سيادة الغروتيسك (1): حين استيقظ فرانكشتاين النيوليبرالي وابتلع العالم بلقمة واحدة

كيف استيقظ فرانكشتاين الاقتصادي؟ وكيف صنع البشر هذا الوحش ليأكلهم؟

شهد أواخر القرن الــ 20 ما اصطلح الليبراليون أنفسهم على تسميته بـ"وثبة" اقتصادية كبرى. هي قفزة فتحت باب غرفة النوم أمام "فرانكشتاين" ليصحو ويزحف إلى مسرح التاريخ: مخلوقاً ضخماً، سريع التمدّد، شرهاً لا يشبع ومتوّحشاً قليل الرحمة، اسمه النيوليبرالية.

عوامل متشابكة أفضت إلى استيقاظ فرانكشتاين الاقتصادي، ذلك الذي تصرّ سوزان جورج في مقالتها "ما هي النيوليبرالية" (1) أنه وحشٌ من صناعة البشر.

ولعلّ أبرز هذه العوامل، خمود زخم حركة العمال حول العالم وهزائمها المتراكمة (2)، وتسلّل أفكار الفيلسوف الاقتصادي، فريديريش فون هايك، وتلميذه ميلتون فريدمان (ما يعرف بنواة شيكاغو) إلى "صالون" النخب وصانعي القرار الذين افتتنوا بسحرها المبسّط.

غير أنّ هذه "الوثبة" ما لبثت أن كشفت عن وجهها المشوّه والهجين، فكانت تقهقراً وانحداراً إنسانياً ملموساً وليست "تقدّماً إلى الأمام" كما روِّج، وسرعان ما تحوّل العالم الحديث (المعاصر) إلى فاجعةٍ وجودية لأصحاب "العيون الأقلّ حظاً" (3). 

ابتداء من أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومع صعود مارغريت تاتشر ورونالد ريغان إلى سدّة الحكم في كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة، ظهرت الدولة "الفرانكشتانية"، وقد قُدّمت كمسار سياسي زُعِم أنه تطوّر "طبيعيّ"، تحت ذرائع أيديولوجية سوّغت النيوليبرالية باعتبارها امتداداً لصيرورة "الداروينية الاجتماعية" (4). ومنذ ذلك الحين أخذ الغلو ينفذ إلى البنى الاجتماعية، وبدأت أمراض جديدة تضرب المجتمع المعاصر.

فقد أسهم هذا المسار في انتقال الثروة من "الأسفل" إلى "الأعلى" (5): من العمّال والطبقات الوسطى والمستفيدين من توازنات "الكينزية" إلى مقاولين كبار ومضاربي العقارات ووحوش "مسالخ شيكاغو"، واليوم إلى مسوخ وادي السيليكون ومدمني المخدّرات والحروب في وول ستريت. 

هكذا بتنا إزاء "نوعين"، أي طبقتين اقتصاديتين، يفصل بينهما شرخٌ "غروتيسكيّ" (6) كما عبّر المنظّر دايفيد هارفي. فقد ابتلع صندوق النقد والبنك الدولي "دول الجنوب" تحت عنوان "الإصلاح" وازدادت هذه الدول تقهقراً وفقراً، انهارت الأجور الحقيقية وصار المواطن بلا ضمانات، كائناً مكلوماً سريع العطب، هشّاً أمام تقلّبات السوق، يعيش مع الكدمات التي تركتها الرأسمالية على جسده من جرّاء الإنهاك و"الاحتراق النفسي" (7) الذي تكلّم عنه الكوري بيونغ تشول هان، وتوسّعت المدن في مقابل انكماش الفضاء العامّ (8) حتى غدا الوجود الإنساني ضحلاً يجد نفسه محاطاً داخل مساحات وأشكالٍ ضخمة حدّ التشوّه، وكأننا في فضاءٍ غروتيسكيّ. 

