"صنّاع النقود": العالم السّري لطباعة أوراق النقد
يوجد ثلاث شركات طباعة نقد خاصة ما زالت تقتسم السوق العالمية المتاحة وجميعها في أوروبا، دي لارو الإيطالية، وجيزيكه أوند ديفرينت، الألمانية، وفرانسوا شارل أوبرتورفيدوسبير، الفرنسية.
-
العالم السّري لطباعة أوراق النقد "صنّاع النقود "
الأموال التي نملكها هي سبيل الحرية. أما الأموال التي نفتقر إليها ونحاول الحصول عليها فهي سبيل العبودية.
جان جاك روسو، اعترافاته في الكتاب الأول
من منّا لا تمتد يده إلى جيبه كل يوم وتتناول قطعة ورقية نقدية، إنّها الوسيلة للتعامل بين الناس، لكن صناعة هذه الأوراق يجري إخفاؤها عن عامة الجمهور. تهيمن الشركات الأوروبية على سوق طباعة النقد العالمية بما فيها من آلات الطباعة الخاصة، والأحبار المؤمّنة. إضافة إلى المعدات المؤتمتة التي تستخدم لفحص أوراق النقد فحصاً دقيقاً، أو الفرامات المؤمنة التي تستخدم لإعدام الأوراق النقدية المستعملة. ولا ننسى بأن هذه العملية يسيطر عليها عدد قليل من الشركات الأوروبية العالية التقنية. وهذا كله يكاد يكون غير معروف للعامة. ويجري تبرير هذه السرية دوماً باعتبارها من لوازم الأمن المشدد المحيط بإنتاج منتج شديد الخصوصية. وإن كانت هذه السرية أيضاً نتاج هيكل السوق - ذلك الهيكل الشديد التسييس- الذي تعمل فيه البنوك المركزية ومطابع أوراق النقد الحكومية والخاصة، وهو وضع لا يختلف عما هو سائد في صناعة السلاح.
تشكل السياسة النقدية، بمعنى الحق الحصري في إصدار النقود، سواء كانت معدنية أم ورقية، من الركائز التي تقوم عليها أي دولة، وحق ضرب النقود المعدنية منوط بوزير المالية، وهذه النقود تفيد كمصدر إضافي لإيرادات الموازنة. لكن إنتاج النقود الورقية وإصدارها منوط حصرياً بالبنوك المركزية عدا استثناءات قليلة جداً مثل هونغ كونغ وسنغافورة. في كل البلدان الكبيرة اليوم، تسمح البنوك المركزية بإنتاج نقدها في المطبعة الحكومية وتبقي أعينها مفتوحة لاكتشاف أي تعدّ على نفوذها، في الأيام الأولى للنقود الورقية، إبان القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كانت بعض شركات طباعة النقود من القطاع الخاص تهيمن على السوق العالمية في تلك الأيام وكانت تملي الأسعار، كانت البلدان التي بمقدورها امتلاك مطبعة نقد حكومية خاصة بها تعد على أصابع اليدين الاثنتين، وبعد الحرب العالمية الثانية، تمخضت الابتكارات الفنية في تصميم آلات الطباعة.
لا تقاس قيمة الأوراق النقدية بالأرقام فحسب، إذ هي للحكومات مثل الكروت الشخصية للأفراد، بل وتحمل رسائل سياسية دقيقة، ففي كثير من البلدان صارت أوراق النقد رمزاً للهوية الوطنية وعامل اندماج، حيث يغدق أعظم قدر من العناية الفنية والجمالية والتقنية على إعدادها، وبهذا السياق، اختار البنك الحكومي الفنلندي مثلاً جانباً من النصب التذكاري الذي أقامه الفنلنديون في وسط هلنسكي للقيصر الروسي ألكسندر الثاني ليضعه على ورقته من فئة 20 مارك فنلندي سنة 1897. تخضع أوراق النقد للتمحيص الدوري من قبل البنوك المركزية للتأكد من أصالتها وحالتها المادية، بمتوسط ثلاث مرات سنوياً، ويتم هذا الإجراء بطريقة مؤتمتة تماماً، على الأقل في مجال العملة الأوروبية المشتركة وهو بمنزلة ضمان لأن تكون أوراق اليورو عموماً بحالة جيدة في البلدان الأعضاء الاثني عشر، حتى أن الجوانب الصحية لأوراق النقد تفحص باستمرار وفي سرية تامة في المختبرات.
