سيمون فايل: الحرية اختبار أخلاقي في عالم الاضطهاد

تقول الفيلسوفة الفرنسية فايل بأن "كلّ مجتمع لا يضع حدوداً للقوة، يزرع في داخله بذرة العبودية"، هذه العبارة تصلح اليوم، كما الأمس، لأن تكون تحذيراً مفتوحاً في وجه عالم لا يزال يخلط بين القوة والحق.

  • سيمون فايل: الحرية اختبار أخلاقي في عالم الاضطهاد
    سيمون فايل: الحرية اختبار أخلاقي في عالم الاضطهاد

يُعدّ كتاب "أفكار حول أسباب الحرية والاضطهاد الاجتماعي" من أكثر نصوص الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل كثافةً وزعزعةً لليقينيات السائدة، فمع أن هذا البحث كُتب في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، في زمن كانت فيه أوروبا تتداعى تحت وطأة الفاشية، والستالينية، وأزمات الرأسمالية الصناعية، إلا أن فايل لا تتعامل مع الحرية باعتبارها شعاراً سياسياً أو حقاً قانونياً مجرداً، بل بوصفها مسألة وجودية وأخلاقية تتصل مباشرةً بتنظيم العمل، وبنية السلطة، وعلاقة الإنسان بالقوة.

منذ الصفحات الأولى للكتاب الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع ونقله إلى العربية المترجم "مدين حرامي"، تُعلن فايل موقفها الحاد بأنّ المسألة الاجتماعية ليست مسألة توزيعٍ أفضل للثروة، بل مسألة تنظيمٍ للقوة التي تُخضع البشر بعضهم لبعض. بهذا المعنى، يضع الكتاب نفسه خارج السجالات الإصلاحية السطحية، ويدخل مباشرةً إلى قلب المأزق الحضاري الحديث.

تذهب الفيلسوفة الفرنسية إلى أن الاضطهاد الاجتماعي لا ينشأ فقط من سوء نيات الحكّام أو من ظلمٍ أخلاقي فردي، بل من تحول الوسائل إلى غايات. فحين تصبح التقنية، أو الإدارة، أو الدولة غايةً في ذاتها، يُختزل الإنسان إلى مجرّد أداة، وكلّما انفصلت الوسائل عن الغايات الإنسانية، تحوّل العمل إلى عبودية، حتى لو رُفعت من أجله شعارات الحرية. 

تقول فايل: "يرتبط كل حكم بحالة موضوعية، وبالتالي بشبكة من الضرورات. لا يستطيع الإنسان الحي بأي حال من الأحوال أن يتوقَّف على أن يكون محاصراً من كل جانب بضرورة غير مرنة على الإطلاق، ولكن بما أنه يفكر، فهو مخيَّر بين الاستسلام الأعمى للمُحرِّض الذي يدفعه من الخارج، أو التوافق مع التصور الداخلي الذي يُشكِّله لنفسه، وهذا ما يتكون منه التضاد بين العبودية والحرية".  

تشابه في إنتاج الاضطهاد

هنا تكمن إحدى أهم أطروحات الكتاب: الاضطهاد ليس حادثاً عرضياً، بل نتيجة منطقية لبُنى اجتماعية واقتصادية تجعل الفعالية والإنتاج والسيطرة قيماً عليا، من دون مساءلة أخلاقية. ولهذا ترى فايل أن الأنظمة المتعارضة ظاهرياً – كالرأسمالية الصناعية والبيروقراطية الاشتراكية – يمكن أن تتشابه في إنتاج الاضطهاد.

لا تخفي فايل ريبتها العميقة من الدولة الحديثة، حتى حين تتخذ شكل الدولة التقدمية أو الثورية. فهي ترى أن الدولة، متى احتكرت القوة والتنظيم، تميل إلى إعادة إنتاج منطق السيطرة. إذ توضح بشكل جلي بأن الدولة كيانٌ يميل بطبيعته إلى التوسع، ولا يعرف حدوداً إلا تلك التي تُفرض عليه من الخارج.

هذا النقد لا يصدر عن نزعة فوضوية، بل عن قلق أخلاقي: كيف يمكن حماية الإنسان الفرد من أجهزة ضخمة لا ترى فيه سوى رقم أو وظيفة؟ بالنسبة لفايل، الحرية لا تُصان عبر نقل السلطة من طبقة إلى أخرى، بل عبر تفكيك أشكال التركّز القسري للقوة.

العمل أداة للسيطرة

تكتسب أفكار فايل حول العمل مصداقية استثنائية لأنها لم تكن تنظيراً من برجٍ عاجي. فقد عملت بنفسها في المصانع، وعاشت تجربة العامل في أحد المصانع، هناك حيث يتعلّم الإنسان معنى الإذلال الصامت، حين يُجبر الجسد على الطاعة قبل العقل، كما أوضحت في كتابها هذا، إذ ترى أن العمل، في شكله الصناعي الحديث، صار أداةً للسيطرة لا مجالاً لتحقيق الذات. والحرية الحقيقية، في نظرها، تمرّ عبر إعادة تنظيم العمل بحيث يستعيد العامل صلته بمعنى ما يفعل، وبإيقاعٍ إنساني لا تحكمه الآلة وحدها.

