حب "decaf" بلا ألم وانكسارات: كيف أعادت الرأسمالية المتأخرة تشكيل عواطفنا؟

في عيده.. لماذا جعلوا الحب بلا أذى وألم مثل قهوة منزوعة الكافيين؟ ولماذا باتت الروابط العاطفية خفيفة إلى درجة أنّها لا تترك أثراً عند انقطاعها؟

على مقربة من متجر ثيابٍ تتزيّن واجهته الزجاجية بقلبٍ أحمر، وأسفله جملة "خصم 50%... فالنتاين!"، جلست فتاتان عند ناصية الطريق، تهزّ إحداهما رأسها على إيقاع الأغنية المنبعثة من هاتفها، فيما تردّد الأخرى كلماتها وتغنّي: "عندما أبتعد عنك/أصبِح أسَعد من أيّ وقتٍ مضى/ ليت بإمكاني شرح ذلك على نحوٍ أفضل/ وليت الأمر لم يكن... حقيقة مؤلمة" (1). 

كانت الفتاتان منغمستين في أغنية "Happier than ever" لبيلي آيليش (2)؛ فنانة البوب الأميركية، التي تسيطر إلى جانب دوا ليبا وتايلور سويفت (3) على المشهد الغنائي المعاصر. 

لقد اقترب عيد العشّاق؛ المتاجر، كما في كلّ سنةٍ، تعرض القلوب على واجهتها من افتراض أنّ الحب تجربة قابلة للبيع، فتستدعي، كالعادة، لغته للتسويق لمنتجاتها، في محاولة حثيثة لاستدراج الحبيب، بشتى وسائل الإغراء، لشراء هدية لمحبوبه. لكنّ الفتاتين الجالستين على الحافة، بدتا خارج مناخ فالنتاين، أو على الهامش منه، اكتفتا بغناء أغنية تهجو الوصال وتمدح الانفصال. 

صحيح أنّ هذا المشهد يشي بتناقض دلالي لافت: بهرجةٌ واضحةٌ في حركة الدخول والخروج إلى المتجر بهدف التسوّق للحب، في مقابل جثوم وقعود لفتاتين تؤدّيان غناءً جنائزياً للحبّ ونعياً له، غير أنّ هذا التناقض الظاهري لا يحمل بعداً اعتراضياً صريحاً على "تشيّيء الحبّ" حيث "المشاعر أصبحت قابلة للإدارة والضبط والتفاوض" (4) كما هو عليه الحال في حاضرنا النيوليبرالي.

لا يمكن قراءة موقف الفتاتين المتفاعلتين مع أغنية بيلي آيليتش بوصفه اعتراضاً على تسليع الحُب، أو بالأحرى على شرائه من المتجر بخصم 50%؛ فموقفهما ليس نافياً للمآل العدميّ للحبّ الذي أفضت إليه الرأسمالية، إنه موقفٌ عدميّ من الحُبّ نفسه.  

تُفصح أغاني بيلي آيليتش ودوا ليبا المهيمنة على قوائم الأغاني الأكثر استماعاً عن ملامح حبٍّ معاصر آخذ في التشكّل. من نافلة القول إنّ أغاني البوب ابنة مدلّلة لسلالة "الفنّ للفنّ" ولو تبجّح القيّمون عليها بذلك، وادّعوا براءتها وزعموا متعتها الخالصة. الحال، أنها تتجاوز كونها مجرّد آلية بوح بالمشاعر وسرد لقصص العشّاق، لتنهض في وظيفتها الأعمق، بنمذجة للعاطفة (5) وإعادة ترتيبٍ لها داخل السياقات الحميمية. فالفنّ، ومن ضمنه الموسيقى، كما نعلم "لا تكتفي بالتعبير عن العواطف، بل تُساهم أيضاً في تشكيلها" (6)، هي خطابٌ ثقافيّ، تكشِف بقدر ما تشكّلاً، فـ"أغاني الحبّ تعطي تجربة الحبّ شكلها" (7).  

وحين كانت أغنية البوب العصريّة، بحدّ ذاتها، ممارسة استهلاكية مذعنة لمنطق السوق، فليس مناص من أن تخضع تجربة الحبّ نفسها "لتشكّلٍ تمليه الممارسات الاستهلاكية، ومنطق السوق" (8). 