تنتج مطابع مجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو 9 مليارات ورقة نقدية لعملة الدولار سنوياً، وتعتبر المطبعتان اللتان يشغلهما مكتب سك وطباعة العملة نموذجين للكفاءة، ومع ذلك فإن نجاحهما يستند إلى تكنولوجيا طباعة أوروبية تحيط بها تدابير أمنيه صارمة . فبالنسبة لأميركا وحربها ضد التزييف، كانت التكلفة التي تكبدها الدولار فيما يتعلق بتزييف الأوراق كبيرة، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما يسمى السوبر دولار، وهو ورقة نقدية مزيفة من فئة الــ 100 دولار ذات جودة عالية يتعذر تمييزها عن ورقة سليمة من فئة 100 دولار أيضاً على غير المختصين.
سبب خصوصية سوق طباعة النقود
ضمن اجتماع عُقد في فندق جراند هوتيل اكسلسيور الفاخر في روما : أسرّ خبير إيطالي ينتمي إلى قطاع صناعة النقود للحضور، بقصة الإيطالي السويسري" جوالتيرو جوري " المدهشة. المعروف باسم "رينو" الذي كان له الفضل بتطوير الآلات المستخدمة في طباعة الانتاليو (الطباعة من سطح غائر ) المتعددة الألوان التي تميزت بدقتها الشديدة، ومن ثم وفرت حماية فعالة ضد التزييف، إلى درجة أنه لم يعد ممكناً لمطبعة ذات تدابير أمنية عالية في العالم أن تعمل من دونها. يعود تاريخ الإنتاليو ( وهي كلمة أصلها إيطالي بمعنى يحفر أو ينقش ) كتقنية لحفر الألواح المعدنية إلى مصانع الأسلحة في ميلانو إبان عصر النهضة. التي كانت تستخدم مثل هذه الألواح لتزيين الدروع المستخدمة في الاحتفاليات، أُطلق على هذه العملية الحفر بالإزميل أو الحفر بالحامض في فنون الرسم والطباعة. أحدث جوالتيرو جوري- كما روى ذلك الشخص العليم بالأسرار - ثورة باستخدام هذه التقنية في طباعة النقد والسندات المالية متعددة الألوان، وصار بحكم الواقع محتكراً عالمياً لسوق طابعات السندات المالية.
تشكل طباعة النقد وتصنيع الورق المؤمن المرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، قلب هذا القطاع ذي الإجراءات الأمنية الصارمة من قطاعات الصناعة، ومع ذلك فإن الطباعة المؤمنة تشتمل على ما هو أكثر بكثير، فهناك الشيكات والسندات المالية وجوازات السفر وبطاقات الهوية ورخص القيادة والنماذج الضريبية والطوابع وأوراق اليانصيب وتذاكر الفعاليات الكبرى وتذاكر الطيران، وهناك الشرائط الممغنطة والرقائق الإلكترونية المدمجة في البطاقات البلاستيكية المستخدمة في الدخول والمدفوعات والهواتف الخلوية وخدمات التأمين الصحي، ومنتجات ما قبل الطباعة والأحبار الملونة والخيوط الأمنية والصور المجسمة والأشرطة المعدنية الرقيقة والخصائص الأمنية الأخرى التي تكون غالباً شديدة السرية، ولا يمكن الحصول على أي من هذه الآلات ولا المواد المساندة، جديدة كانت أم مستعملة، بشكل قانوني في تجارة حرة، كما أن بيع آلة طباعة الانتاليو المستعملة تبلّغ به المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) في ليون بصورة روتينية، إنها عملية إنتاج تتطلب – إلى جانب أعلى درجة من الحذر – أعلى درجة من الدقة. وكما نوهت مجلة برنت ويك المتخصصة في عالم الطباعة بنبرة اعتزاز: لا يوجد منتج صناعي آخر يجمع هذه التشكيلة من المواد المعقدة في عملية الإنتاج بينما يقتضي في الوقت نفسه معدلات التفاوت هذه التي تكاد تكون منعدمة.
