الغابة هي جوهرنا الفطري الذي يتعرّض للاختطاف
مازال "الأدب الأخضر"في الساحة العربية نادرًا إلى حدّ ما! وعندما نجد رواية مكتوبة باللغة العربية تتناول هذا الجانب، لا تكون الثيمة البيئية هي محور الرواية، وإنّما جانبًا مكملًا.
-
قانون الغابة لسمير يوسف
يعدّ الأدب البيئي، أو ما اصطُلح على تسميته بـ"الأدب الأخضر" موضوعة سردية حديثة إلى حدٍّ ما، أخذ فنّ الرواية يتناولها، عندما تنبّه الروائيون في القرن العشرين إلى الضرر الآني والمستقبلي الذي يسبّبه التطوّر الصناعي والتقني بحقّ الطبيعة. إنّ التوجه البيئي للسرد الروائي لا يقف عند حدود الوصف الرومنسي للطبيعة أو التغنّي بسحرها، وإنّما يتحوّل إلى مانيفيستو جمالي يسائل علاقة الإنسان بكوكبه في عصر أصبح النشاط البشري يشكل تأثيرًا جوهريًا وملموسًا بقوة على النظم البيئية والجيولوجية للكوكب الأرضي. مازال الأدب الأخضر في الساحة العربية نادرًا إلى حدّ ما! وعندما نجد رواية مكتوبة باللغة العربية تتناول هذا الجانب، لا تكون الثيمة البيئية هي محور الرواية، وإنّما جانبًا مكملًا، لكن عندما نلقى سردًا يهتم بالبيئة حقًّا، كما في نوفيلا سمير يوسف: "غابة، الصادرة عن دار نوفل" نلحظ بأنّ أجواء الرواية تدور في قرية فرنسية تدعى "ميتسا" وكأنّ الكاتب عبر هذه المفارقة يقرع جرس الإنذار بغياب هذه الاهتمامات البيئية عن الواقع العربي، فكيف بالمتخيّل السردي؟
يفتتح يوسف روايته بمقطع يتذكّر فيه توماس أباه الذي كان صيادًا في الغابة التي تحفّ بقرية ميتسا، لكنّه صياد للجمال يراقب سرب البط، متأمّلًا جماله في سماء ميتسا الرمادية، بينما يعلّق على كتفه بندقيته ذات السبطانة الطويلة التي تعود إلى زمن صناعي غابر. تذكّرنا افتتاحية الرواية بمقولات الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيجا إي جاسيت في كتابه "تأمّلات في الصيد" الذي كان يرى بالصيد الطبيعي وليس المُمكنَن، إجازة من تاريخ الإنسان الحديث المتهالك في السيطرة على كل شيء، وكأنّ فعل الصيد القديم استعادة للوحدة المفقودة مع الطبيعة بعد التطور التكنولوجي الهائل الذي سمح للصياد الحديث أن يتفوّق بشكل نهائي على الطريدة، وهذا ما سبّب القطيعة بين الإنسان وبيئته، فلم يعد الإنسان جزءًا حيويًا من الطبيعة، بل أصبح الآمر الناهي عليها. إنّ ما يطرحه أورتيجا هو عودة إلى التوازن بين الإنسان/ الصياد والطبيعة/ الطريدة حيث احتمالات الفشل أكبر بكثير من احتمالات النجاح، لكنها تمنح الإنسان شعورًا بالمعنى الحقيقي لوجوده على هذه الأرض والجمال الذي يعيش فيه. لذلك نجد في رواية يوسف ولكونها سردية بيئية تمنح الأولوية للقوى الدافعة للسرد إلى الطبيعة، لا إلى الإنسان ابتداءً. إنّ المحرك الحيوي للأحداث والذي يفعّل شخصيات النوفيلا من توماس إلى إيلينا وماكس وآري والنقيب أندري وغيرهم، يظهر بعد أن تقرّر إحدى الشركات التقنية إقامة ما يشبه وادي السيليكون الأميركي في قرية ميتسا الفرنسية وهذا يعني تدمير الغابة وتلويث البحيرة وفقدان براءة الطبيعة. من هذا المنحى تبدأ الشخصيات بالتجادل والتصارع مع هذا الحدث، من خلال ما تحمل من أفكار ورؤى وقناعات فكرية ووجودية، فتوماس كائن رومنسي يلهث وراء جمال أفلاطوني، فهو متعلّق بأشيائه القديمة من سيارته "اللادا" التي توقّف إنتاجها، إلى أسطوانات الموسيقى، رافضًا التقنيات الجديدة كنتفليكس والسبوتيفاي. بينما إيلينا أقرب للعقلانية البراغماتية حيث ترى الجمال