  • دوا ليبا
    دوا ليبا

هكذا، بات الحبّ ظاهرة عدميّة، يصبو إلى سلعةٍ تنتقى من الرفوف، ومحكومة بتاريخ صلاحية محدّد، وقابلة للاستبدال السريع عند أول خيبة. والحبيب تحوّل إلى مستهلكٍ من خصاله سرعة التذمّر، وهشاشة الالتزام، وكأنّ سمة الحُبّ بذاته هي  العطب، على نقيض صارخ مع ما كتبه رينيه شار ذات مرة: "نحن سريعو العطب لأننا مخلصون بإفراط".

تصوّر أغاني بيلي آيليتش، ودوا ليبا، الحبّ المعاصر بوصفه تجربةً منزوعة الرهبة، خفيفة الحمل، وقابلة للانسحاب السريع، حتى حين تزعم أنها تهجوه أو تتمرّد عليه. لا يظهر الحبّ في هذه الأغاني كسقوط أعمى في شرك الآخر بل كحالة مؤقّتة تدار بوعيٍ عالٍ فيما التجربة تنتهي بقرارٍ عقلانيّ محسوب. لا تفصح دوا ليبا مثلاً، في أغنيتها "أقصيتك من حياتي"(I cut you off) ، عن صرخة ألمٍ بل هي تعلن عن سيادة ذاتها. الإقصاء هنا يعني انسحاباً نظيفاً، فالمغنية تجاهر بقدرتها على إنهاء الأشياء لأنها، كما تزعم، أقوى من الحُبّ نفسه. 

يُعرَّف الحبّ في هذا الخطاب، وما يفرز عنه من ألمٍ وكربٍ ووجوم، كخللٍ ينبغي تفاديه. في "مجتمع الإنجاز" الذي تكلّم عنه بيونغ تشول هان، فـ"الأهواء الحزينة" بتعبير سبينوزا، مثل الحزن والانفعال وما شابههما هي ما ينبغي ألّا يكون. فالحُبّ ينطوي على "الأهواء الحزينة" بجوهره، غير أنه بات اليوم، يتعرّض إلى ضبطٍ ذاتيّ صارم، بل إلى قمعٍ صريح، إذ يطلب من الذات أن تكون محصّنة من كلّ ما يعرّضها للأذى. 

هكذا، يأتي التعاطي مع الفقد في الخطاب الغنائيّ بوصفه تحرّراً، ويبدو الهجاء المزعوم للحبّ هجاءً لصورته لا لجوهره؛ فهذه أغانيّ حبٍّ عدميّ لا يعرف التورّط، ولا يعترف بها، بل يعرف الانسحاب الأنيق والسيطرة. تحوّل الحبّ إذاً إلى علاقةٍ ملساء، تُحفظ في "الجيب العُلويّ"، وصاحبه بعيد بما يكفي ليتجنّب الجرح، على أنه يزعم أنّ في بعده هذا، قربٌ من نفسه واقترابٌ منها. 

تقدّم الصحافية في مجلة "جاكوبين" (9) تيارا غمورا مطالعة نقدية عن العلاقات العاطفية التي بزغت في طور الرأسمالية المتأخّرة، وكيف تحوّل الحُبّ إلى حادثة باهتة تطلبه أونلاين كشيء يشبه "الديليفري". يكمن الحبّ العدميّ في أكثر المناطق قحطاً. تقدّم تطبيقات المواعدة ووسائل التواصل الاجتماعي كاتالوغاً جاهزاً لاختيار الحبيب صاحب المواصفات المُثلى كما يتخيّلها الراغب في الحبّ. القوائم طويلة والموجودون (المعروضون) كثر، وعليه، إن لم ينجح الحبّ مع هذا "البروفايل" فهناك دائماً محاولات أخرى وغير محدودة مع آخرين.

على هذا النحو، صار الحبّ أقصر التجارب زمناً وأسهلها تداولاً. فقد غدا سريع الاهتراء والتلفّ، على شاكلة الممارسة الاستهلاكية، مسكوناً بقدرٍ من المنطق، من العقلنة، حيث يبدأ بقرار وينتهي به، وحيث يفتح بخيار ويغلق لحظة خفقان القلب وفقدان السيطرة. 