ولد فرانكشتاين إذاً وسط شيوع أيديولوجيا "الداروينية الاجتماعية" - المصطلح بذاته كفيل ليعبّر عن الرعب الكامن في عالمنا المعاصر - وقد غرز هذا الوحش أنيابه الكبيرة في السوق الاقتصادية، ومزّق أنسجتها، بينما سال لعابه على الجسد الاجتماعي فقزّمه وتركه خاوياً. 

  • سيادة الغروتيسك (1): حين استيقظ فرانكشتاين النيوليبرالي وابتلع العالم بلقمةٍ واحدة
    ديان أربوس، (أميركية، 1923-1971)، سيدة السيرك البدينة مع كلبها، عام 1964.

الإنسان نفسه طُرد من الحيّز الاجتماعي وتجرّد من طابعه الإنسانيّ، وقد غدا جافّاً، فاقداً للحيوية، بارداً شبيهاً بجدارٍ منزليّ. تتجلّى صورة هذا الإمحاء العاطفي في نوفيلا هيرمان ميلفيل "بارتلبي النساخ". نجد كيف يفضّل بطله، بارتلبي الذي يعاني من فقدان الشهية، "ألّا" يفعل شيئاً. يقف بارتلبي منكمشاً أمام نافذة مكتبه في وول ستريت، يتربّص في البنايات الشاهقة المقابلة له وينغمس في ضآلته، وكأنّ تلك العمارة الضخمة في ذاك الشارع الذي تدار فيه عجلة الاقتصاد، تبتلع وجوده في صمتٍ بارد. 

الإنسان نفسه، أعيد تشكيله كمجرّد وحدة إنتاج واستهلاك بتعبير الفيلسوف زيغموند باومان، أو كما كتب ميشال فوكو في "تصنيع الإنسان النيوليببرالي" (9) إنه (الانسان) "كائن اقتصاديّ - يطلق فوكو مصطلح "هومو اقتصادي" للدلالة على الإنسان- هو مشروع استثمار (رائد أعمال) قائم بذاته، هو فردٌ يعاد تركيب كلّ سلوك من سلوكيّاته وفقاً لعقلانية اقتصادية".

وحين قامت "الفكرة النيوليبرالية على تمكين آلية السوق من أن تتحكّم بمصير البشر"، كما رأت سوزان جورج (10)، انزلق الإنسان كفريسة داخل فكّ فرانكشتاين، لا فاعلاً في العالم بل هو منتج، يصاغ وفقاً لمقتضيات الربح والاستهلاك. هكذا، نتبدّى جميعنا كمسوخ، لا تشكّل العلل الجسدية تشوّهاتنا فحسب إنما استلابنا الذاتي أيضاً.  

وصف الصحافي الأميركي، هانتر طومسون، (11) في كتابه الشهير "الخوف والقرف في لاس فيجاس"، الذي يعتبر أهمّ عمل في مدرسة الـ"غونزو"، يصف الساسة كعمالقة مرعبين يتقنون الخبث والبهتان والإفك والفتك.

أسبغ طومسون على الرأسماليين كلّ صفات القباحة وأغرقهم بصورةٍ تكتظّ بالوحشية والرعب. في "الخوف والقرف في لاس فيجاس" نقرأ عن لاس فيجاس ليس كجنةٍ كما تقدَّم صورتها بل تظهر كصحراء سقيمة، طافحة بالخطايا وتتلظّى بقيظ الشياطين.

وجّه طومسون نقده المقذع لهشاشة "الثقافة المضادة"، وضحالة "الحركات البديلة". إذ رأى أنّ فرانكشتاين هذا، أي النيوليبرالية، استطاعت ابتلاعها وإغراقها في مستنقع آسن. كان طومسون من الأوائل الذين رأوا أنّ صعود النيوليبرالية هو الانزلاق إلى عالم غروتيسكي بالكامل حيث الواقع نفسه أضحى على هيئة كاريكاتور ضخم مشوّهٍ. 

