المسألة اليهودية في عصر الطوفان.".. مأزق وجودي

من أبرز نقاط قوة هذا الكتاب تفكيكه العميق للبُعد الديني في الصهيونية، خاصة عبر ما يسميه "تسريب النبوءة إلى السياسة". يقول الشوباني إن "نبوءة عودة اليهود إلى أرض فلسطين/الميعاد تشكّل المحدد الديني الأساسي لفهم الدعم السياسي للحل الصهيوني".

  • المسألة اليهودية في عصر الطوفان.

 

يأتي كتاب الدكتور الحبيب الشوباني "المسألة اليهودية في عصر الطوفان" بوصفه محاولة جادة لإعادة تركيب واحدة من أعقد القضايا في التاريخ الحديث، غير أن قيمة هذا العمل لا تكمن في إعادة سرد ما هو معروف، بل في سعيه إلى تفكيك البنية العميقة للمسألة اليهودية، باعتبارها نتاجاً تاريخياً أوروبياً، قبل أن تتحول –عبر الصهيونية– إلى مأزق كوني يتمركز اليوم في فلسطين.

ينطلق الشوباني من فرضية حاسمة: أن المسألة اليهودية ليست مسألة دينية خالصة، بل هي نتاج تفاعل معقّد بين البنية الاجتماعية الأوروبية، والاقتصاد، والتمييز الديني.

في هذا السياق، يوضح أن محاولات "الاندماج" التي بشّر بها مفكرو التنوير لم تنجح في إنهاء الاضطهاد، بل بقي اليهود في موقع الآخر داخل المجتمعات الأوروبية. وهو ما يفسر الانزياح من فكرة "الاندماج" إلى فكرة "الحل القومي".

لكن الأهم هنا أن الكتاب يكشف أن هذا التحول لم يكن بريئاً، بل ارتبط بصعود القوميات الأوروبية نفسها، وبحاجة تلك الدول إلى حل ما اعتُبِرَ مشكلة داخلية. لذلك فإن الصهيونية لم تكن فقط مشروعاً يهودياً، بل أيضاً مخرجاً أوروبياً من عبء داخلي.

من النبوءة إلى الأيديولوجيا

من أبرز نقاط قوة كتاب "المسألة اليهودية في عصر الطوفان" تفكيكه العميق للبُعد الديني في الصهيونية، خاصة عبر ما يسميه "تسريب النبوءة إلى السياسة". يقول الشوباني إن "نبوءة عودة اليهود إلى أرض فلسطين/ الميعاد تشكّل المحدد الديني الأساسي لفهم الدعم السياسي للحل الصهيوني"، وهو ما يكشف نقطة مركزية أن الصهيونية لم تكن مجرد حركة قومية حديثة، بل مشروعاً جرى تديينه (جعله دينياً) لاحقاً، خاصة داخل البروتستانتية الغربية، حيث تحوّلت فلسطين إلى مسرح لتحقيق نبوءات لاهوتية.

وهنا تتعقّد المسألة، فاليهود الأوروبيون كانوا ضحايا لاضطهاد ديني، لكن الحل المقترح (الصهيونية) استند بدوره إلى تأويل ديني آخر، ما جعل الصراع ينتقل من سياق اجتماعي أوروبي إلى سياق ديني جغرافي في الشرق الأوسط.

ومن النقاط النقدية الجريئة في الكتاب تفكيكه لفكرة الشعب اليهودي ككيان عرقي متجانس، حيث يشير إلى أن "مصطلح اليهود واليهودية لا يعبر علمياً عن وجود عرقي خالص، بل عن جماعات متعددة تاريخياً"، هذا الطرح يضرب الأساس الأيديولوجي للصهيونية، التي قامت على فكرة شعب بلا أرض.

فإذا كان الشعب ذاته متعدداً وغير متجانس، فإن فكرة العودة تتحول من حق تاريخي إلى مشروع سياسي مُنشأ.

هنا يصل الدكتور الشوباني إلى ذروته التحليلية في كتابه "المسألة اليهودية في عصر الطوفان" الصادر في دمشق عن "دار دلمون الجديدة"، وهو كيف تم نقل المسألة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين، فالصهيونية، كما يعرضها، لم تكن حلاً بقدر ما كانت نقلاً للأزمة: أزمة أوروبية (اضطهاد اليهود) تحوّلت إلى أزمة شرق أوسطية (اقتلاع الفلسطينيين).

ويكشف النص بوضوح أن هذا التحول لم يكن سلمياً، بل ارتبط بعنف استعماري مباشر: "المنظمات الصهيونية ارتكبت جرائم قتل وتهجير كثيرة في حق الفلسطينيين"، وهو ما يجعل المسألة اليهودية ليست مجرد نزاع، بل عملية إحلال استيطاني قائمة على الإزاحة القسرية.

فلسطين من الغياب إلى المركز

الميزة الأهم في الكتاب أنه يعيد تمركز القضية الفلسطينية داخل المسألة اليهودية، بدلاً من التعامل معها كقضية منفصلة. فالفلسطيني، في هذا التحليل، ليس طرفاً طارئاً، بل هو الضحية المباشرة للحل الصهيوني.

ويذهب النص أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن إنكار وجود الشعب الفلسطيني لم يكن عرضياً، بل جزءاً من العقيدة: "إنكار وجود الشعب الفلسطيني شكّل أساس العقيدة العسكرية الصهيونية" وهذا يكشف البعد الأخطر: ليس فقط احتلال الأرض، بل محو الوجود الرمزي والتاريخي للشعب.