على النقيض مما قالته سونيا في فيلم "الحبّ والموت" (Love and Death): "أن تُحبّ هو أن تتألّم، ولتجنّب الألم ينبغي ألّا نحبّ، غير أننا عندئذٍ نتألّم لأننا لا نحبّ؛ فالحبّ ألم، وغيابه ألم، والألم هو الألم (...)" (10)، تخبرنا دوا ليبا كيف ينتهي الحبّ بقرارٍ حاسم لحظة شعور صاحبته بأنه بدأ يجلب لها الوخز والألم: "قطعتك من حياتي/ لستُ بحاجةٍ إلى حبّك/ فقد بكيت ما يكفي/ انتهيت، ومضيتُ قدماً/ منذ لحظة الوداع/ قطعتك من حياتي/ لا أحتاج حبّك/ إفعل ما تشاء/ جرّب كما تشاء/ وقتك انتهى" (11).  

لم يعد الحبّ إذاً، مسكوناً بالمخاطرة ولا بجاهزية الخسارة أو الأرق والقلق الملازمين له، بل غدا تجربة فاقدة لرهبتها. حدثاً عابراً منزوع الأذى أشبه بقهوة منزوعة الكافيين: طعمٌ من دون أثر، ومغامرة مدانة سلفاً. 

سلافوي جيجك: حبٌّ بلا رضّة، تماس بلا ارتعاش

  • (إدفارد مونك)
    (إدفارد مونك)

في كتابه "الوجود والعدم"، يتحرّك الفيلسوف الفرنسي، جان بول سارتر، داخل الأفق الذي صاغه في كتابه "الوجودية مذهب إنساني"، حين أعلن أنّ "الإنسان، أولاً وقبل كلّّ شيء، مشروع". 

بالنسبة لسارتر، الإنسان مشروعٌ لأنّ ماهيته مقرونة بتوقه وسعيه المستمر إلى تحقيق نفسه؛ فالإنسان ليس سوى مجموع أفعاله، وهو مسؤول عنها، وملتزم بها، وحرٌ بفعلها. 

لكنّ سارتر يبدو كثير الخشية والقلق في "الوجود والعدم" عندما يتكلّم عن الحبّ كمشروع. يتوق الإنسان إلى الحبّ ويندفع إليه بنظره ليس لأنه "محكوم عليه بالحبّ" وإيجاد "توأم الروح" كما يمكن تبسيط التصوّر الأفلاطوني واختزاله، إنما لأنه "محكوم عليه بالحرية" (12). بيد أنّ الحبّ بنظر سارتر "هو محاولة لتملّك حرية الآخر" (13)، وبما أنّ امتلاك حرية الآخر لا يتحقّق إلّا بإلغائها، يغدو الحبّ بالتالي، مشروعاً محكوماً بالاستحالة. 

يضع سارتر إصبعه على الصدع الكامن في بنية الحبّ: ثمّة رغبتان متعارضتان في الوقت نفسه، أن أكون محبوباً بحريّة لا بدافع الحاجة والإكراه، وفي الوقت نفسه أن أكون مركز عالم من يحبّني وأن أضمن هذا الحبّ، أي أن أسلب الآخر حريته، وأستحوذ على ذاته لصالحي. الحبّ إذاً متناقض بنيوياً. مع ذلك، لا ينفي سارتر الحبّ ولا يقف ضدّه. إذا كان الحبّ مأزوماً فهذا لا يعني التخلّي عنه إنما المحاولة الدائمة والتفاوض والسعي إلى إحلال الوفاق بين الذوات بدلاً من انزلاق العلاقة إلى صراع صفريّ بين الحريات. 

من هذا التوّتر الجدلي المحموم بين الأنا والآخر يتوقّف سلافوي جيجك ليعطي تعريفاً للحب: "أنّ أحبّ يعني أن أتقبّل عيوب المحبوب". البنية المتصدّعة عند سارتر ستكون عموداً فقرياً في عمارة الحُبّ عند السلوفيني الذي لا يني ينتقد الحُبّ في شكله العدميّ المعاصر. الحُبّ هنا ليس صراع حريات كما هو عند سارتر بل صراع ضدّ "المثلنَة" (التصوير المثالي للآخر كما يفرضه العقل - idealization)؛ يعني أنّ الحُبّ نقيض "الأحكام" العقلانية، حيث "الحُبّ هو أن تتقبّل الحبيب رغم كلّ إخفاقاته، وتفاهته، ومكنونات بشاعته (...) الحبّ هو أن ترى الكمال في ثغرات النقص هذه". 