عندما نتأمّل العالم اليوم نجد أننا نعيش في مشهدٍ غروتيسكيِّ بلا نهاية. لم يعد الغروتيسك مجرّد أسلوب وزخرفة (12)، كما لم يعد قوّة أدبية تروم تغيير العالم لأنها قادرة بجماليّاتها الجامعة بين المرعب والمخيف إبراز المفارقة وبالتالي إثارة الضحك، ولا مقاومة "العقلاني" وتهشيم نزعة التماثل والاتساق التي وعدت بها الحداثة (13). بل بعد صدور رواية "التحوّل" لفرانز كافكا ورواية "فيريديوركيه" للبولندي فيتولد غوبروفيتش، حيث الأدب سبَر أغوار لامعقوليّة العالم الحديث، وأماط اللثام عن قباحة فرانكشتاين وعبثيّة العيش تحت وطأته، وبوسعنا القول إنّ الغروتيسك خرج من حدوده كمدرسة فنيّة واستحال صفة تشير إلى واقعٍ معاصر حيث المأساوي والهزلي يتجاوران، وقد غدا ما ظنناه مريعاً بشكلٍ عجائبيّ أفعالاً تمارس وتصنّف بأنها موضة سائدة.

لا تتقاطع النيوليبرالية مع الغروتيسك. لقد غدا العالم مسرحاً غروتيسكياً لحظة إسدال الستارة عن النيوليبرالية. منذ أن صحا فرانكشتاين، والإنسان يسير هشّاً في مدارات متورّمة وأنظمة مبالغة مفرطة في تضخّمها. وهو، أي الإنسان، صار مشوّهاً على نحو يكشف عن وهن الحضارة المعاصرة وابتذالها.

لو عدنا إلى الصور الفوتوغرافية التي التقطتها المصوّرة الأميركية، دايان أربوس، لأقزامٍ، ولشخوصٍ ذوي إصاباتٍ أو تعرّضوا للتشويه وقد التقطت صوراً لهم في الكرنافالات أو في السيرك، فإنّ هذه الصور لم تعد تقرأ اليوم بوصفها تمثيلاً للغرابة ولا إعلاناً عن هويات متفرّدة شكّلتها الإعاقة الجسدية والإصابة بقدر ما نستقبلها (الصور) ببداهةٍ تامّة في أنها تذكّرنا بحاضرنا، وبمن نراهم، فتثير فينا الشفقة على مآل أحوالنا. 

وعندما كان المنظّر البريطاني، مارك فيشر، الذي صان تعبير "الرأسمالية المتأخّرة" قد حدّد طبيعة العالم المعاصر الذي نعيش فيه، إذ تكلّم عن "العالم الكابوسي" الذي تنتجه آليات الإفراط والتضخّم، فإننا نلاحظ كيف أننا قد دخلنا في مرحلةٍ "متأخّرة" في هذا العالم "الكابوسي"، أو مرحلة "متأخّرة" في طور "الرأسمالية المتأخّرة"، حيث الفائض والضخامة اليوم لم يعودا مصدراً للمرعب ولا للمضحك بل أصبحا يشكّلان مصدراً للربح وتراكم الأرباح. ليس الفائض والضخامة اليوم كابوساً إنّما ضرورة واجبة لمراكمة رأس المال ولحجز مكانةٍ في حاضرنا الغروتيكسي، وفي هذا يتضح أنّ الغروتيسك، كما قالت الفيلسوفة الفرنسية، سينتيا فلوري (14) منطلقة من فوكو، يوّلد الغروتيسك نفسه. 

بانوراما سريعة

  • ريغان وتاتشر
    ريغان وتاتشر

يتكئ الخبر الصحافي اليوم على رصد والتقاط والقبض فإبراز "حدث كبير" والترويج له. ليس من الضروري أن يعني "الحدث الكبير" حدثاً مهماً، بل يكفي أنّ يكون حدثاً مبالغاً فيه، أو ينطوي على احتمال تحميله - من قبل المحرّر - عنصر المبالغة. لم تثر حوادث موت وانتحار عمال أجانب (15) وهم يشيّدون ملاعب كرة قدم في قطر من أجل المونديال اهتمام الصحافة على سبيل المثال.

