطعة من نسيج ماضيهم، يدسّونها عن الآخرين كندبة، ويرفعون دونها الحجب كجُنْحة، تشفّ خلف مفرداتهم، يهمسون بها في اجتماعاتهم المغلقة، ويشيرون إليها بالرمز والتعريض أمام الغرباء؛ لظنهم أنه إذا لم تُسمَّ الأشياء بأسمائها، فستبقى في الظلام".
من هذه الندبة العائلية تنسج أميمة الخميس خيوط حكاية عائلة "آل مشرق"، وهي حكاية لم تكتمل حتى الآن، لأنّ كثيرين من أفراد العائلة شاركوا في تفتيق تفاصيلها، وإضافة أحداث إليها، وتناقلها عبر الأجيال بشجن وغلو وغموض.
لغز الاختفاء والارتحال بين نجد والمنامة
تتحرّك أحداث الرواية ضمن خطين زمنيين متوازيين ومتشابكين. الخط الزمني الأول يقع في الماضي، عند بدايات القرن الــ 20. حيث يبدأ الحدث المركزي عام 1918، وهو العام الذي اجتاح فيه وباء الإنفلونزا الإسبانية وسط الجزيرة العربية، وعُرف تاريخياً في نجد بـ"سنة الرحمة".
وفي هذه الأجواء القاتمة والموحشة، تتدهور الحالة الصحية للشابة "الجازي"، الابنة الأثيرة و"العمة" التي ستمثّل لاحقاً لغز العائلة.
يجد والدها نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ. إما الشروع في حفر قبر لها في الرياض انتظاراً للموت، وإما القبول بعرض الممرض والمساعد الطبي الأميركي، أو الطبيب ذي الأصول الغربية، "ماثيو إيدن"، الذي كان يعمل ضمن إحدى الإرساليات الطبية التبشيرية المسيحية التي توغّلت في المنطقة مستغلة ظروف الحرب والوباء.
يوافق الأب مكرهاً على ترحيل ابنته لتلقّي العلاج في مستشفى الإرسالية في المحرق والمنامة بالبحرين، ولكن بشرط صارم يحفظ كبرياء العائلة ومكانتها، وهو أن يتزوجها ماثيو ويعتنق الإسلام مهراً لها. ويتحقّق ما أراده والدها، وبعد الزواج يسافر الزوجان إلى المنامة، وهناك تنقلب حياتهما رأساً على عقب.
بعد فترة وجيزة، تنقطع أخبار "الجازي" و"ماثيو" تماماً، ويتحوّل مصيرهما إلى ثقب أسود في تاريخ عائلة آل مشرق، وإلى لغز ممتد يحاصره السديم والصمت لأكثر من 100 عام.
أما الخط الزمني الثاني فيقع في الحاضر، أي في القرن الــ 21. هكذا، وبعد مرور عقود طويلة على اختفاء العمة، يظهر الحفيد "فواز"، وهو شاب سعودي يدرس الإخراج السينمائي في الولايات المتحدة. يقرّر فواز البحث في تاريخ عائلته الغامض ومحاولة صنع فيلم وثائقي يكشف حقيقة ما جرى لعمته "الجازي".
وينطلق في رحلة بحث أنثروبولوجية شاقة، يعتمد فيها على مذكرات المستشرقين، والوثائق التاريخية المترجمة، والرسائل القديمة، فضلاً عن الحكايات الشفهية المتواترة والمجزّأة التي تناقلتها مجالس الرجال بشجن وجمل مقتضبة، ومجالس النساء بتفاصيل مزخرفة تنتهي بالتحسر وطقطقة الشفاه.
لكنّ الموقف يتعقّد عندما يحاول مخرج أميركي الاستيلاء على هذه المادة التاريخية، وإخراج الفيلم ونسبه إلى نفسه، مستخدماً رؤية استشراقية نمطية. وهذا ما يدفع فواز وعائلته إلى خوض معركة لتوثيق حكايتهم بطريقتهم الخاصة، واستعادة الحقّ في سرد تاريخهم، بدلاً من تركه للعالم الغربي وتأويلاته الأيديولوجية.
البنية السردية وتقنيات الزمن: الميتاسرد والمتاهة
تتجلّى براعة أميمة الخميس في تفكيك الخط الزمني التقليدي الصارم؛ فالرواية لا تسير في اتجاه أفقي متصاعد، بل تتحرّك بحرية واقتدار بين الحاضر والماضي، عبر تقنية الميتاسرد وكسر الإيهام، لنكون أمام نص داخل نص.