ولعل من أكثر فصول الكتاب راهنيةً نقد فايل لفكرة التقدم الحتمي. فهي تحذّر من تحويل المستقبل إلى صنم تُبرَّر باسمه كلّ أشكال القسوة في الحاضر، إذ حين يُضحّى بالإنسان الحاضر باسم إنسانٍ مستقبليٍّ متخيَّل، نكون قد دخلنا منطق الاضطهاد الكامل، وبهذا المعنى، تضع الفيلسوفة الفرنسية مسافة نقدية من الإيديولوجيات الكبرى التي تعد بالخلاص النهائي، سواء أتت من اليمين أم من اليسار. فالحرية، عندها، لا تُؤجَّل ولا تُختصر في وعدٍ تاريخي، بل تُمارَس هنا والآن، أو لا تكون.

تقول: "مستقبل البشرية ليس الغاية الوحيدة التي تستحق الاهتمام. فقط المتعصبون هم من يستطيعون أن يعلقوا قيمة على وجودهم بقدر ما يخدم قضية جماعية، ويتطلب رد الفعل ضد تبعية الفرد للجماعة بدايةً رفض تبعية مصيرنا لمدار التاريخ". 

الحرية مسألة شاقّة

وعلى خلاف التصورات الليبرالية الشائعة، لا ترى فايل الحرية امتيازاً فردياً أو حقاً يُنتزع بالقانون فقط، بل تعتبرها واجباً أخلاقياً. ولا سيما، أن الحرية بحسب رأيها، ليست حقاً يُطالَب به، بل مسؤولية يتم تحمُّلها تجاه الآخر. هذا التعريف ينقل الحرية من حقل السياسة المجردة إلى حقل الأخلاق اليومية، ويجعلها مرتبطة بالانتباه إلى ضعف الآخر، لا بتعظيم الأنا. ومن هنا أيضاً يبرز نفورها من الخطابات التي تتغنّى بالحرية فيما تتغاضى عن البؤس الاجتماعي.

بعد أكثر من ثمانية عقود على كتابة هذا البحث النقدي، يبدو كتاب "أفكار حول أسباب الحرية والاضطهاد الاجتماعي" راهناً على نحو مقلق. فالعالم المعاصر، ببيروقراطياته العملاقة، واقتصاده الرقمي، وهيمنة الخوارزميات، يعيد إنتاج الأسئلة نفسها: من يملك القوة؟ كيف تُدار؟ وما الثمن الإنساني لذلك؟

تقول فايل في فصل الختام: "ما الذي سيندثر بالضبط وما الذي سيبقى من الحضارة الحالية؟ وفي أي ظروف وبأي معنى ستتقدم الأحداث لاحقاً؟ هذه الأسئلة ليست قابلة للحل. ما نعرفه مسبقاً بأن الحياة ستكون أقل وحشية كلما زادت قدرة الفرد على التفكير والعمل. إن الحضارة الحالية التي سيرث أحفادنا على الأرجح بعض أجزائها، تحتوي، ونحن ندرك ذلك جيداً، على ما يكفي لسحق الإنسان، ولكنها تحتوي أيضاً، على الأقل في البذرة، على شيء يمكن أن يُحرِّره. 

توجد في عملنا، على الرغم من كل الغموض الذي يجلبه نوع من المدرسة الجديدة، ومضاتٌ رائعة وأجزاء صافية ومضيئة، وخطوات منهجية تماماً للعقل. في التكنولوجيا الخاصة بنا أيضاً، هناك بذور لتحرير العمل، تبدو هذه الأشياء مناسبة لتخليص الناس من جوانب العمل المتضمنة ما هو آليٌّ ولا واعٍ، ولكن من ناحية أخرى، إنها مرتبطة ارتباطاً لا ينفصم بتنظيم اقتصادي مركزي إلى حد الإفراط. وبالتالي مُضْطَهِدة جداً".  

ولعل أهمية هذا الكتاب اليوم لا تكمن في تقديم حلول جاهزة، بل في قدرته على تعكير الاطمئنان، إذ إن فايل لا تمنح القارئ عزاءً أيديولوجياً، بل تضعه أمام سؤال أخلاقي حاد: هل يمكن بناء نظام اجتماعي لا يقوم على سحق الأضعف؟ 

وللإجابة على هذا السؤال تفرض فايل على القارئ جهداً فكرياً وأخلاقياً يسهم في وقوفه في صف رفض الحلول السهلة، والإصرار على أن الحرية مسألة شاقة، وهشّة، ومهدَّدة دائماً، أو كما تصفها الفيلسوفة الفرنسية بتصريحها بأن "كلّ مجتمع لا يضع حدوداً للقوة، يزرع في داخله بذرة العبودية"، هذه العبارة تصلح اليوم، كما الأمس، لأن تكون تحذيراً مفتوحاً في وجه عالم لا يزال يخلط بين القوة والحق.

اخترنا لك