لم يعتبر هذا الحدث كبيراً أو هاماً، لكن هيمنت في المقابل افتتاحية كأس العالم بما حفلت من بهرجة وأجواء كرنافالية ساخطة على الأخبار واستحوذت أغلفة الجرائد. انهار ما هو "مهم" بالمعنى الإنسانيّ أمام مفهوم "الكبير" المستحدث. صار مفهوم "الكبير" مكدّراً بدلالة استعراضيّة وكرنافاليّة، وهو مشهد محكوم جوهرياً بالإفراط الجنوني ويطلب المزيد دائماً لا تحدّه حدود ولا يكتفي مثل المصاب بوسواس قهري ويراكم الأفكار. 

لم يعد "الكبير" اليوم مرتبطاً بالحجم مثل البدانة (وهي كلمة مرفوضة في معجم "الرأسمالية المتأخّرة" لأنها لا تشذّ عن "الصوابية السياسية") أو الجسامة أو حتى اتساع الشيء وثقله. لم يعد "الكبر" أيضاً يثير الرعب مثلما جاء في رواية جورج أورويل الديستوبية "1984" حيث "الأخ الكبير" هو السلطة السياسية تراقب وتتحكّم كإله بمصائر البشر.

كما لم يعد "الكبير" يرمز إلى سلطةٍ من شأنها أن تكون "ضابطة" و"مستبدة" كما في المفهوم الذي اخترعه المحلّل النفسي الفرنسي، جاك لاكان "الآخر الكبير"، الذي يؤطّر الخطاب ويسنّ القوانين ويمنح المعاني.

لقد أضحى "الكبير" اليوم لصيقاً بالدلالة التي تعني القوّة، بالأحرى الإفراط بالقوة، أي التضخّم المبالغ فيه، على أن هذا الكبر  بدلالته الجديدة - التي تعني الضخامة والإفراط - ينبغي التوق إليه. الظاهر أنّ السلطة الفرانكشتاينية قد غيّرت المدلول وشوّهته دلالياً. الكبر الآن يرادف الغروتيسك، وقد بات القاعدة التي تنظّم حضور الأشياء، وحضورنا في عالمنا المعاصر. 

كلّ شيء حولنا كبير: العمارة شاهقة تكاد تلامس السماء. الأسواق الاستهلاكية منفوخة حدّ التخمّة. "المول" أضحى المعبد "لديانة جديدة تدعى التسوّق" (16). توخز إبر البوتوكس الوجوه، تلك الصفائح الحديدية الرفيعة تغرز في الجلد "لتكبير" أعضاء الجسد لملائمة معايير الجمال الحديثة مهما جاء الألم كبيراً. صالة الرياضة أو "الجيم" باتت أشبه بمختبرات تنفخ فيها العضلات نفخاً يبلغ عتبة التوّرم ولا يطيقه الجسد. ليست الهامبرغر  هامبرغر ما لم تُحشَ بمكوّناتٍ وأصناف تجعلها "كبيرة"، وإلّا تعّد صنفاً من المقبّلات ويحسب الطعام غير الكبير أشبه بمازة. الحروب بالغة الضخامة إلى حدّ تمسُّ الإبادة. الكبر بمعناه الغروتيسكي هو الضخامة المبالغ فيها، والفائض القبيح. 

النداء: "صرخة" إدفارد مونك والدوار المصاحب لها

  • عوامل متشابكة أفضت إلى استيقاظ فرانكشتاين الاقتصادي الذي تقول سوزان جورج إنه وحشٌ من صناعة البشر
    عوامل متشابكة أفضت إلى استيقاظ فرانكشتاين الاقتصادي الذي تقول سوزان جورج إنه وحشٌ من صناعة البشر

يرخي هذا "الكبر" بظلاله علينا فنسرع بشكلٍ محموم إلى التماهي معه، أو اللحاق به، وإلّا فلن يبقَ لنا أثر. إذا كان بارتلبي النسّاخ يشهر دائماً موقفه النافي من خلال عبارته الشهيرة "أفضّل ألّا"، فإنّ الإنسان المعاصر في حال لم ينشد "الكبير" الغروتيسكي، ويتطلّع إلى التمثّل فيه أي تجسيده، فسيجد نفسه مهدّداً بالفناء، بالنفي، وكأنه يقف على ناصية صيغة أمرٍ هي: "وإلّا"، لا مهرب أو فكاك منها.