لا يقوم الحبّ على العقل ولا على التبرير ولا على الاختيار العقلاني، إنّما على ما يشبه وثبة إيمانية "إذا سألك الحبيب لماذا تحبّني فهذا سؤال ممتاز لأن لا إجابة عنه (...) الحُبّ، في جوهره، يشبه الإيمان" (15). 

  • لا يقوم الحبّ على العقل ولا على التبرير ولا على الاختيار العقلاني، إنّما على ما يشبه وثبة إيمانية (بانكسي)
    لا يقوم الحبّ على العقل ولا على التبرير ولا على الاختيار العقلاني، إنّما على ما يشبه وثبة إيمانية (بانكسي)

فقد الحُبّ اليوم قدرته على الإيغال في هذه المناطق المتخلخلة. خسر شجاعته. لم يعد الحُبّ مقامرة وجودية تنطوي على المخاطرة بل أصبح قراراً واعياً، يُطلب ويؤخذ استناداً إلى سماتٍ محدّدة سلفاً، وسيرٍ مشروطة على شاكلة السير المهنية التي تعرض على "لينكد إن". 

يقدّم جيجك نقداً مقذعاً لهذا الحُبّ العدميّ الذي يبدو كأنه تعرّض لإخصاءٍ رمزيّ، ففُرغت طاقته وتبدّدت قدرته على أن يكون "فعلاً عنيفاً" (16)، ويقول: "حين تواعد عبر الإنترنت تضطرّ إلى تقديم نفسك هناك على نحو معيّن، مُبرزاً صفاتٍ بعينها، ومركّزاً على الصورة التي تتخيّل أنّ الآخرين ينبغي أن ينظروا إليك من خلالها. لكنني لا أعتقد أنّ الحبّ يعمل بهذه الطريقة، حتى في أبسط مستوياته (...) لا يمكن للمرء أن يقع في حبّ شخصٍ كامل؛ لا بدّ من وجود تفصيلةٍ صغيرة، مُربِكة أو مُقلِقة قليلاً، ومن خلال الانتباه إلى هذه التفصيلة بالذات تقول: رغم هذا النقص، أحبّه… أو أحبّها" (17). 

اضمحلّ الطابع التخريبيّ للحبّ في زمن الرأسمالية المتأخّرة، وتلاشت قدرته على زعزعة النظام الرمزي عند الفرد. لقد كان الحبّ، بوصفه حدثاً يقتحم الحياة، ويُربك الذات ويُعرّي نقصها، فعلاً يقوّض الاستقرار ويزعزع المعنى. غير أنّه تحوّل اليوم كما ينوّه جيجك، إلى علاقة مدارة عقلانياً، تُنظَّم وفق منطق الاختيار الأمثل، والكفاءة العاطفية.

الحبّ الذي كان فعلاً غير عقلاني، عنيفاً رمزياً، ويقوّض منطق السوق بدلاً من أن ينسجم معه، بات استثماراً، فإذ بالحبيب يريد أقصى درجات الإشباعٍ بأدنى مستوى من المخاطرة، وينسحب بسهولة عند أول رضّة، تماماً كما تذيع أغاني البوب، وكما تُخبرنا بصراحةٍ وبلا مواربة.

بيونغ تشول هان: السلبية شرط الحبّ

  • هان: لم يعد الحب مرادفاً للحبكة أو السرد أو الدراما. إنه يخلو من سلبية الإصابة أو الجرح أو الانهيار
    بيونغ تشول هان: لم يعد الحب مرادفاً للحبكة أو السرد أو الدراما. إنه يخلو من سلبية الإصابة أو الجرح أو الانهيار

لا تنحصر حدود الحبّ غير المشروط، الحُبّ كفعل تخريبيّ والمنسجم مع النقص، كما نظّر له جيجك في إطارٍ رومنسي فحسب، بل ينسحب ليكون الشعور الذي "يجب أن نكنّه تجاه العالم" (18). جيجك رأى أنّ هيجل "اقترن فكره بالحبّ. إشكال هيجل العميق منذ شروعه في ممارسة التفكير كان يدور حول الحبّ" (19)، مبيّناً أنّ هيجل بنى منطقه الفلسفي انطلاقاً من السَّلب والوساطة، حيث لا يقوم التفكير على الانسجام بل على قبول الانقسام، وهو ما يمنح الحبّ موقعاً مركزياً في هذا المنطق.

