جودت فخر الدين "في شؤون البصيرة": ملحمة الجنوبي التي لا تعرف حدوداً

شعرية جودت فخر الدين هادئة، سلسة، لكنّها شرسة في المعنى، لا تقف عند حدود الأحلام فقط، بل تعبر إلى الواقعي بسلّم المتخيّل. كلّها قصائد تنظر بعين الشعر إلى المستقبل، وتعالج الروح بالأمل الضروري.

  • جودت فخر الدين
    جودت فخر الدين "في شؤون البصيرة": ملحمة الجنوبي التي لا تعرف حدوداً

قيل في البصيرة إنّ: "السياسي صاحب البصر، والمثقّف صاحب البصيرة"، لأنّ الأخير هو الذي يدرك حقيقة الأشياء من الداخل فيما السياسي يراها من الخارج.

والشاعر اللبناني، جودت فخر الدين، ممن يبصرون بعين الحكمة. هذا ما نطالعه عند قراءة ديوانه الأخير "في شؤون البصيرة" الصادر عن "دار النهضة" في بيروت.

وفخر الدين شاعر من قرية السلطانية جنوبي لبنان التي طالها دمار العدوان الإسرائيلي عام 2024، ومن بينها بيت الشاعر نفسه، ثمّ في العدوان المستمر منذ آذار/ مارس 2026 ولم تنتهِ بعد.

وأن يكون الشاعر ابن الجنوب ويشتغل على شعرية البصر والبصيرة، فيحفر عميقاً في أرض المعنى، مثلما فعل فخر الدين، فهذا الشعر سيمتلك جاذبية مضاعفة.

هكذا يمكن أن نبدأ من العنوان وخلفيّات المعنى الكامن فيه، حيث للبصيرة شؤونها في الشعر، لأنّها رحلة الشاعر إلى الروحي والتأمّلي في الإنسان والمكان.

بصيرة تدخل في الديني، والسماوي، والنوراني، والنظرات من القريب إلى البعيد، ومن البعيد إلى القريب، والداخلي والخارجي. في "شؤون البصيرة" يجسّد فخر الدين حقيقة الأشياء والإنسان، وما يتعرّض له الجنوب، في هذا العالم الذي أوغل في سقوطه الأخلاقي منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر. يقول شاعرنا في قصيدة: "كلما جاءت الحرب":

"كلما جاءت الحربُ

أرسمُ لي خطّةً،

فأُلازمُ بيتي مُحاطاً بخطّين:

خطّ الدفاع، وخطِّ الهجومٍ،

إذا انهارَ خطُّ الدفاع أُحرّكُ خطّ الهجوم،

إذا انهار خطُّ الهجوم ألوذُ بخطّ الدفاع،

وإذ تنتهي الحربُ،

أبقى أسيرَ التذبذب بين الدفاعِ وبين الهجوم".

ربما هذه هي إرادة الجنوبي المقاوم الذي يدافع عن الأرض والعرض، يلازم البيت ويقاوم، فالبقاء مقاومة، والتمسّك بمفتاح البيت مقاومة، والشاعر جودت فخر الدين، اختار المقاومة في الدفاع والهجوم، لأنّ خيار المقاومة هو الخيار الأجدر في وجه العدوان الوحشي، الذي تعرّض له الجنوب وما زال.

وفي مقطع آخر من القصيدة يعيد ويؤكّد في السطر الأول:

"كلما جاءت الحربُ،

أوقفها عند بابي

أُخاطبها قائلاً: قبل أن تدخلي اعتذري.

فأنا قد عرفتُكِ منذ الطفولة،

ما زلتِ تأتين من دون اكتراثٍ بما أتصوّرهُ عنكِ،

ما زلتِ تأتين،

تقتحمين انشغالي بنفسي،

أتستأذنين ولو مرّةً؟"

هنا يتضح غدر الصهاينة في الحرب، وأطماعهم الوحشية في الجنوب اللبناني، والتي اتضحت مؤخراً من خلال "اسرائيل الكبرى" المزعومة، وعلينا أن نعي تماماً هذه المخططات الصهيونية، وربما، شاعرنا يحاول إظهار حقيقة هذا الغدر في الحروب السابقة والمقبلة في حياة الجنوبي، كإنسان يحبّ الحياة، فمن حقّه أن يحب الحياة إذا ما استطاع إليها سبيلاً، حيث لا أحد يريد الحرب، لكن فرضت، فلا سبيل من إيقافها سوى المقاومة بشتى الوسائل، ومنها: الفن والشعر الفائض بشؤون البصيرة.

شعرية جودت فخر الدين هادئة، سلسة، لكنّها شرسة في المعنى، لا تقف عند حدود الأحلام فقط، بل تعبر إلى الواقعي بسلّم المتخيّل. كلّها قصائد تنظر بعين الشعر إلى المستقبل، وتعالج الروح بالأمل الضروري، تضع القارئ في صلب الموضوع، لا تبتعد عن وقعهِ، ولا يختلف الشعر عن مشاعرهِ، كما لا تختلف الحرب عن حربهِ، هو صراع واحد، عنوانه الإنسان بشجونه وشؤونه وأحلامه، مثلما قال:

"لماذا تشاكسُني أيُّها الحلم؟

أرغبُ عنك، فلا تنثني عن معاودتي.

لا تعدْ مثلما كنت تأتي قديماً

أنا صرتُ أصلبَ من أن يدغدغني الحلمُ

أمّا إذا عُدتني ... فليَكُنْ".

هي علاقة الجنوبي بالحلم، يتمسّك به رغم الجراح التي تعوق مسار التحقّق. لقد أدمن شاعرنا الأحلام وتكرارها وصعوبة تحقّقها في هذا العالم المظلم والظالم، لكنّه يصرّ على الحلم كصلابة المقاوم والصابر صبر أيوب، لأنّه في نهاية المطاف سيتحقّق "ويكن"، فاليكن تلك، تشديد على: "نكون أو لا نكون"، التي هي عنوان كلّ معارك الدفاع عن الأرض التي خضناها، لاستعادة الحقّ المسلوب إلى أهله الحالمين بغدٍ جديد.

هكذا يفعل الشعر بنا، مثلما فعلته قصيدة فخر الدين، التي وضعتنا أمام مرآتها وشرّحتنا تماماً. طرح سؤالاً وترك لنا الإجابات الكثيرة من دون ضجيجٍ في الطرح، وبدأنا نطرح الأجوبة على أنفسنا، نتوجّع حيناً، ونكتشف ذواتنا أحياناً، لكننا نبحث عن الطريق المؤدّي إلى الوصول.

ديوان "في شؤون البصيرة" للشاعر الجنوبي الكبير جودت فخر الدين، كلّ قصيدة فيه تأخذنا إلى التبصّر في أعماق الإنسان وشؤونه، في زمن الظلام السائد، في زمن الضلال والضليلة، حتى لو لم تكن فكرتها واضحة في هذا السياق. هي رحلة الجنوبي إلى الضوء، وتأمّلات القمر في سماءٍ بعيدة، والدفاع عن الحرية وأسئلتها الكبيرة، ألسنا في معركة الوعي؟ ألسنا في معركة الدفاع عن وجودنا على هذه الأرض؟ إذاً، نحن بحاجة ملحة إلى "شؤون البصيرة"، كي ينتصر الإنسان الذي فينا، على الوحش الطاغي.  

اخترنا لك