كلّ الإشارات الخافتة، والعلامات المرئية والصور والمشاهد السينمائية منها والدعائية، وحتى الخطابات المباشرة واعظة كانت أم تداولية، تهمس له في أذنيه: "كنْ كبيراً وإلّا". لا مجال للإنسان المعاصر أنّ يقول "إلّا". ليست "وإلا" تهديداً قاتلاً كمن يتمّ ترهيبه وسوقه إلى لحظة إعدام في حال لم يذعن.

تبدو "وإلا" هسيساً ناعماً بيد أنها تنطوي على وعيد عنيف في أن يطرد المرء بالكامل من العالم وينتظر كولن ويلسون الجديد ليُكتب عنه جزء ثانٍ من كتابه "اللا منتمي". على الإنسان بالتالي أن يجد لنفسه دوراً في هذا المسرح الغروتيسكي أو أن يجلس مع الجمهور؛ المهم أنّ يحجز لنفسه مكاناً. وكما قالت سوزان جورج، كون النيوليبرالية تخلق مصائر البشر، أي تشكّلهم، فما نظنه اليوم مؤسسات محايدة وبريئة ليست في واقع الحال سوى مصانع أيديولوجية تساهم في توليد الهومو اقتصادي، أي الكائن الاقتصادي، بتعبير فوكو. 

طوّر الفيلسوف البنيوي الماركسي، لويس ألتوسير، نظرية الهيمنة التي نظّر لها من قبله أنطونيو غرامشي، وقد أضاف مفهوم "النداء" أو "الاستدعاء" أو "الاستجواب" (17). باختصار شديد تبتغي هذه النظرية القول بأنّ هناك "أجهزة أيديولوجية للدولة" مثل المدرسة والسجن والكنيسة وإلخ وهذه الأجهزة تنتج ذواتاً، تشكّل الأفراد وتعيد إنتاجهم ليصبحوا ذواتاً فاعلة خاضعة لها بوصفها ذاتاً عليا.

وعليه، ليس الإنسان سوى هذه الذات التي تنتجها الأيديولوجيا - وهي "إدراك مشوّه للعلاقات الاجتماعية" (18) - ويصبح بالتالي منحازاً إلى "نظام من التمثيلات"، ولا يعود إلّا جزءاً متخيّلاً مرتبطاً بـ"الاجتماعي" بما هو بديل عن العلاقات الاجتماعية.

من هذا المنطلق، يتحدّث ألتوسير عن مفهوم "النداء": أنتَ لا تعرف نفسك إلّا عبر الاستدعاء الذي "تنطق" به الذات الأعلى؛ أي الأيديولوجيا. إنّ الذات خاضعة إلى هيمنة هذا النداء ولا تجد وتدرك نفسها إلّا بخضوعها لهذا "المتخيّل" (الأيديولوجي). وعلى خطى ألتوسير الذي أعلى من شأن الممارسة على النظرية، ولأنّ الأيديولوجيا تبرز في البعد المادي وليس في عالم الأفكار، بوسعنا اعتبار أنّ صالات الرياضة وعيادات التجميل، ومراكز التسوّق وكلّ ما يحيط بنا لهي فم فرانكشتاين الذي ينده لنا حتى ندخل الى مسرح الغروتيسك و"إلا". 

لم تعد الضخامة المبالغ فيها والإفراط القبيح مظاهر غريبةٍ أو مثيرة للريبة، بل إنّ ما ظنناه مريعاً بشكلٍ عجائبيّ غدا أفعالاً تمارس وتصنّف بأنها موضة سائدة، تساهم في خلق الأرباح وحجز مكانة، أي شهرة في هذا العالم. 