أو القباحة أمورًا نسبية ولا يمكن عيش الماضي في الحاضر، لذلك تحاول جاهدة أن تخفّف من اندفاع توماس. فيما ماكس الذي يدعم صديقه توماس في وقوفه ضد الشركة لا ينطلق من أفكار أفلاطونية بل هو أميَل إلى جماليات العادة والمألوف والشركة إن نجحت في مسعاها ستهدم روتينه. تأتي آري كشابّة من عالم افتراضي لكنّها تحب الطبيعة لذلك تصطفّ مع هؤلاء الأصدقاء، وكأنّها أمل ما بجيل "زد وألفا" الذي نشأ في الوقت الذي بدأ فيه العالم الافتراضي ينافس العالم الواقعي على مستويات الوجود الإنساني المختلفة. أمّا النقيب أندري صديق توماس القديم فيجد نفسه في بؤرة الحدث، تتجاذبه ضرروتان، الأولى، بأنّه القائم على تنفيذ القانون وبالتالي عليه أن يقبض على توماس، والثانية، تكمن في محبته للطبيعة، فلقد بنى كوخًا صغيرًا قرب بحيرة ميتسا سيكون ملجأه قريبًا بعد التقاعد.
لا يتأخّر يوسف بإضرام النار في روايته، فمنذ البداية نكتشف أنّ توماس قد مارس إرهابًا بيئيًا بحقّ شركة التقنية التي تريد أن تستولي على ميتسا. إنّ فعل الحرق الذي أقدم عليه توماس هو الذروة الدرامية للنص، فهو حين يضرم النار في الآلات ومساكن الشركة، لم يكن يرى بفعلته جرمًا جنائيا بحتًا، وإنّما طقسًا تطهيريًا، فالنار هنا هي لغة بديلة عن العجز الذي وصل إليه في مواجهة شركة التقنية، بعد أن استنفد كل الوسائل السلمية والقانونية والشعبية. بعد هذه التوطئة العاصفة للنوفيلا يعود الروائي إلى ما قبل الحريق ليثير الأسئلة عن مشروعية فعل توماس وهل هناك عنف بحقّ؟ ومتى يكون ذلك؟ كان توماس يقود جبهة معارضة في مواجهة الشركة وداعميها، كونه من مناصري البيئة وبحكم أنّه رئيس البلدية. أمّا على صعيد حياته الشخصية، فقد كان يخوض نقاشات جدلية مع إيلينا تبرّر موقفه، فهو لا يعارض لأنّ قبر أبيه سيُجرف، لأنّه دُفن في الأرض التي اختارتها الشركة لإقامة منشآتها، ولا لأنّه مجرد رومنسي حالم، كما تصفه عشيقته إيلينا، فما تفعله الشركة برأيه، هو تدمير ممنهج لمعنى الجمال الأفلاطوني، فما الذي سيبقى من الإنسان بعد أن يكتسحه العالم الافتراضي ويصبح أسير شاشة رقمية، وماذا عن أشجار الغابة ونقاوة مياه البحيرة، فكل هذا سيذهب لتحلّ محلّه أبنية إسمنتية وطرقات سريعة وتلوث للبيئة. كانت إيلينا تمسك العصا من المنتصف، فلا أحد قادر على إيقاف عجلة التقدم ولا أحد يستطيع أن يعيش في الماضي، فالماضي الجميل هو خدعة الذاكرة، لكنّها تتفهّم توماس وتقف إلى جانبه، ليس فقط لأنّها ترى في معارضته الصواب، بل لتحميه من تطرّفه أيضًا ولأنّها تحبّه. تتداخل جدالات توماس وإيلينا مع خطّ صديق توماس ماكس الذي هو الآخر لا يقل تهوّرًا عنه، فلقد أطلق النار على سيارات الشركة بواسطة بندقية قديمة، لا يوجد سجلّ لنوعية رصاصاتها لدى الشرطة! هؤلاء الثلاثة، إنْ صحّ القول، ليسوا عصريين بالمعنى الحرفي للكلمة، فهم يعارضون شركة تقنية من باب ردّ الأذية المادية والروحية عن الطبيعة، لذلك كان لا بدّ من وجود آري فتاة من جيل العالم الافتراضي التي تعرف أغواره وتجيد استخدامه، وعندما قادت حملة ممنهجة على النت بواسطة السوشل ميديا كسبت المجموعة المعارضة للشركة زخمًا على مستوى فرنسا. لكن كما للعالم الواقعي مخاطره، أيضًا للعالم الافتراضي مضارّه، فلقد رتّبت لها فضيحة جنسية مزيّفة بواسطة تقنيات هذا العالم الافتراضي وانتقل بعدها التهديد إلى الواقع، حيث يُقتل كلبها لإشعارها بمدى جدية التهديدات التي تصلها عبر النت.
