رسائل الفرّ... كتابة جديدة لألم أهل غزة وصبرهم!

من الممكن قراءة كتاب "رسائل الفر" بوصفه كتاباً يحقّب لحرب مجنونة باطشة شملت قطاع غزة، فطاولت كل ما هو إنساني ونبيل، مثلما يحقب لصمود أسطوري للمجتمع الغزي الذي رفض كل المغريات لمغادرة غزة.

  • رسائل الفرّ... كتابة جديدة لألم أهل غزة وصبرهم!
    رسائل الفرّ... كتابة جديدة لألم أهل غزة وصبرهم!

منذ أن مرّت الشهور الداميات المدمرات الأولى للحرب الإسرائيلية الباطشة على قطاع غزة في عام 2023، قلتُ: هذه مجزرة تحدث أمام بصر العالم كله؛ مجزرة أخذ الإسرائيلي تفويضاً بارتكابها من القوة العالمية في الغرب، وإن كل مكان في قطاع غزة سيكتب مدونته عما حدث، سيكتب عن الأطفال والنساء والشيوخ الذين سُفكت دماؤهم، وعن البيوت، ودور العبادة، والمدارس، والمشافي، والحقول، والطرق، والمؤسسات، والجامعات، والمكتبات، وأمكنة غزة القديمة وعمرها آلاف السنوات التي دُمّرت، وعن الإبادة الجماعية لأسرٍ بكاملها، وأحياء بكاملها، ومناطق بكاملها أيضاً.

وقد صادقت الأيام على قولي؛ لأن أبناء غزة - كُتّاباً وغير كُتّاب، نساءً ورجالاً، ومن أجيال مختلفة- هبّوا ليكتبوا عن الإبادة الجماعية التي حدثت في غزة، في الوقت الذي يتباهى فيه الغرب بإنجازاته على صعيد حقوق الإنسان، وكرامة الإنسان، وسيادة البلدان، ويتباهى غيرهم بالسكوت المشين المذل الذي هو أقرب ما يكون لخذلان الناس، والحطّ من القيم النبيلة المركوزة إلى الحرية، والديمقراطية، والعيش بكرامة.

إنه سكوت فظيع شنيع على تغول القوة، وفائض القوة الإسرائيلية التي تغذيها مصانع الأسلحة الغربية؛ بل ما تحتاج إليه لتكون إبادة غزة كاملة في كل وجوهها وصورها البشعة. فلا قتل الأطفال في مدارسهم، ولا الجرحى في مشافيهم، ولا الكهنة ورجال الدين في دور عبادتهم، ولا اغتصاب النساء جهاراً نهاراً، ولا تهجير الناس من شمال غزة إلى جنوبها، ومن غربها إلى شرقها، ولا تخريب الحقول، والمصانع، والمؤسسات، ولا سوق الناس العُزّل جماعاتٍ جماعات إلى السجون والمعتقلات الإسرائيلية... أثار مشاعر أرباب الحرب في الغرب، ولا أثار مشاعر منفذي هذه الحرب طوال سنواتها المديدة!

بل على العكس تماماً، راح الإسرائيلي يتباهى بما تفعله قوته الباطشة حين تهدم مسجداً، أو كنيسة، أو مدرسة، أو جامعة، أو مشفى، أو مخبزاً، أو بئر ماء، وتهدي التدمير صوراً لعشيقات الجنود اللواتي يسألن عشاقهن عن عدد من قتلوهم من أبناء غزة، وتورّث هذه القوة الباطشة الوحشية هدايا لأبناء الجنود في أعياد ميلادهم.

أقول هذا، وبين يدي كتاب لا أدري ما هو رقم إصداره؛ لأن الكتب التي صدرت وتحدثت عن غزة اقتربت من ألف كتاب عداً وتوثيقاً. هذا الكتاب عنوانه "رسائل الفر" وهو صادر للكاتب حسام أبو النصر عن دار الرعاة/رام الله، وفيه كتابة تدير ظهرها للتجنيس الأدبي كقصة أو رواية أو شعر، فهو وبحق كتاب مجنون؛ لأن الكتابة عن الإبادة الجماعية في غزة تحتاج إلى الجنون فعلاً.

ينصب الحديث في الكتاب على غزة؛ بشراً ومكاناً وأفعالاً ونتائج للحرب المدمرة الدامية التي شنتها آلة الحرب الإسرائيلية الجهنمية على كل شيء في غزة، نعم على كل شيء، حتى على البحر وإن لم يكن فيه بشر أو قوارب، وعلى التراب وإن لم يكن فوقه بيوت أو حقول، وعلى أجمات الشوك، والصخور، والتلال، وأكياس البلاستيك المتطايرة في الهواء، وأوراق الشجر التي يبست فتطايرت؛ لأن الخوف الإسرائيلي أصبح طبقات جيولوجية من أيام (شمشون ودليلة)، وإلى أن تنقطع أنفاس العربدة الإسرائيلية التي يغذيها الغرب سنة بعد سنة؛ لتبقى الحال في المنطقة العربية مشغولة بنتائج الحروب الإسرائيلية، وليس بنتائج أي شيء يؤيد حرية الشعوب، وكرامة الناس، وصون القيم النبيلة، وتجليات العمران.

