تحوّلات المشهد اليهودي في السياسة الغربية
يوثق "رأفت" التلاعب القديم في الحقائق التاريخية من زمن محاكم التفتيش وكيف وظّف الاستعمار فكرة (التنصير) كأداة سياسية بعد سقوط غرناطة 1492، وبعد أن فرضت محاكم التفتيش الإسبانية التنصير على اليهود والمسلمين.
-
تحوّلات المشهد اليهودي في السياسة الغربية
يأتي كتاب "تهويد الغرب: من محاكم التفتيش الإسبانية إلى قيام إسرائيل" (دار الرواق للنشر والتوزيع 2025) للكاتب والباحث المصري رامي رأفت (1985) بمنزلة إسهام محوري في سبر التحولات التاريخية والثقافية التي شكلت الموقف الغربي من اليهود والصهيونية. إذ ينطلق رأفت في بحثه من تناقض تاريخي صادم، متسائلاً عن الكيفية التي حوّلت الغرب من عداء اليهود وملاحقتهم عبر محاكم التفتيش، والتنصير القسري، إلى داعم أساسي للمشروع الصهيوني. وهنا يقدم تحليلاً تاريخياً يمتد لأكثر من خمسة قرون (من سقوط غرناطة 1492 وحتى إعلان دولة إسرائيل 1948) كاشفاً عن العوامل الدينية والاستعمارية في تشكيل هذه العلاقة الوثيقة بين الغرب ودولة اليهود.
تظهر مسألةُ عبث اليهود في صناعة العالم، والآليات التي تخدم السيطرة الصهيونية على العقل الغربي، غيرَ بعيدةٍ عن القضايا المعاصرة، بل إن جذور المسألة تكمن في تشويه التاريخ، وسرقة الإنجازات الفكرية، واحتكار الرواية من خلال علماء ومفكرين يهود. ويعود الأمر في أصله إلى تاريخ أوروبا القديم، والعداوة التاريخية بين اليهود والمسيحية. وقد ذكر الكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان (1941-2004) في كتابه "تهويد المعرفة" (2008) كيف نال اليهود براءَتهم من خلال حيلٍ أفضت إلى جمع العهدين (القديم والجديد)، واتّهام كل من خالفهم بالعنصرية ومعاداة السامية. تلك الصور التي جسّدها الأدب والتاريخ لليهودي، كما في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير، أخذت بالتلاشي والاضمحلال، وتحولت من صورة التاجر الثري صاحب الحظوة لدى رجال السلطة والدين، إلى جماعة نجحت في تصدير المظلومية لشعب بأكمله، وجاهرت في حقها ببناء دولةٍ مزعومة.
يقول الباحث "إن التحول في العلاقة بين الغرب واليهود هو تحولٌ خطير، وقد صار علاقة مرضيّة تحوّلت إلى نوع طفيلي من الاستحواذ الصهيوني الكامل على الغرب، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: متى حدث ذلك؟ وكيف حدث؟" تلك العودة إلى الماضي ودراسة نقطة البداية في أكثر القضايا الشائكة في عالم السياسة، تدفع الباحث للنظر إليها بوصفها ظاهرة؛ فتهويد الغرب لم يكن مجرد تحول سياسي، بل عملية متعددة الأبعاد: تتجسد في التبادل الثقافي المشوّه، وهو الذي يشير إلى عملية تاريخية طويلة أنتجت تشويهاً متبادلاً لكل من الديانتين اليهودية والمسيحية، وأيضاً وظّفت مصطلح "الجماعة الوظيفية" من خلال تفكيك دور اليهود كأداة في المشروع الاستعماري الغربي، ولا سيما في مناطق النفوذ خارج أوروبا. لذلك كان من الضروري تحديد المراحل التاريخية الكبرى، والتحولات الجوهرية، التي تمثلت من خلال مرحلة الاضطهاد (القرن الخامس عشر - القرن السابع عشر) حيث دُفعَ اليهود للتنصّر قسراً بعد سقوط الأندلس، ورُسخت أسطورة "دم المسيح". ومن بعدها جاءت مرحلة التمكين (القرن الثامن عشر - القرن التاسع عشر) حيث تحوَّل اليهود إلى جماعة وظيفية في خدمة التوسع الاستعماري، وبداية محاولات الاستيطان المبكّرة في فلسطين وغيرها. وفي نهاية المطاف مرحلة التأسيس (القرن العشرين) حيث وظفت المشاعر الدينية المسيحية البروتستانتية لدعم الصهيونية وصولاً إلى إعلان دولة "إسرائيل".