تتشابك خطوط الشخصيات وتتصاعد حدّة الأحداث، فتبدأ علاقة توماس بإيلينا بالتفكّك، وينفصل ماكس عن زوجته، وينخرط في علاقة مع آري في ثنايا الغابة، وكأنّهما يحاولان أن يمتزجا بالطبيعة الأم، فيما تحاول آري أن تتعافى من الأذية التي لحقتها بسبب انضمامها لمجموعة توماس. وفي تطور مفاجئ تقتل آري بطعنة سكين بينما ينجو ماكس بعد اشتباكهما مع مجموعة من السكارى تنمّروا على آري بسبب الفضيحة الجنسية المزيفة. تُقام جنازة مهيبة لآري على شاطئ بحيرة ميتسا يحضرها الكثير من المناصرين من أنحاء فرنسا كافة. وفي خضمّ هذا الحزن الذي ألقى بأثقاله على ميتسا، يقوم توماس بإحراق مجسّم لنظام أندرويد، ويلقي تأبينًا أقرب للبيان الثوري. تدفع هذه الأحداث توماس، ليجد نفسه قد خسر كل شيء، من ذكرياته إلى قبر أبيه وحب حياته، ومقتل صديقته الشابة، وكل ذلك بسبب شركة التقنية، فكان العنف هو الحلّ الأخير الذي ظل متاحًا له على الرغم ممّا سيترتب عليه من مضاعفات قانونية. كان توماس قد هيّأ الحجج التي سيدفع بها اتهامه بإحراق معدات ومساكن الشركة أثناء العاصفة الثلجية، لربما لمستوى الشرطة التقليدية التي يقودها النقيب أندري، لكن ليس للمخابرات التي خضعت لضغوط شركة التقنية، فيُخطف ماكس من قبل رجال مقنّعين ويخضع لتعذيب نفسي تحت تأثير مصل الحقيقة، لكنّه يقاوم عندما يرى مجموعة من اليعاسيب الملونة وكأنّها رسالة من الطبيعة الأمّ له. وأمام هذا الواقع تتدارك إيلينا غضبها من توماس، وتبدأ بالاشتغال مع أندري على تعويم قضية توماس إعلاميًا، للضغط على رجالات المصالح المالية والسياسية في الدولة وذلك لإطلاق سراح توماس. وفي الخفاء كان أندري يعمل على طمس أدلة إدانة توماس بدلًا من كشفها كضابط شرطة. تقود ضغوط إيلينا وأندري إلى إطلاق سراح توماس. ومن ثم يتواطأ الجميع على الصمت في القرية، وكأنّ الحريق مجرد ردّة فعل من الطبيعة، كالاحتباس الحراري وذوبان ثلوج القطبين.
لم يكتفِ يوسف بالثيمة البيئية لروايته والتي طعّمها بمسحة بوليسية، وإنّما جعلها مسرحًا للأسئلة الجمالية والوجودية، ووضع الإنسان تحت مجهر المسؤولية، وهل سيكتفي بموقف المتفرّج نحو كل ما يحدث لكوكب الأرض، أم أنّ هناك لحظة يجب فيها خرق القانون الإنساني النفعي والعودة إلى قانون الغابة الذي ظُلم باتهامه بصفة الوحشية، بينما التوحّش الحقيقي يكمن في قناعة الإنسان، بأنّه السيد المطلق على هذه الأرض يفعل بها ما يشاء.
إنّ رواية "غابة" لسمير يوسف تقول لنا، بأنّ الغابة هي جوهرنا الفطري الذي يتعرّض للاختطاف، وأنّ النار التي أوقدها توماس ستبقى نورًا كاشفًا لعتمة الانحدار الذي نعيش فيه، بسبب التغوّل الرقمي الذي لا يعترف بالعلاقة العضوية للإنسان مع المكان. إنّ "غابة" مرثية لزمن الجمال البطيء وانتصار أخلاقي للحواس التي ترفض أن تتعطّل أمام سطوة التقدّم التقني، وتذكير بأنّ الأرض تنتمي لمن يحمي صمتها النبيل.