غير أنّ ما يطفو اليوم على سطح العالم ليس هذا البعد السلبيّ للحبّ (ولا لغيره) بل نقيضه: الإيجاب، الراحة، حماية الذات وتسيّدها على نفسها، والانسحاب الفوريّ عند أول رضّة. هذا ليس ما تروّج له أغاني البوب فحسب، بل ما يشخّصه أيضاً الكوري الجنوبي بيونغ تشول هان حيث تعرّض الإيروس إلى أفولٍ في زمن النيوليبرالية

سرعان ما نستحضر، حين نتكلّم عن بيونغ تشول هان، كتابه الشهير "مجتمع الاحتراق النفسي"، ومعجمه الخاصّ الذي ورد فيه. 

نذكر مثلاً: "مجتمع الإنجاز"، "الذات النرجسية"، ومفاهيمٍ أخرى يبقى أهمها ما أسماه هان "غياب السلبية". على أنّ هذا المصطلح الذي (قد) يتّسم على شيء من "السلبية" فهو ضربٌ مقصودٌ. ذلك أنّ السلبية هنا لا تعني النقص أو العدم إنما غياب كلّ نقيض، وكلّ حدّة، وكلّ آخر من شأنه أن يصقلني بعد خلخلتي، كإنسان، إلى مستوى أعلى بناءً على قاعدة الجدل. لم يتوّجه هان إلى دوا ليبا أو بيلي آيليتش ولا أحد من مغنيات البوب، بل اقتحم الفنّ المعاصر مفكّكاً أعمال الفنان جيف كوونز المشبّعة بـ"النعومة". هذه النعومة هي تجلٍّ لإيجاب طافح، وهو إيجاب يخلو من أيّ مقاومة فالنعومة "بلا عمق" (20) فما تراه لا يحرّك بك شيئاً "الجماليات الناعمة تلغي الصدمة" (21). 

  • (إدوارد هوبر)
    (إدوارد هوبر)

خسر الحُبّ خشونته العفراء وانقلب أملس مفرطاً بالنعومة. تقول بيلي آيليتش في أغنيتها "أحبّك": "ليتنا لم نتعلّم الطيران يوماً/ربما كان علينا أن نحاول فقط/ أن نقنع أنفسنا بكذبةٍ جميلة/ لم أقصد أن أجعلك تبكي". النعومة ضدّ الجرح، تلغيه، في "مجتمع الإنجاز" وهو "مجتمع الإيجاب" عند بيونغ تشول هان، فقد تآكل الإيروس فنحل الحبّ وهزل، حتى استحال عظاماً مهشّمة. 

يمسك بيونغ تشول هان بالمطرقة ويشرع في تهشيم "مجتمع الإنجاز" الذي قضى على كلّ سلبية، يقول: "إنّ ثقافتنا المعاصرة، التي تترسّخ فيها فكرة المقارنة بين الأنا والآخر، لا تترك مجالاً لسلبية الآخر كي تُعبِّر عن نفسها" (22). 

هكذا يُطرح الحبّ اليوم بوصفه مسألة اختيار. إذ تختار الأنا الآخر وفق شروطها واستنسابيتها، فلا يُقبل الآخر إلا إذا كان ظلاً لها، أي انعكاساً مصقولاً لصورتها عن ذاتها، وهان على غرار جيجك في توكيده بأنّ الحب هو على نحوٍ ما، اللامعقول، يستعيد هان كتاب أفلاطون "المأدبة" ويتوقّف عند اللقب الذي أطلقه أفلاطون على سقراط: "أتوبوس" (23) أي "الخزعَة"، ويستدعي قول رولان بارت "ليس بمقدور أحد يعيش حالة عشق حقيقية أن يقدّم وصفاً لمعشوقه مطابقاً لما بداخله" (24). 

فالآخر يحمل هذه السلبية التي من شأنها أن تزعزع كيان الإنسان، وتتركه مربكاً، ومرتبكاً، وربما في حالة ألمٍ نظراً لعجز اللغة عن الإحاطة بما يحدث. بيد أنّ هذا الآخر، بوصفه حاملاً للسلب، قد اختفى في "مجتمع الإنجاز". 