يقوم الحفيد بكتابة نص سينمائي موازٍ يبحث فيه عن الممحو والغائب من التاريخ. ويخلق هذا التناوب الزماني والمكاني بين الرياض والمنامة ونيويورك حواراً حياً ومستمراً بين جيل الأجداد وجيل الأحفاد.
ويشبه هذا الترابط والتداخل العجيب نسيجاً متكاملاً من الخيوط المتشابكة في سجادة فارسية؛ إذ يخدم الزمن البنية الدرامية، ويكشف كيف أنّ فهم الحاضر مشروط برفع الحجب عن خطايا الماضي وأسراره.
هكذا يصبح غياب الشخصية الرئيسية، "الجازي"، المحرّك الفعلي للأحداث، فالبحث عن الغائب هو الذي يفكّك البنى الثقافية.
لغة بليغة وعبارات ساحرة
عند الحديث عن الأسلوب الذي كُتبت به هذه الرواية، لا يمكننا إغفال الجانب الجمالي الذي يميّز قلم أميمة الخميس. إذ جاءت روايتها هذه بلغة خلابة، جزلة ورصينة، تعيد إلى الأدب قيمته الفنية ومكانته.
تجمع لغة العمل بين شاعرية التصوير ودقة الوصف الأنثروبولوجي، فلا تكون مجرد أداة لنقل الأحداث، بل تتحول إلى بطل مستقل بذاته. وتستدعي الكاتبة المفردات النجدية القديمة، وأجواء الصحراء، ومشاهد البيوت الطينية، ثم تنتقل بسلاسة إلى مفردات الحداثة والسينما والاغتراب في أميركا.
كما تستخدم مجازات مدهشة في تشريح مجتمع يمر بتحولات هائلة، فترسم ملامح الانتقال من الفيدرالية القبلية المهيمنة إلى الدولة المدنية الحديثة والطفرات الاقتصادية، بلغة تشف عن وعي عميق بالهوية المحلية والذاكرة.
وتأتي العبارات قوية ومكثفة، متحركة بين الهمس والجهر، ما يمنح النص هيبة أدبية تتناسب مع الهيبة المزعومة لعائلة "آل مشرق".
ثيمات متعدّدة تتناولها الرواية
تتناول الرواية ثيمات وموضوعات متعدّدة، لعل أهمها ثيمة الاستشراق والتوثيق، حيث تناقش بعمق ظاهرة الاستشراق الذي غزا المنطقة متدثّراً بمعطف الطب والإرساليات، وتكشف كيف عمد العقل الغربي طويلاً إلى تنميط الشرق وتصوير الصحراء بوصفها فراغاً موحشاً يسكنه "البدوي النبيل".
ومن هنا تطرح الرواية سؤالاً جوهرياً: "من يملك الحقّ في رواية الحكاية وتوثيق التاريخ؟".
أما الثيمة الثانية، فهي صناعة الأساطير الشخصية وتاريخ النساء المنسي. تسلّط الرواية الضوء على مصائر النساء اللواتي أُخفيت حكاياتهن خلف أسوار الصمت. ومن خلال تاريخ العمة، التي تمثّل رمزاً للهيبة في ذاكرة العائلة، يتكشّف تاريخ بديل مليء بالأسرار التي تهزّ مجد العائلة المبني على سردية واحدة وموجّهة للماضي.
أما الثيمة الأخيرة، فهي جدلية الأماكن والأرواح، إذ تحاول الرواية الإجابة عن أسئلة وجودية، من قبيل: "كيف تتغيّر الأرواح حين تتغيّر الأماكن؟"، و"كيف يمكننا حماية حكاياتنا المحلية من طوفان النسيان والعولمة؟".
انتصار الذاكرة على الصمت
في الختام، يمكن القول إنّ أميمة الخميس لم تكتب مجرّد رواية تاريخية عائلية، بل قدّمت وثيقة إنسانية بالغة الأهمية، تحوّل التاريخ الجامد إلى تجربة نابضة بالحياة، وحافلة بالصراعات النفسية والأيديولوجية.
ومن خلال رحلة البحث التي خاضها الحفيد فواز، يتضح أنّ الحقيقة لا تكمن في الروايات الرسمية الصارمة، بل في الهوامش والظلال والرسائل المتوارية في عتمة الصناديق القديمة.
هكذا جاءت الرواية صرخة أدبية ترفض ترك الذاكرة العربية نهباً للتأويل الأجنبي أو التغييب المحلي، وتؤكّد أنّ مواجهة ندوب الماضي، وإن كانت مؤلمة ومهدّدة لبعض الأمجاد المتخيّلة، هي السبيل الوحيد لبناء حاضر متصالح مع ذاته، ومستقبل يرتكز على أرض صلبة من الحقيقة والحرية.