الكلامنجية

الوعي المعرفي لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح شرطاً للبقاء في زمن تتعدّد فيه ساحات القتال، وتتشابك فيه أدوات المواجهة. حين تتساوى في قنوات التواصل أصوات الخبراء الحقيقيين مع أصوات المتاجرين بالوهم.

  • إن إعادة بناء علاقة الجمهور بالمعرفة ليست مجرد مسألة تقنية بل هي مشروع ثقافي بامتياز
    إن إعادة بناء علاقة الجمهور بالمعرفة ليست مجرد مسألة تقنية بل هي مشروع ثقافي بامتياز

كلما اشتعلت نار أو انفتحت جبهة، يقفز إلينا من الشاشات جيش من "المحللين" و"الخبراء"، كأنما نزلوا لتوهم من برج عاجي وهمي. ولكن ما يحدث اليوم في لبنان الذي ينزف، والمنطقة التي تغلي، يفضح هؤلاء على حقيقتهم: ليسوا أكثر من غوغاء يتحدثون بلغة الغوغاء، يبسّطون أعقد الملفات كما لو كانت مسألة حساب بسيطة، ويدّعون الفهم بما لا يفقهون، فيبيعون الوهم على أنّه علم، والثرثرة على أنها تحليل.

غوغاء الشاشات

إنهم جيل جديد من الكلامنجية، هؤلاء الذين صاروا يملؤون الشاشات كلما حانت أزمة أو اشتدت حرب. يدّعون قراءة الأحداث وتفسير خلفياتها وتحليل دلالاتها وتوقّع مآلاتها، وكأنما امتلكوا مفاتيح الغيب بعد أن فقدوا أبسط مفاتيح العلم.

الأدهى أن بعضهم لم يحمل سلاحاً قط، ولم يعرف للجبهات طريقاً، ولا يعرف طبيعة الجغرافيا، ولا يجيد حتى قراءة الخرائط، فإذا به بعد التقاعد يصبح "خبيراً استراتيجياً" يفتي في أمور الحرب والسلام! وآخر كان موظفاً في دائرة غامضة فبات "محللاً سياسياً" يعيد صياغة التاريخ بجرّة قلم. هذه ليست خبرة، هذه مهزلة. هذه ليست معرفة، هذه صناعة وهم بلغة برّاقة.

إنهم يعتمدون لغة الغوغاء والرعاع: التبسيط المخلّ، الادعاء بالمعرفة، الجزم بما لا يمكن الجزم به، والوقوف على كل شيء كأنهم شركاء في صنع القرار. يطلون عبر قنوات تلهث وراء "الرايتينغ" و"المشاهدات"، لا وراء الحقيقة. هم رهان القنوات على ملء الفراغ الزمني، ورهان المشاهد الكسول على إيهام الفهم بلا عناء.

صناعة الوهم

في لبنان اليوم، حيث يرتقي الشهداء وتدمر البيوت، وتدوي أصوات المدافع وصرخات الثكالى، ويستبسل المدافعون عن الأرض، نجد هؤلاء السحرة الجدد ينثرون كلماتهم كالرماد على جراح الناس. يتحدثون عن "المعادلات المتغيرة" وكأنها لعبة شطرنج، وعن "التحديات الاستراتيجية" وكأنها تمرين أكاديمي، وعن الصراع الدامي وكأنه مشهد من فيلم.

يتحدثون بلغة "العمق الاستراتيجي" و"المحاور" و"الرهانات"، وكأنهم يعرفون ما يدور في غرف القرار هنا وهناك. يستشهدون بـ"مراكز أبحاث" وهمية، و"مصادر عليمة" لا وجود لها إلا في خيالهم، ويطلقون أسماء كبرى على معاهد لا عنوان لها، كالساحر الذي ينثر غباراً لامعاً ليُلهي عن فراغ اليد.

وهكذا يصبح المشاهد، في لحظة استرخائه المعرفي، شريكاً غير طوعي في لعبة التضليل، حين يبتلع السم ممزوجاً بعسل البلاغة الرخيصة، بحثاً عن تفسير سهل يريحه من عبء التساؤل والتفكير.

محرضون في ثياب محللين

لكن ثمة فئة أخطر، لا تقف عند حد العجز الفكري أو التضليل غير المقصود، بل تتجاوزه إلى التحريض الصريح على بني جلدتها، والتماهي البشع مع خطاب العدو. هؤلاء ليسوا مجرد "غوغاء"، بل هم "طابور خامس" يلبس ثوب الخبرة، يستغل المنصة الإعلامية ليضرب في نسيج المجتمع الداخلي، ويعيد إنتاج روايات العدو بلغة عربية فصيحة، وكأنها حقائق لا تقبل النقاش.