"فائض" الالتهام: الطعام كاقتصاد جديد   

  • "بوكي" من أبرز مشاهير محتوى الـ"شيبو"

تسود على وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيّما على موقعي "إنستغرام" و"يوتيوب"، مقاطع فيديوهات حصدت الملايين من الإعجاب والمتابعة، لفتاة صينية اسمها "بوكي" (19)، وهي من أبرز مشاهير محتوى الـ"شيبو".

لهذا المصطلح الصينيّ "شيبو"، مرادفٌ ذائع في ثقافة الإنترنت وهو ذو أصل كوري (20) لكنه استقرّ في معجم الإنجليزية، وهو "ماكبانغ" الذي يعني "فيديو بثّ مباشر حيث يرى المشاهدون الضيف يأكل كميات هائلة من الطعام"، وهي ظاهرة معاصرة تتفشّى اليوم كجائحة، بل إنّ العديد من "نجومها" قد لقوا حتفهم (21) نتيجة ابتلاع كميات مهولة من الطعام.

انضمّت "بوكي" إلى هذا السيرك المعروف بـ"شيبو"؛ الفتاة التي لا تتجاوز الثلاثين عاماً كما يحيل وجهها، ولا تعتريها عوارض السمنة كما نرى، قادرة على التهام طبق هائل من القريدس في 8 دقائق. شراهة "بوكي" المصوَّرة مرئيّة وظاهرة للعيان. شره هائلٌ إلى حدّ يتجاوز ضخامة كميات الطعام المكدّسة أمامها. في فيديوهاتها، نسمَع بشكل فاضح أصوات العلِك والمضغ بقدر ما نراها تقضُم بنهمٍ قطعاً كبيرة وتزدرد لقماً ضخمة. "بوكي" تعبّ الطعام عبّاً. سلوكها الذي تغلفه بقشرة من اللياقة و"الإيتيكيت" كارتدائها قفازات مصنوعة من الجلد حتى لا تتسخ يداها واستعانتها ببانسة لتكسير حسَك القريدس، لا ينزع "الغروتيكسية" عن المشهد ولا يهذّبه، الحال أنّ الجلِد والآلات الحادّة تزيده رعباً. 

على بعد قاراتٍ من سكن "بوكي"، نعثر على شخصٍ غير منخرط في الـ"ماكبانغ" أو الــ "شيبو"، غير أنّ شهيته للطعام لا تخبو، بل إنّ رغبة الأكل عنده متوثّبة. اسمه "دكتور فوود". يكاد  الأخير أن يكون تجسيداً مطابقاً لوصف باختين (22) لأعمال رابليه التخيّليّة "غارغونتوا" و"بانتاغرويل".

إسراف باختين في وصف الفم المفتوح شديد الاتساع واللسان المتدلّي والكرش المنفوخ، ينطبق على "دكتور فوود". ممارسة الأكل عند الأخير تتبدّى كفعل همجي (23). لا يحمي "دكتور فوود" يديه بقفازات، ولا ينصاع "للإيتيكيت" حتى ولو كانت "الإيتيكيت" تصنّف "بديهية" كالشوكة والسكين. يداه أداته الوحيدة لتقشير الطعام أو "فصفصته"، وبوسع المشاهد اليقظ والنبيه استشفاف أنّ لذة فائقة يحصل عليها "الدكتور" حين يتحسّس اللحمة بلحمه، أي لحظة احتكاك الآكل مع المأكول. تتفتّق السندويش تحت يديه مع كلّ قضمةٍ وتسيل الصلصة بنعومةٍ مريبة على ذقنه، في مشهدٍ يتأرجح بين لذةٍ لا يني يعبّر عنها واشمئزاز يزرع فينا.

هذا "الحفر" في اللحم، والانغماس الغرائزي فيه، وما يصاحبه من نهشٍ مستعر ومضغٍ بفمٍ مفتوح حيث تتدلى من الشفاه بقايا الأكل، لهو عادة متكررة عند "الدكتور". تكشف ظاهرة "دكتور فوود" عن طقسٍ كرنافاليّ منفلت، عن ابتذال غروتيسكي؛ هنا يتفوّق "الدكتور" على "بوكي" في الابتذال والضخامة ولو خسر أمامها في الـ"ماكبانغ" في حال تنافسا.