يصل الشوباني في تحليله إلى أن الحل الصهيوني لم ينجح في حل المسألة، بل أعاد إنتاجها بشكل أكثر عنفاً، مُؤسساً لـ"مأزق وجودي مشبع بعدم اليقين". هذا المأزق يتجلى في ثلاثة مستويات: سياسياً: صراع دائم غير قابل للحسم. أخلاقياً: تناقض بين خطاب الديمقراطية وممارسات الإقصاء. وجودياً: خوف دائم داخل الكيان نفسه. 

والمميز في كتاب "المسألة اليهودية في عصر الطوفان" أنه لا يقف عند حدود التفكيك التاريخي، بل يتقدم خطوة أبعد حين يربط هذا المسار بما يسميه "عصر الطوفان"، أي اللحظة الراهنة التي بلغت فيها التناقضات ذروتها، خاصة في سياق المواجهة المفتوحة في فلسطين. 

هذا الربط ليس اعتباطياً، بل يقوم على فكرة مركزية مفادها أن ما نشهده اليوم ليس انقطاعاً، بل هو تجلٍّ مكثف للمسار التاريخي نفسه، فالطوفان هو لحظة انكشاف شامل للأسطورة المؤسسة لـ"إسرائيل"، وانكشاف حدود قوتها العسكرية، وأيضاً انكشاف أزمتها الشرعية، إذ إن الخطاب الذي قدّم المشروع الصهيوني كحل نهائي عاد ليواجه اختبار الواقع. وهنا تظهر المفارقة: القوة التي بُنيت لضمان "الأمن الوجودي" أصبحت نفسها مصدر قلق وجودي دائم.

الطوفان، بهذا المعنى، ليس مجرد حدث عسكري أو سياسي، بل لحظة تكشف أن الحل لم يكن حلاً فعلياً، بل هو مجرد نقل أزمة إلى مكان آخر، فإذا كانت الصهيونية قد نقلت المسألة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين، فإن عصر الطوفان يكشف أن هذه المسألة لم تُحل بل ارتدّت.

الكتاب يشير إلى أن العنف الذي أُسّس عليه الكيان وسياسات الإقصاء والإنكار أعادت إنتاج الصراع بدل إنهائه، وهنا يصبح الطوفان نوعاً من العودة التاريخية للمسألة، لكن بشكل أكثر تعقيداً، حيث لم يعد ممكناً حصرها في إطار قومي ضيق.

والمسألة في بعدها المُعقد ذاك، أحالت الإنسان الفلسطيني من الضحية إلى الفاعل التاريخي، ففي سياق الطوفان، لم يعد الفلسطيني مجرد متلقٍ لنتائج الحل الصهيوني، بل أصبح فاعلاً يعيد تشكيل معادلة الصراع، وهذا التحول هو ما يجعل اللحظة الراهنة مفصلية. فالفلسطيني، الذي كان موضوعاً للتاريخ، صار في هذا السياق منتِجاً له.

ويؤكد الشوباني على دور المقاومات الصاعدة في إعادة تشكيل المشهد، ما يعكس تحوّلاً من حالة التشتت إلى نوع من التماسك، ليس فقط فلسطينياً بل إقليمياً أيضاً.

الطوفان كتحول في الوعي العالمي

من أهم أبعاد التحليل في كتاب "المسألة اليهودية في عصر الطوفان" هو ربط "الطوفان" بتحولات الوعي، خاصة داخل ما يسميه "الحوض الحضاري"، فالأحداث الجارية لا تُقرأ فقط كصراع محلي، بل كجزء من إعادة تشكيل الوعي السياسي، وتبدل موازين القوة، وانكشاف نفاق الخطابات الغربية حول الديمقراطية، وهو ما يتقاطع مع نقد سابق في الكتاب لفكرة "الدولة الديمقراطية"، التي يظهر تناقضها مع واقع الفصل العنصري.

ومن النتائج العميقة التي يلمّح إليها الكتاب أن عصر الطوفان يضع نهاية لهيمنة السردية الصهيونية الواحدة. فإنكار وجود الفلسطينيين، الذي كان جزءاً من العقيدة، لم يعد قابلاً للاستمرار، خاصة في ظل الحضور المكثف للواقع على الأرض. 

وصحيح أن الشوباني لا يقدم إجابات مستقبلية نهائية لكنه يفتح أفقاً للتفكير، عبر التساؤل: هل يمثّل الطوفان بداية تفكك الحل الصهيوني؟ أم أنه مجرد مرحلة جديدة في إعادة إنتاج الصراع؟ لكن تحليلاته تميل إلى أن ما يحدث ليس عابراً، بل يشير إلى تحول تاريخي عميق، حيث تتقاطع مجموعة من الأمور: نهاية نموذج سياسي، مع صعود قوى جديدة، ومع إعادة تعريف مركزية فلسطين. 

أي إن إدخال عصر الطوفان في تحليل المسألة اليهودية يمنح الكتاب بعداً راهناً وحيوياً، إذ يحوّله من دراسة تاريخية إلى قراءة في لحظة التحول.

فالطوفان ليس مجرد حدث، بل هو اختبار للحل الصهيوني، وانكشاف لحدوده، وإعادة طرح للسؤال الأساسي: 

هل يمكن حل مأساة تاريخية عبر إنتاج مأساة أخرى؟ والجواب الذي يميل إليه كتاب "المسألة اليهودية في عصر الطوفان"7، هو أن ما لم يُحل في الأصل، لا يمكن أن يستقر في الحاضر، بل سيعود دائماً بأشكال أكثر حدّة كما يحدث اليوم.

اخترنا لك