طباعة النقود تمثل نوعاً متقدماً من التكنولوجيا. وهناك قطاع حصري صغير من الصناعة فقط ينتج هذا، وهنا، الكل يعرف الآخر معرفة شخصية، بما في ذلك العملاء، بمن فيهم عملاء المرء وعملاء منافسيه. يجتمع ممثلو البنوك المركزية وأجهزة الأمن ومستشاروهم المستقلون نوعاً ما بانتظام لتبادل الرؤى، وتقتصر المشاركة على الدعوة الشخصية، ويكون الاجتماع دائماً في أماكن فخمة مختارة في فنادق مترفة منتقاة بعناية، إنهّم على وعي تام بصنعتهم ومنتجاتهم ويرون أنفسهم كمؤتمنين على أسرار الحكومات. المنافسة شديدة بينهم وغالباً مريرة، ومع ذلك هم على اتصال دائم فيما بينهم، ويساعد بعضهم بعضاً بالطاقة الإنتاجية الطباعية في سرية تامة. وأحياناً يكونون على استعداد للتخلي عن حرب مزايدات ليس تحديداً من أجل مصلحة العملاء.
لا توجد بيانات رسمية متاحة حول أحجام سوق أوراق النقد العالمية أو قيمتها. تقدر شركة الاستشارات البريطانية سكيورا موند إنترناشونال المحدودة، الكائنة في كنجزكلير في بيركشاير، بأن هناك ما مجموعه 180 أو 190 مليار وحدة (ورقة نقد مفردة) مطروحاً للتداول لسكان العالم البالغ عددهم حالياً 6 مليارات نسمة على الأقل. وتقدر الشركة حجم طباعة النقد بما يرواح بين 85 و95 مليار وحدة سنوياً. هناك حاجة إلى معظم تلك الوحدات كي تحلّ محل أوراق مسحوبة من التداول. تحتل الصين المركز الأول عالمياً بطبعها 20 مليار وحدة نقدية سنوياً، لكن حجم هذه الأوراق لا يساوي أحياناً إلا نصف مساحة وجه علبة سجائر، ويأتي في المركز الثاني الهنود حيث تطبع 16 مليار وحدة.
يعتمد احتياج بلد ما من أوراق النقد على درجة التنمية الاقتصادية والأحوال المناخية. وهناك قاعدة عامة في هذه الصناعة تقول إنه يتعين ضرب عدد السكان في المنطقة المعتدلة بعشرة لحساب احتياج البلد السنوي التقريبي من أوراق النقد، وتكون الحاجة إلى الاستبدال أعلى في المناطق الرطبة، وتتطلب الطباعة ذات التدابير الأمنية الصارمة كثيراً من المال، لا يوجد أساساً إلا ثلاث شركات طباعة نقد خاصة ما زالت تقتسم السوق العالمية المتاحة وجميعها في أوروبا، دي لارو الإيطالية، وجيزيكه أوند ديفرينت، الألمانية، وفرانسوا شارل أوبرتورفيدوسبير، الفرنسية.
وأخيراً ما يقال في عالم صناعة النقود الكثير والكثير، وكم يزخر هذا الكتاب بما لم نستطع قوله في هذه الوقفة البسيطة، من تاريخية أوراق النقد، وصانعي الطابعات في العالم، والمبيعات، والقيمة التعاقدية لنشاط الأعمال في أوراق النقد، ومن الجميل والمهم أيضاً أن نحظى بمعرفة ما تنطوي عليه عناوين الكتاب العديدة، لماذا أصبح اليورو منجم ذهب لصناع النقود؟ ولماذا يواجه اليورو مشكلة تتعلق بالأمن؟ سبب خصوصية سوق طباعة النقود؟ من" الأوبيلوس" إلى "النقد الإلكتروني "، لماذا حقق السيد عمون النجاح ذاته بحبر الطباعة؟ وكيف حقق السنيور جوري احتكاراً عالمياً بطابعاته؟ طباعة اليورو إلى أين؟ يسلّط هذا الكتاب الضوء على صناعة أوراق النقد وطريقة عملها، وبهذه العملية يرفع ستار السرية المفروض على هذه الصناعة.