حسام أبو النصر كاتب هذا الكتاب "رسائل الفر" هو من مواليد غزة 1979، وهو أب لأبناء شتتهم يد الحرب الباطشة بين مناطق عدة؛ ابنته الكبيرة تعيش في غزة، ابنه فقيد، أخوه فقيد، أهل عائلته الكبيرة استُشهدوا في مجزرة بشعة حين دمرت الطائرات الإسرائيلية بناية تسكنها عائلة أبو النصر، فاستُشهد سكان البناية كلهم، وعديدهم يقارب (300) نسمة، فأصبحت البناية مقبرة خاصة بعائلة أبو النصر؛ لأن ما من أحد استطاع إنقاذ فرد من أفراد هذه العائلة.

وحسام أبو النصر خريج جامعات عدة؛ فقد درس في الجزائر، وعاش في القاهرة ودرس هناك، وعاش في رام الله ودرس في جامعة بيرزيت، وهو عاشق للتاريخ، وله كتب في التاريخ، ويمثّل المؤرخين الفلسطينيين في مؤتمر المؤرخين العرب والأجانب، ويكتب الأدب، فهو خريطة تشبه خريطة البلاد الفلسطينية العزيزة.

كتابه الجديد "رسائل الفر" كتابة تحاول التعبير عما حدث في بيوت غزة، ومدارسها، وحقولها، ومشافيها عبر السرد الأدبي، ومن خلال نصوص هي: قصص، ونصوص، وخواطر، وحالات استذكار، وكتابة تاريخية، واستعادة لما خزنته الذاكرة حين نعمت غزة بفترات هدوء، فأقامت خلالها الجامعات، والمصانع، والمؤسسات، والمشافي، والمنشآت السياحية التي تليق ببحر غزة، ورَمّمت الأبنية الأثرية والمتاحف في البلدة القديمة، وشقّت الطرق، واستصلحت الأراضي، وحفرت الآبار، فبدت الحقول، وأَنْسَنَت الطرق حين جعلت المحال التجارية تماشيها كما لو أنها ضفافها.

حسام أبو النصر يكتب قصصاً عن أرواح الأطفال والنساء والشيوخ التي زُهقت بالقنابل الإسرائيلية، وعن كل وجوه العمران التي دُمّرت في غزة، وعن الأسرى الفلسطينيين الذين اقتيدوا جماعاتٍ جماعات إلى السجون والمعتقلات الإسرائيلية في مشاهد من العري الذي يبدي الصلف الإسرائيلي، والحقد الذي تقذفه الطائرات والبنادق والرشاشات، والكلام الرجيم الذي يقوله الإعلام الإسرائيلي، والمناشير التي تسقطها الطائرات الإسرائيلية يومياً، وفيها يصفون أهل غزة بـ "الحيوانات البشرية".

ويكتب حسام عن قصص الناس وجولانهم في الأمكنة وهم يبحثون عن الخبز، والأدوية، والخيام، والمفقودين، والجرحى، وعن الثياب، وعن المياه، والحطب! وهنا يتلبّث حسام أبو النصر ليحدثنا عن حطب غزة، في أثناء الحرب المجنونة التي يشنها الإسرائيليون على كل ما يتحرك في غزة، وعلى كل من سكن غزة، وعلى كل ما هو موجود في غزة، يقول حسام أبو النصر عن الحطب الغزاوي بأنه ما عاد أغصان أشجار، ولا قرامي جذوع الزيتون والبرتقال والخروب! بل بات حطب غزة هو الكتب! قصص وروايات جبرا إبراهيم جبرا، ودواوين محمود درويش، وكتب التاريخ لـ عارف العارف، لقد أنقذت الكتب التي حُرقت أطفال غزة من الموت برداً... بعدما انداحت الأمطار داخل الخيام المرقعة، فبللت الفُرُش الإسفنجية الرقيقة جداً، والبطانيات الرقيقة جداً أيضاً، وصارت الكتب وقيداً للنار في الأفران الطينية الصغيرة من أجل خبز الأرغفة؛ لقد صارت كتب التاريخ والجغرافيا وعلم النفس والتربية، والفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة والطب والمعلوماتية وفنون الأدب جميعها حرائق صغيرة لتبث الدفء في أجساد الأمهات الحوامل، وأجساد الشيوخ المرضى.

