ثلاثة رمضانات بعمر الحرب
كلّ ما عشناه يجعلنا نخاف من احتمالية عودة الحرب أقوى وأقوى، لتأخذ المزيد ممن يزيّنون سفرنا وجلساتنا ومناسباتنا. والخوف الآخر أن يغلق الاحتلال المعابر، فترجع معاناة الغذاء.
ما الذي كُتب على قطاع غزة ليخلو من كلّ مظاهر الحياة ولهجة المناسبات الدينية؟ فالمسلم في قطاع غزة، الذي تمثّلت من خلاله قيم الدين الإسلامي كالصبر والإيمان بالقدر خيره وشرّه وغيرها، يعيش رمضانه الثالث كما لم يعتد، كما لا يريد، كما لا يتمنى. وإنني أذكر أنه كثيراً ما كانت تحدث تصعيدات من قبل الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين في رمضان، لكنّني أجزم بأنّ أصعبها تلك التي تخلّلت حرب "طوفان الأقصى".
ففي رمضان الأول، كانت الخيام تغزو مدن القطاع مثلما تغزوه الإخلاءات والموت. وكنت كثيراً ما أخاف أن أفقد أحداً على السفرة الرمضانية، فينتهي عهده معنا بالأعياد، وتحقّقت مخاوفي هذه مع ناس غيري، فلم يكن العدو يعرف موعد سحور أو موعد إفطار؛ كان يقصف متى رغب، فاختلطت أعيادنا بالفقد والحزن.
أما رمضان الثاني، فالحمد لله الذي قدّر أن تهدأ نيران الحرب قبل أن يبدأ. ورغم أنه كان أول رمضان لي في خيمة، إلا أنني فرحت لأنّ الموت لن يكون ضيفنا الخفي على السفرة. لكن شاءت الأقدار أن تعود الحرب من جديد في ثاني يوم من رمضان، ويشرع الاحتلال الصهيوني في استئناف الحرب بشراسة قبل السحور. كان يومها مخيفاً، وللآن أتساءل: كيف انقلبت الأمور؟ ثم أُغلقت المعابر، واختفت البضائع من السوق، وعاد المحتل إلى المناطق التي انسحب منها، ونشر الذعر في قلوب الناس الذين لم يتمنّوا سوى الأمان، ولو كان زائفاً.
كان رمضان هذا صعباً. أتذكّر أنّ سيارة إسعاف اختفت، ثم بعد وقت تبيّن أنّ الاحتلال أحرقها وقتل من فيها، ممن كانوا يلبّون نداءً إنسانياً. أتذكّر أنّ كبار السن خرجوا في عزّ سطوع الشمس من مدينة رفح أمام جنود وحواجز تفتيش، وساروا مسافات كبيرة.
حدثت أحداث كثيرة جداً، ثم بدأت المجاعة تغرز أنيابها في كلّ الخيام. أصبح الغني هو من يأكل الخضروات على الإفطار. كان حال طعام الناس في الخيام لا يعلمه إلا الله، فكثيرون كانوا يسترون أنفسهم. ثم جاء العيد لنسمع أصوات الموت تدور من فوقنا لتقتل؛ قتلوا طفلة تلبس أسوارة لم تروِ حكاية الحصول عليها. تمنّيت لو كنت أملك أن أعرف من المستهدف لأنجده، لكن من الصعب أن أتفوّق على الموت بالسرعة.
أما الآن، فرمضان الثالث يهلّ ونحن نعيش بين الحرب واللا حرب، بل نميل أكثر للعيش في الحرب، فقد رسمت نفسها على البلاد وعلى أهلها. ورغم وجود وقف إطلاق نار كما يزعمون، إلا أنه لا بدّ أن يشنّ الاحتلال هجمة على الأقل في اليوم، وإن لم يفعل، فإنّ رصاصه العشوائي يقتل يومياً من دون أن ينقطع.
كلّ ما عشناه يجعلنا نخاف من احتمالية عودة الحرب أقوى وأقوى، لتأخذ المزيد ممن يزيّنون سفرنا وجلساتنا ومناسباتنا. والخوف الآخر أن يغلق الاحتلال المعابر، فترجع معاناة الغذاء.
إنني أتمنّى بقلب صادق ألّا يكون الموت الإسرائيلي رفيقنا الخفيّ في أعظم شهور المسلم، وألا يكون كرمضان السابق، وأن يكون بسفرة كريمة لنشعر قليلًا بمظهر الحياة، فنتشارك مع كلّ المسلمين حول العالم جمال الإفطار. أتمنّى أن ينتهي رمضان بسلام، ويأتي العيد، ونصلّي صلاة العيد، ولا يتبعها أحد من سكان القطاع بصلاة جنازة، لأنّ الاحتلال يعشق أن يغتال كلّ لحظة تحمل الحياة.
ليت الحياة تمنحنا اللحظات التي تشبهها،من دون أن ينهشنا القلق لعبورها بسلام؛ فكمّ هو متعب أن نسعى نحو الحياة بكلّ ما استطعنا حشده من سلامٍ ننحته من صميم الألم، لتردّنا هي بمزيدٍ من الوجع.