ينصبّ اهتمام الإيروس إذاً على الآخر؛ أي ذاك الذي لا يمكن إدراجه داخل حدود الأنا أو احتواؤه ضمن منطقها. غير أنّ هذه الأنا تعيش اليوم "داخل جحيم نفسها"، حيث يُمحى وجود كلّ آخر مختلف. فـ"الإيروس علاقة مع الآخر تقع خارج الإنجاز والأداء والقدرة" (25)، ولا يمكن له أن يكون إلا كذلك. لكنّ الإيروس، في "مجتمع الإنجاز" المفرط بنرجسيته، لم يعد يعاني بقدر ما صار مهدّداً بالزوال. 

إذا كان الحبّ عند سارتر، منذ اللحظة الأولى، مأزوماً، فقد أصبح في نظر هان، في الرأسمالية المتأخرة، زائفاً وزائلاً. ما كان عند سارتر صراع بين الذوات أي بين حريات متنازعة، انقلب مع هان إلى صراع على التملّك، والابتلاع والمشابهة والتطابق نتيجة غياب السلبية وفائض الإيجاب. 

ينطوي هذا الإيجاب من ضمن ما ينطوي عليه، كما يلاحظ بيونغ تشول هان، على أمرين أساسين: البُعد والقرب، حيث "القرب يكون سلبياً بقدر ما يسجل البعد بداخله. ولكن الآن يجري القضاء تماماً على المسافة وعلى البعد. ولا يفضي هذا إلى القرب بقدر ما يلغيه. فبدلاً من القرب يحدث الازدحام" (26). 

تقدّم وسائل التواصل الاجتماعي نفسها بوصفها وسيطاً يَعد بالقرب المنشود من المحبوب، فيما تتيح، في الوقت نفسه، للحبيب إمكانيّة الانسحاب من الحبّ متى شاء، والابتعاد بلا كلفة، وتعرض عليه بدائل جاهزة لاختيار من يراه "مشروعاً" جديداً قابلاً للاستثمار العاطفي مستقبلاً.

يكتب هان "لم يعد الحب مرادفاً للحبكة أو السرد أو الدراما؛ فقط للاهتياج العاطفي والإثارة. إنه يخلو من سلبية الإصابة أو الجرح أو الانهيار. السقوط (في الحب) هو فعل سلبي في طبيعته للغاية. وتلك السلبية بالتحديد هي ما تشكّل الحبّ؛ الحبّ هو ما يحدث في الواقع بلا سبب" (27).   

زيجموند باومان: الحبّ السائل 

  • "الجيب الأعلى" في مفهوم باومان تعني أنّ العلاقات العاطفية صارت واهنة، حيث تزج ضمن ما يمكن الاستغناء عنه بسهولة من دون تبعات تذكر

ليست الجيب العليا بالنسبة للفيلسوف البولندي زيجموند باومان، المكان التي نضع فيه الأشياء الصغيرة والخفيفة كونها لا تحتاج إلى الكثير من المساحة إنما تدلّ على حيّزٍ مخصّص لما يجب أن يكون قريباً، ويكون جاهزاً للإخراج والإلقاء متى اقتضت الحاجة. 

يبتدع باومان استعارة "الجيب الأعلى" للدلالة على العلاقات العاطفية في شكلها الراهنيّ. وربما نعم، أنّ "الجيب الأعلى" في مفهوم باومان تعني أنّ العلاقات العاطفية صارت ضحلة وضئيلة وواهنة، حيث تزج ضمن ما يمكن الاستغناء عنه بسهولة من دون تبعات تذكر. 

يستكمل باومان مشروعه النقديّ للحداثة في كتابه "الحداثة السائلة" متطرّقاً هذه المرة إلى الحُبّ كواحدٍ من تجلّيات الحداثة الأكثر هشاشة. الحبّ وقد غدا رخواً وسائلاً، فاقداً للأصالة، ومحروماً من جذورٍ صلبة تقيه من التفتت. 

  • إذا كان الحبّ عند سارتر مأزوماً فقد أصبح في نظر بيونغ تشول هان زائفاً وزائلاً
    إذا كان الحبّ عند سارتر مأزوماً فقد أصبح في نظر بيونغ تشول هان زائفاً وزائلاً

يرى باومان أنّ الحبّ المعاصر أعيدت هندسته وفق منطق القابلية للفكّ والتركيب. فـ"العلاقة تطلب اليوم مع بوليصة تأمين ضدّ المخاطر" (28)، أي علاقة تمنح القرب من دون التزام. 