ويكتب حسام أبو النصر في كتابه "رسائل الفر" عن ثنائية ما كانت وما صارت إليه الأمور بعد أن خربت الحرب الإسرائيلية حياة أهل غزة خراباً يشبه خراب الدورة الدموية لأي جسد، فيتحدث عن حي الرمال وعمرانه الجميل، وعن وجوه الحضارة والحداثة التي بنت المؤسسات، ومراكز البحوث، وترميم الأمكنة القديمة وصيانتها؛ فهي تؤرخ لعطاء آلاف من السنين قدّمها أهل غزة منذ أن كان ميناء (البلاخية) الغزاوي أشهر ميناء على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، ومنذ أن كانت العمارات والقصور والأبنية كتباً ومدونات تتحدث عن براعة المهندسين الغزاويين قبل ألف سنة وأزيد، ومنها الأحياء القديمة، والمعابد القديمة (الإسلامية والمسيحية)، والحمامات، ودور الثقافة والعلوم، ودور التكايا والزوايا التي كانت تؤوي أبناء السبيل، فتقدم خدماتها من طعام ولباس ودواء وتعليم مجاناً، ثم يقول لنا حسام أبو النصر ماذا فعلت الحرب الإسرائيلية بهذه الأمكنة التي عدّتها مؤسسات الأمم المتحدة أمكنة للتراث العالمي، لقد دمرتها الحرب الإسرائيلية، وحرقت كل ما فيها حتى حجارتها... حرقتها، والأمثلة التي يسوقها حسام أبو النصر كثيرة، ومنها: أسواق غزة القديمة، ودور العبادة فيها، ومنها المسجد العمري، وكنيسة "برفيلايوس" مثالاً، وقصر الباشا، ودور أعيان غزة وأهل الجاه والتجارة فيها.

نعم، أحسب أن حسام أبو النصر -وهو ابن غزة- كان يكتب كتابه هذا وهو في حالة جنون، يكتب وهو يبكي؛ لأن استعادة ما تعرضت له الابنة مؤلم وموجع، وحالة فقد الابن، واستشهاد الأخ والصديق والجار والأقرباء هي أكثر من مجزرة استذكار، والحديث عن دمار شاطئ غزة وتخريبه بعد أن كان لوحة للعمران والحضارة والمدنية، وما عرفه من مؤسسات ومشاريع اقتصادية واجتماعية وثقافية مثل تحلية مياه البحر، وبناء المنشآت السياحية، والجامعية، والأبراج السكنية في "تل الهوى" وغيرها... هو حديث يخالطه الحزن والبكاء والتفجع؛ لأن الغياب فاجعة، والقتل فاجعة، وتدمير كل شيء فاجعة، وفقد كل ما يمت إلى الأمن والطمأنينة فاجعة، وإدامة الخوف فاجعة.

كتاب حسام أبو النصر "رسائل الفر" يعصف بالتجنيس الأدبي ولا يركن إليه؛ لأن ما حدث في غزة من عربدة القوة المجنونة، والسكوت عليها، والأرقام المذهلة للشهداء، والجرحى، والمفقودين، والأسرى، ودمار أكثر من %80 من عمران غزة... يحتاج حقاً إلى هذا الجنون الأدبي الذي يؤرخ لأحداث غزة، وإلى هذا العزوف عن ترف الكتابة ومتطلباتها؛ لأن الوقت دم، والبيوت دم، والشوارع دم، والمدارس دم، والحقول دم، والدروب دم، والدواء دم، والخبز دم، والكلام دم... إنها كتابة الروح المكلومة، والأصابع الراجفة، والعقل الذي ما عاد يستوعب ما جرى، والعيون التي لا تصدق ما ترى؛ لأن الظلم بات أنهاراً جاريات من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، ومن مقبرة إلى مقبرة، ولأن الجهر بالمواجع ما عاد خصيصة إنسانية لهذا المكان أو ذاك؛ لأن الحجر، والشجر، والتراب، والشوك، والهواء... جميعها جهرت بالأفعال الناقصة للهمجية الإسرائيلية وتوحشها، مثلما جهرت بضرورة فضح السكوت العالمي على ما جرى في غزة طوال (1000) يوم، ولا سيما في بلاد الغرب، والقول بأن مقاومة أهل غزة وصبرهم وشجاعتهم هي حياة جديدة، وروح جديدة تقولان: لا للقوة، ولا للتوحش، ولا للهمجية، ولا للسكوت على الظلموت الإسرائيلي الجلي منذ أن أقام الغرب هذه الكيانية الصهيونية في البلاد الفلسطينية العزيزة كي تقوم بأدوار البلطجة، والإخافة، والتهديد، والقتل، والخراب، وتؤكد أن لا شر في هذه البلاد والمنطقة منذ عام 1948 وحتى اليوم إلا شر اسمه الشر الإسرائيلي القائم على ثقافة القوة، وثقافة الموت، وثقافة الاستكبار التي باتت عقيدة صهيونية يتبناها الإسرائيليون!

أجل، من الممكن قراءة كتاب حسام أبو النصر "رسائل الفر" بوصفه كتاباً يحقّب لحرب مجنونة باطشة شملت قطاع غزة، فطاولت كل ما هو إنساني ونبيل، مثلما يحقب لصمود أسطوري للمجتمع الغزي الذي رفض كل المغريات لمغادرة غزة؛ لأن غزة هي البلاد، وهي الوطن، وهي الكرامة!

اخترنا لك