تراهم في لحظات الاشتباك الأعنف، حين تكون الجبهات مشتعلة والدماء ساخنة، يخرجون ليطعنوا في المقاومة باسم "الواقعية"، ويُضعفوا الجبهة الداخلية باسم "النقد الموضوعي"، ويشككوا في النوايا باسم "التحليل البارد". يتحدثون بلغة العدو ذاتها: يسمون "المقاومة" مغامرة، و"الرد" تكسّباً، و"الدفاع" تهوراً، و"الوحدة" عصبية مذهبية. وكأنما يتسابقون مع قنوات العدو في ترديد السردية ذاتها، لكن بلغة "محلل استراتيجي" لا بلسان "معلق عدائي".

إنهم يمارسون أخطر أنواع الخيانة: خيانة الفكر قبل الأرض، وخيانة الانتماء قبل المواقف. لأنهم لا يكتفون بتبني خطاب العدو، بل يعيدون صياغته ليكون أكثر قبولاً في الوسط المحلي، فيضربون من الداخل بما لا يستطيع العدو أن يضربه به من الخارج. والأخطر أنهم يفعلون ذلك وهم يرددون شعارات "الوطنية" و"المصلحة العليا"، وكأن الخيانة حين ترتدي عباءة الحكمة تصبح فضيلة.

حماقة المدافع الأعمى

في المقابل، نجد صنفاً آخر لا يقل ضرراً، وإن اختلفت النوايا. إنهم أولئك الذين بضحالة معرفتهم وسطحية فهمهم يسيئون إلى القضية التي يدافعون عنها، عوض أن يخدموها. وهؤلاء هم "الكلامنجية" من داخل المعسكر الواحد، الذين يظنون أن النية الصادقة تغني عن الفهم العميق، وأن الانفعال العاطفي يعوض نقص المعرفة.

تراهم يرددون شعارات جاهزة لا تفقه معناها في السياقات المتغيرة، ويدافعون عن خيارات كبرى بمنطق "عواطف" لا بحجج عقلية، ويبسّطون تعقيدات الصراع إلى معادلة ثنائية "نحن الحق وهم الباطل"، فيخرجون الصراع من سياقه التاريخي والسياسي، ويحولونه إلى مجرد "انتصار إيمان" على "كفر"، أو "بطولة فردية" على "تخطيط مؤسسي".

وهذا النوع من الدفاع لا يخدم القضية، بل يفضحها أمام المنصفين، ويمنح الخصم فرصة ذهبية لتصوير المدافعين على أنهم جماعة عاطفية لا تمتلك مشروعاً.

كثيرون هم الذين أضاعوا قضايا عادلة بأيديهم، ليس لأن العدو كان أقوى، بل لأنهم دافعوا عنها بجهل، وقدسوها بعاطفة، وجعلوا منها "صنماً" لا يمكن نقده أو تطويره، فتحجرت وماتت. إن الدفاع عن قضية لا يبدأ من الفم، بل يبدأ من الرأس. قضية لا تُقرأ بعمق، وتاريخها لا يُدرس بتجرد، واستراتيجياتها لا تُناقش بجرأة، تصبح مع الوقت أضيق من أن تحتمل أبناءها.

تفكيك الوهم

المفارقة أن هذه الظاهرة برمتها – غوغاء الشاشات، والخونة المتخفون، والمدافعون الحمقى – لا تقوم في فراغ، بل تستند إلى خلل في علاقة الجمهور بالمعرفة. فالفضاء الإعلامي الجديد، الذي كان من المتوقع أن يكون أداة للتنوير، تحول في جزء كبير منه إلى سوق للوهم، يجد فيها هؤلاء رواجاً لأن نموذج التلقي السائد لم يعد يحتمل عناء البحث والتمحيص. وهنا تكشف المعادلة عن وجهها الحقيقي: ليست المشكلة في وجود الكلامنجية فحسب، بل في وجود بيئة خصبة تنتجهم وتكرس نفوذهم.

لقد انقلبت شروط المعرفة في العصر الرقمي. فالمعلومات، التي كانت بالأمس حكراً على نخب ضيقة، صارت اليوم متاحة بوفرة غير مسبوقة. صار الأرشيف مفتوحاً، والمكتبات الرقمية تقدم دراسات محكمة، ومراكز الأبحاث الحقيقية تنشر تحليلات مدعومة بالبيانات. لم تعد المعرفة عصية على من يطلبها، بل صار العصيان في الإقبال عليها. وهكذا، فإن الاستمرار في الاكتفاء بـ"كلامنجية" الشاشات لم يعد ناتجاً عن عجز معرفي بقدر ما هو اختيار للكسول المعرفي الذي يفضل الاستهلاك السهل على عناء البحث.

إن مفارقة اللحظة أن من يدّعون الخبرة اليوم غالباً ما يكونون أقل الناس ارتباطاً بمنابع المعرفة الجادة. فالزي العسكري السابق لا يمنح صاحبه عصا موسى لفك شيفرات العالم، والتقلد بمنصب سابق في دائرة غامضة لا يجعل أحداً "خبيراً استراتيجياً" يحلل حركة التاريخ بجرّة قلم. العمق ليس في وفرة الكلام، بل في القدرة على تتبع الحجج وفحص المصادر ووزن الأدلة. لكن هذا النوع من التفكير يتطلب أدوات لا تتوفر في خطاب الاختزال والتبسيط المخل.