الحبيب، في هذا السياق، لا يعامل كآخر يُغامر من أجله، بل كـ"استثمارٍ عاطفي" يمكن الانسحاب منه متى فقد جدواه. وباومان يحذر من أنّ "الروابط أصبحت خفيفة إلى درجة أنّها لا تترك أثراً عند انقطاعها" (29)، لأنّها لم تُصمَّم أصلاً لتُحتمل طويلاً.

إنّ "الجيب الأعلى" هو الوجه اليوميّ لما سمّاه هان غياب السلبية حيث العلاقة بلا جرح وبلا مخاطرة، يُحفَظ قربها لكن ليس ذاك القرب الذي يلامس الذات. نقرأ باومان فهو يكتب بوضوح: "ما يخشاه الناس اليوم ليس الوحدة، بل الارتباط الذي قد يقيّد حرّيتهم" (30).

ذلك أنّ الخوف لم يعد من فقدان الآخر، بل من أن يصبح الآخر عبئاً. يبقى أنّ ما نضعه في الجيب العلويّ لا يسبب الوخز ولا الألم، هو بالتأكيد لا يجرح، وطبعاً يستحيل أن يُكنّ له الحبّ، مهما غنت دوا ليبيا وبيلي آيليتش عنه وهجتاه. 

المراجع

1-    Billie Eilish، عنوان الأغنية: Happier than ever

2-    مغنية بوب أميركية، تعد واحدة من أهم المغنيات البوب.

3-    دوا ليبا (Dua Lippa) وتايلور سويفت (Taylor swift)، فنانتا بوب.

4-    إيفا إيلوز، حميميات باردة، دار 7، ترجمة كريم محمد.

5- مفهوم النمذجة، تكلّم عنه المفكر الألماني تيودور أدورنو في كتابه On popular  music, 1941 (الموسيقى الشعبية تعني من ضمن ما تعنيه موسيقى البوب). يكتب أدورنو: "الموسيقى الشعبية مُنمذَجة (مُقنَّنة) لا في بنيتها الموسيقية فحسب، بل في محتواها العاطفي أيضاً". 

6-  Simon frith, Performing Rites: on the value of popular music (1996)

7- المصدر نفسه

8- Eva Illouz, Consuming the Romantic Utopia: Love and the Cultural Contradictions of Capitalism, 1997

9- الفيديو منشور على صفحة مجلة Jacobin على إنستغرام.

10-  لعبت الممثلة دايان كيتون دور سونيا في فيلم "Love and Death" عام 1978 من إخراج وودي آلن.

11- , Dua Lippa عنوان الأغنية: IDGAF

12- "الوجودية مذهب إنساني"، جان بول سارتر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب.

13- "الوجود والعدم"، جان بول سارتر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الآداب.

14-  وثائقي "Pervert’s Guide to Ideology"، علماً أنّ جيجك كرر فكرته هذه في العديد مقابلات ومحاضرات مصوّرة. 

15- محاضرة مصوّرة في جامعة برنستون.

16- "العنف: تأملات في وجوهه الستة"، سلافوي جيجك، ترجمة فاضل جتكر، المركر العربي للأبحاث ودراسات السياسات.

17-  محاضرة مصورة في جامعة برنستون

18-  وثائقي "Pervert’s Guide to Ideology"

19- , 1989«Sublime object of Ideology» Slajov zizek 

20- "خلاص الجمال"، بيونغ تشول هان، ترجمة بدر الدين مصطفى، دار معنى.

21- المصدر نفسه

22- «معاناة إيروس»، بيونغ تشول هان، ترجمة بدر الدين مصطفى، دار معنى.

23- المصدر نفسه

24- يعرّفها هان بالهالة الآسرة التي يمتلكها الآخر، والتي تمثل مركز جذب للذات، فيما المصطلح في نص أفلاطون يدلّ على الخبرة التي يمكن ملاحظتها داخل النفس أو داخل الآخرين لحظة الوقوع في الحب، وأتوبوس هو ما كان يصف أفلاطون سقراط به.

25- "معاناة إيروس"، بيونغ تشول هان، ترجمة بدر الدين مصطفى، دار معنى.

26- المصدر نفسه

27- المصدر نفسه

28- "الحب السائل: في هشاشة الروابط الإنسانية"، زيجمونت باومن، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

29- المصدر نفسه

30- المصدر نفسه

اخترنا لك