ولعلها خسارة الابتذال والضخامة أمام الفائض. لكن في نهاية النهار، يبقى "دكتور فوود" مثل "بوكي"، ولو أنه أكثر انتفاخاً بحيث أنّ عوارض السمنة بادية عليه، و"بوكي" بدورها مثل أصدقائها في نادي "شيبو" و"ماكبانغ" إنهم جميعاً يجنون الأرباح، ويحصدون مكانة في العالم بفضل هذه الغروتسكية.

ذلك أن النيوليبرالية أتاحت للإنسان الفرصة في أن يكون "مرؤوس نفسِه". الإنسان هو "مشروع استثمار" ذاته، كما قال فوكو، أو كما نوّه بيونغ تشول هان إنّ "ذات الإنجاز هي سيدة نفسها وأميرتها، إنها لا تخضع لأحد بل تخضع لنفسها فحسب" (24). في هذا "العالم الكابوسي" هناك من آثر أنّ يفلت بالكامل من عقاله ولو انتهى به الأمر مسخاً، أو فرانكشتايناً، شبيهاً بذاك الوحش الذي يشكّلنا.

المراجع

1 - سوزان جورج، "ما هي النيوليبرالية؟"، مجلة بدايات. 

2 - تامر وجيه، "ماذا تعني النيوليبرالية؟"، مجلة صفر.

3 - عنونت الكاتبة البريطانية، سارة باكويل، فصلاً في كتابها "على مقهى الوجودية: الحرية، الوجود وكوكتيلات المشمش" (ترجمة حسام نايل، دار تنوير) "عيون الأقل حظاً"، وقصدت فيه المستعمَرين، والمستغلّين الذين وقف معهم جان بول سارتر وحمل قضاياهم في فلسفته.

4 - عنى مصطلح "الداروينية الاجتماعية" الارتقاء الطبقي في ظلّ المنافسة التي تفرضها النيوليبرالية التي لا تؤمن بالمساواة، وأنّ البقاء يصلح للأقوى.   

5 - دايفيد هارفي منظّر اجتماعي وجغرافي ماركسي، انتقد النيوليبرالية بشدّة. يسمّي ذلك في كتابه "brief history of neoliberalism": "إعادة تثبيت سلطة الطبقة الرأسمالية"، ويشير إلى هذا الانتقال في الرأس المالي عبر ما أسماه "التراكم عبر الاستيلاء" أو "accumulation by dispossession". 

6 - دايفيد هارفي في "brief history of neoliberalism" حيث يكتب: "لا تكتفي النيوليبرالية بإعادة تشكيل الاقتصاد، بل تعيد تشكيل الذوات نفسها. إنها تطلب فرداً ضخماً من الخارج: مفرط الكفاءة، مهووساً بالإنجاز، مستثمراً لذاته بلا توقّف. لكنّ هذه الضخامة الظاهرية تخفي هشاشة بنيوية. فالذات النيوليبرالية، رغم مظهرها المتخم بالقوة، تعيش على تخوم الانهيار: إنها ذات غروتيسكية لأنّ تضخّمها الخارجي يخفي فراغاً داخلياً يزداد اتساعاً".

7 - بيونغ تشول هان، "مجتمع الاحتراق النفسي"، دار معنى، ترجمة مصطفى بدر الدين.  

8- يحكي وثائقي "Trump: American Dream" المعروض على منصة "نتفليكس"، كيف ساهم دونالد ترامب في تحويل مانهاتن من مدينةٍ تضمّ بناياتٍ وفنادق صغيرة إلى مدينة تحوي على عمارة شاهقة ومشاريع ضخمة ما أفرغها من طابعها الثقافي الذي عرفت فيه.

9 - محاضرات فوكو عام 1979، "Birth of Biopolitics\ Lectures 1979".

10 - تنتقد سوزان جورج في مقالتها "ما هي النيوليبرالية؟" أيديولوجيا "الداروينية الاجتماعية". جورج تصرّ أنّ النيوليبرالية من اختراع البشر وليست مساراً تاريخياً واقتصادياً حتمياً. 