التحصين المعرفي

لعل ما يميز هذه المرحلة هو انكشاف زيف الألقاب والرتب على حقيقتها. فالخبرة الحقيقية لا تُمنح بانتهاء خدمة عسكرية أو منصب إداري، بل تتراكم عبر سنوات من البحث المنهجي، والاطلاع المستمر، والانخراط في نقاشات أكاديمية جادة.

يمكن اختبار أي "خبير" يطل من الشاشة بمجرد تتبع منهجه: هل يستند إلى مصادر يمكن التحقق منها؟ هل يقدم حججاً قابلة للنقض؟ هل يقر بحدود معرفته أم يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة؟ هذه الأسئلة ليست مجرد أدوات نقدية، بل هي أساس أي علاقة عقلانية مع الخطاب العام.

ثمة فرق جوهري بين من يمارس "صناعة الكلام" ومن يمارس "إنتاج المعرفة". الأول يبني نجاحه على قدرته على جذب الانتباه، فيعمد إلى التبسيط المخل، والجزم بما لا يمكن الجزم به، والوقوف على كل شيء وكأنه شريك في صنع القرار.

أما الثاني، فلا يخشى الاعتراف بحدود معرفته، ويميز بين التحليل الممكن والادعاء بما وراءه، ويقدم حججه في سياقها المعرفي لا في سياق اجتذاب المشاهدات. إنها فجوة بين منطق الإعلام التجاري الذي يكافئ الصوت الأعلى، ومنطق المعرفة الذي يكافئ الحجة الأرسخ.

ضرورة نقد الذات

غير أن أشد هذه الظواهر تعقيداً هي تلك التي تظهر في صفوف المناصرين لقضايا عادلة. هنا تتداخل النوايا الحسنة مع سوء الفهم المعرفي، فينتج مركب خطير من "الدفاع المدمر". فالمدافع الذي لا يتقن أدواته لا يخدم قضيته، بل يقدمها للخصم على طبق من الضعف.

إنه يختزل تعقيدات الصراع إلى شعارات جذابة، ويحول التحليل الاستراتيجي إلى وعظ أخلاقي، ويستبدل القراءة الباردة للوقائع باندفاعات عاطفية. وما يفعله في النهاية هو تحويل قضية سياسية – تاريخية إلى "أيقونة" لا تقبل النقد، ما يجعلها عاجزة عن التجدد والتكيف.

هذه الظاهرة تستدعي مقاربة نقدية داخلية لا تقل حدة عن النقد الموجّه للخصم. فالانتماء الحقيقي لقضية لا يعني التقديس، بل يعني القدرة على قراءتها بجرأة، وتشخيص نقاط ضعفها، وتطوير أدواتها. القضايا التي حوصرت في دائرة القداسة هي ذاتها التي فقدت قدرتها على استقطاب العقول الجديدة، وتحولت إلى تراث جامد بدل أن تكون مشروعاً متجدداً. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية عادلة هو أن يدافع عنها أنصارها بطريقة تجعلها عرضة للهزيمة المعرفية قبل العسكرية.

ضرورة المعرفة في زمن الفتن

في النهاية، ما يحدث على الشاشات ليس مجرد سجال عابر، بل هو معركة ضمن معركة. فمن لا يملك أدواته المعرفية يجد نفسه مستعبداً لمن يمتلكون أدوات الخطابة والتضليل. ومن يخلط بين الانتماء العاطفي والفهم العميق يتحول من مدافع عن قضيته إلى سبب في إضعافها. لقد انكشفت في هذه المرحلة حقيقة أن المعركة لا تُربح فقط في الميدان، بل تُربح في العقول أولاً.

الوعي المعرفي لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح شرطاً للبقاء في زمن تتعدد فيه ساحات القتال، وتتشابك فيه أدوات المواجهة. حين تتساوى في قنوات التواصل أصوات الخبراء الحقيقيين مع أصوات المتاجرين بالوهم، والمخلصين مع الخونة، والمدافعين العقلاء مع الحمقى، تصبح القدرة على التمييز هي الدرع الأخير الذي يمنع الانزلاق إلى مستنقع التضليل.

إن إعادة بناء علاقة الجمهور بالمعرفة ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي مشروع ثقافي بامتياز. مشروع يعيد الاعتبار للقراءة العميقة بدل الومضات السريعة، للتحليل المبني على الحجج بدل الجزم بالادعاءات، للشك المنهجي بدل الانقياد الأعمى. فالحقيقة لا تُمنح، بل تُنتزع، ولا تُستهلك، بل تُبنى.

اخترنا لك