نكتشف تجذّر الفكر اليهودي لدى الغرب من خلال التلاعب الذي قام به "قادة التنوير" ليصنعوا من اليهود أداة تصوغ شرقاً يناسب مزاجهم السياسي. من هنا يوثق "رأفت" التلاعب القديم في الحقائق التاريخية من زمن محاكم التفتيش وكيف وظّف الاستعمار فكرة (التنصير) كأداة سياسية بعد سقوط غرناطة 1492 ، وبعد أن فرضت محاكم التفتيش الإسبانية التنصير على اليهود والمسلمين، وذلك ليس لغاية دينية خالصة، بل لخلق هوية موحّدة تدعم الدولة القومية الناشئة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى التحول نحو الدور الوظيفي لليهود فيما يخص التوسع الاستعماري؛ إذ رأى الغرب في اليهود أداة لتسهيل الهيمنة على المجتمعات غير الأوروبية، ولا سيما في الشرق الأوسط من خلال توظيف شبكاتهم الاقتصادية والثقافية. أما عن تشكيل العقل الجمعي الغربي، فقد أدرجه الباحث ضمن ما يسمى (التهويد الثقافي) وهو نتيجة تأثير الآليات التي رسخت الصهيونية في الوعي الغربي، وذلك من خلال صناعة الخطاب الديني (تبنّي أفكار عودة المسيح المرتبطة بدعم إسرائيل) وأيضاً دور السينما والإعلام وتوجيه هوليوود لترويج صورة "إسرائيل" على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. إلى جانب دور اللوبيات السياسية في تحويل الصهيونية إلى قوة فاعلة في مراكز صنع القرار الغربية، والاستفادة من تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية.
ولا بد من الإشارة إلى أن دراسة جذور قضية تهويد الغرب لا تمكن من غير تفكيك حالة (ازدواجية المعايير الغربية) ولا سيما إزاء قضية غزة. إذ يستشهد الباحث بالحرب على غزة (2023- 2024) كنموذج صارخ لانحياز الغرب، وذلك من خلال التضحية بالمبادئ، وتخلّي الغرب عن مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي التي روّجها قرناً كاملاً. كما تجلّى في دعم مطلق لـ"إسرائيل" على الرغم من إدانة المجتمع الدولي، والمعايير الانتقائية في المفارقة بين دعم اللاجئين الأوكرانيين وتجاهل معاناة الفلسطينيين. هذا التهويد بوصفه أداة هيمنة، يرصده الباحث من خلال رسائل جوهرية تتمثل في الهيمنة المكرّسة بالقوة العسكرية والسيطرة على العقول، وتفكيك الهوية العربية من خلال إقحام العرب في تسميات مفككة مثل: (الشرق أوسطية) في سياق القصة ذاتها. ولا بد هنا من دراسة التداعيات الحضارية الناتجة عن "تهويد الغرب" وهي تحولات أفسدت أميركا وأوروبا من غير رجعة، وضحّت بقيم التنوير لصالح المصالح الصهيونية، وتهديد الاستقرار العالمي. إلا أن الباحث يضع رؤيا مستقبلية في بحثه، وهي رؤيا تتعدى الصراع القائم، إلى النظر إلى القضية، لا من الناحية العسكرية فحسب، بل بوصفها معركة في الوعي، إذ يقول: "إن كل من تعرّض لظلم إسرائيل هو مشروع مقاوم مستقبلي". لأن دولة الكيان أقيمت أساساً على الفكر الصهيوني، وهو بحدّ ذاته قائمٌ على الفكر القبّالي (تيار باطني صوفي في الديانة اليهودية نشأ في العصور الوسطى) المتأثر بالفكر الحلولي (مذهب صوفي/ فلسفي يؤمن بأن الوجود المادي للمخلوق هو تجلٍّ للإله) في الديانة المسيحية، وتحت ذلك المسمى انضوى تنصير اليهودية. ولا بد، بحسب زعم الباحث، من الاعتراف بنجاح الفكر القبّالي في اختطاف الديانة اليهودية، ونقلها من الفكر التلمودي، إلى فكر آخر، اختزالي، وتبسيطي، وهو في الوقت ذاته، جزءٌ من توجه عالمي نحو العلمنة والابتعاد عن الدين. إلا أن قيام الحركة الصهيونية أيضاً، أسهم بدوره، في تغيير الموقف الغربي من اليهود، وهو تغيّر إنّما أساسهُ الصّراع الكنسي الذي كان بين الكاثوليك والبروتستانت، واختلاف فهمهما للنصّ الديني الواحد، وإن اختلافهما وانقسامهما لم يكن أكثر من نتيجة لضعف الكنيسة وتراجع دورها. هذا ما يقودُ إلى فهم طبيعة الحروب الأوروبية، ومعرفة المحدّد الأساسي في تاريخها، والصراع بين قواها لمنع دولة قوية من النشوء والتوسع. هذا ما يقودنا لفهم البعد الاستعماري الغربي في المشروع الصهيوني، ذلك أن دعم "إسرائيل" ليس خاضعاً لأسباب دينية فقط، بل لأسباب براغماتية أيضاً، وإلى عملية تطور كبيرة مرّ بها الأوروبيون واليهود على حدّ سواء.
في ختام هذه الدراسة لتطور الدور الوظيفي للجماعة اليهودية عبر التاريخ، نجد أنها مثلت سلسلة من الأدوار الاقتصادية، والاستيطانية، والعسكرية المتوائمة مع البيئتين الرأسمالية والاستعمارية في أوروبا. فالقضية الفلسطينية لم تتعلق يوماً بفلسطين وحدها، إذ سبق أن طُرحت أفكار كثيرة حول استغلال بعض الأراضي لإقامة وطن قومي لليهود، وأن الصهيونية ليست أكثر من مشروع استعماري حرّكه علمانيون، استغلوا السلطة الدينية عند المسيحيين واليهود، وكسبوا التعاطف وأوجدوا الذرائع لإنجاح مشاريعهم الكبرى.