11 - هانتر طومسون صحفي وروائي أميركي، هو عرّاب "الغونزو"، وهو أسلوب كتابي يجمع بين الواقعي والخيالي، ويعتمد كاتبه على الحواس، والمراقبة العينية للأحداث، مع إضفاء مبالغة عليها وتضخيم. كتابه "الخوف والقرف في لاس فيغاس" صدر عن دار محروسة المصرية، ترجمة عمار حسن.

12 - ظهر مصطلح الغروتيسك في أوروبا في أواخر القرن الــ 15 بعد اكتشاف نقوش وزخارف في كهوف وسراديب رومانية. يدعى Grotte ومن هنا جاءت التسمية. انطلق الغروتيسك كمدرسة فنية تعنى بالزخرفة ورسم الغرابة والمبالغة ككسر للنظم الإغريقية الجمالية، وتطوّر في عصر النهضة حيث صار مساحة للتجريب والمزج بين الجليل والمبتذل. ثم دخل الغروتيسك في القرن الــ 18 إلى الأدب، وكانت وظيفته إبراز المواقف غير المتوقّعة والضحك الذي يلامس الرعب. ثم في القرن الــ 19، حيث أخذ بعداً آخر، وصار ملتصقاً بأجواء كارنافالية وعنصراً يدل على المرعب والمضحك في آنٍ. في ذلك القرن أخذ هذا المصطلح وجهتي نظر: الأولى رأت فيه تمثيلاً للإنسان الممزق، فيما رأت الثانية فيه ضرورة جمالية مثل الرومانسيين. وفي القرن العشرين وخصوصاً مع كافكا غدا الغروتيسك آلية لكشف للامعقول والعبث، في ما بعد صار الغروتيسك صفة دالة على ظواهر نافرة أو هجينة، وأيضاً على الظواهر التي تحوي فائضاً ومبالغة، وعلى الظواهر المضحكة أو المرعبة كذلك، أو المضحكة والمرعبة بشكلٍ مبالغ فيه في آنٍ.

13 - فيكتور هوغو الرومانسيّ، قوله: "الغروتيسك هو القبح الضروري لخلق الجمال".

14- سينتيا فلوري، فيلسوفة وعالمة نفس فرنسية، تقوم فلسفتها على الأخلاق والفرد والمجتمع. جملتها "الغروتيسك يولد الغروتيسك" وردت في مقابلة على "France culture" في برنامج "matins des cultures".

15 - أكثر من 6500 عامل أصلهم من بنغلاديش والهند وباكستان وسريلانكا لقوا حتفهم إما بسبب ظروف العمل القاهرة أو لأنهم قرّروا الانتحار.

16 - Slavoj zizek, The religion of shopping, Philosopheasy

17 - النداء أو Interpellation وهو مفهوم نظري صاغه الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير.

18 - من مقال "ملحوظة منهجية عن استخدام النده عند ألتوسير ضمن مقاربة تحليل الخطاب"، عمرو خيري. 

19 - حسابها موثّق على يوتيوب: eatwithboki. https://www.youtube.com/@EatwithBoki

20 - https://en.wikipedia.org/wiki/Mukbang

21 - أفادت بعض الأخبار أنّ الصين تفكّر في منع هذا النوع من النشاط غير أنّ هذا لم يحدث.

22 - ميخائيل باختين، فيلسوف ولغوي روسي. اشتغل على نصوص الأديب الفرنسي فرانسوا رابليه، وخلص بعد تحليله لقصتين له هما "غارغونتوا" و"بانتاغرويل" في كتابه "أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في عصر الوسيط وإبان عصر النهضة"، تمظهراً غروتيسكياً للكائن البشري. 

23 - "همجية النهش، هل قلت الدكتور فوود؟"، جريدة الأخبار، بول مخلوف.

24 -  "مجتمع الاحتراق النفسي"، دار معنى، ترجمة مصطفى بدر الدين.

اخترنا لك