الشهيد والقضية: سليم النفّار في رواية ليالي اللاذقية

استهدف "جيش" الاحتلال الإسرائيلي الشاعر والروائي الفلسطيني سليم النفّار، عبر قصف منزله بصاروخ من طائرة حربية، فبقي تحت ركام بيته شهوراً طويلة قبل أن يتمّ انتشاله مع زوجته وبناته وابنه الوحيد مصطفى، وأخته وزوجها وأولادهما.

  • الشهيد والقضية: سليم النفّار في رواية ليالي اللاذقية
    الشهيد والقضية: سليم النفّار في رواية ليالي اللاذقية

لم تكن القضية لدى سليم النفّار إلا التزاماً بقضايا الحقّ والعدالة الاجتماعية للإنسان في أيّ مكان، وما انسجامه في مرحلة من حياته مع المجتمع السوري إلا ترسيخاً لهذه القضية وتأكيداً لوحدة الشعب في أقطاره العربية، والتي أدّى المستعمر دوراً لا يخفى على عاقل في تمزيق أوصال الوطن العربي الكبير والحيلولة دون تماسكه واتحاده، وهذا التناغم رصده صاحب "نافذة ضيّقة للفرح" في روايته "ليالي اللاذقية" الصادرة عن ( مكتبة كلّ شيء بحيفا المحتلة) مستلهماً تجربته الخاصة التي عاش فيها باللاذقية وتفاعله مع الوسط السياسي والأحزاب اليسارية فيها وانخراط أبطاله في المجتمع السوري، وتعرّض نخبته للقمع والمطاردة والاعتقال حيث عانى من ضغط مزدوج من الحكومات الإسرائيلية ومن النظام العربي في الوقت ذاته، حيث يحاول الرقيب الدخول إلى عقل المرء وتفكيره قبل السؤال عن أفعاله، والفلسطيني تحديداً مسموح له أن ينخرط في أجندة السلطة وسياساتها فقط، لا أن ينسجم مع معارضيها أو القضايا التي لا ترضى عنها. 

تدور أحداث الرواية في مخيم الرمل قرب مدينة اللاذقية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وتمتد زمنياً عبر فترة السبعينيات والثمانينيات من تاريخ المنطقة العربية، تبدأ في المرحلة الأولى من طفولته عندما نزح مع أسرته إلى سوريا واستقراره فيما بعد بمدينة اللاذقية حيث يغطي أحداث حرب الثمانية والأربعين يوماً وتفاصيل النزوح الفلسطيني، إلى لبنان وسوريا وحكايات الشتات المرّة التي تجرّعها باكراً مع أقرانه.

ومع ذلك يغلب الطابع الاجتماعي على النصّ رغم الإطار السياسي الذي يحاوطه حيث يستعرض ألفة العلاقات الاجتماعية وحميمة العادات المتماثلة عبر أسلوب الاستباق والاسترجاع، فيظهر تشارك الهمّ العامّ مع العوائل السورية من مختلف الشرائح الاجتماعية، متل عائلة الغانم والطيار وسواها من الأسر، وارتباط بطله بالنسب مع أسرة سورية حيث بطله الفلسطيني موزّع بين ارتباطين ذاكرته الجرح الذي لا يهدأ في الوطن السليب، وفي الوقت ذاته مرتبط بالمكان عبر الأخوال والأعمام، الأمر الذي جعل القضايا كلّها مترابطة هنا وهناك، ممّا جعله يشتبك مع التيارات السياسية في المدينة الساحلية وواقع خلافاتها حول مفهوم الديمقراطية والعلاقة مع الأنظمة الحاكمة، إضافة إلى التنويه على واقع القمع المسلط على الجميع من مختلف الأطياف السياسية. 

فبطله وأسرته يتعرّضون للملاحقة والاعتقال والتحقيق لمرات عديدة لتتداخل في ذاكرته أيام النكبة والوحشة والاغتراب، لتكون اللغة أمانه الذي يتفيّأ في ظلّه لتحويل مناخ الامتهان والانتهاك الإنساني إلى طاقة شعورية خلّاقة للاستمرار في الكفاح سعياً وراء حلم ينأى، حلم يعلي من كينونة الإنسان ليطبع ببصمة الدم على أفكاره ومبادئه.

في خضمّ المعترك النضالي وحضور القضية لا ينسى أنه يصيغ مرويته للإنسان، لذا يحضر العالم الرومانسي لأبطاله عبر أجواء العشق والغرام، فعلاقة الحب الناشئة بين عماد وسمية جاءت لتحوّل الأنظار صوب المشاعر الجيّاشة، ومخفّفة في الوقت ذاته من الجوّ المشحون بالخوف والتوتر، بل هي إضافة إلى خلق تلك المساحة من الرقة وشفافية العاطفة هي تعطي قوة صمود وثبات إضافية تجاه الأعداء، أعداء الحرية لتكون حوارية العاشقين حول محاولة الخروج والهجرة خارج البلاد المسورة بالقهر، وكأنها كفر بالمبادئ والقيم  يظهره جواب عماد "من سيجفّف الدماء يا سمية ويمسح الجروح؟ نهربُ مثل الفئران ونترك الناس والبلاد للقتلة". 

كذلك يظهر نموذج آخر من علاقة الطبيب رضوان خريج جامعات الغرب بالممرضة الجميلة دلال، وكأنه يضع معادلة الحبّ والحرية كنقيض وجودي للاستبداد والعنف والقسوة، كما لا يغيب عنه استعراض التيارات الدينية وضياعها بين الانتماء للعقيدة وبين الانتماء للوطن، وكلّهم يرزحون تحت مظلة القمع السياسي ومع ذلك يفشلون في إيجاد صيغة جامعة للالتقاء حول الثوابت الوطنية التي تخدم مصلحة الجميع. 

وعلى الرغم من أنّ حضور سليم النفّار كشاعر أقوى من حضوره بالسرد، ولكنّ هذه الشاعرية أرخت ظلالها على عالم الرواية واستطاع فيها أن يسبر عمق العلاقة التي ربطت بين الإنسان السوري والفلسطيني حيث وحّدهما الهمّ المشترك نحو قضية الحرية وتواشج المصائر، وعلى أرض سورية كانت وحدة العيش والمصير كما جسّدها الشاعر والأديب سليم النفّار الذي عاد في النهاية إلى غزة مصرّاً على استمرار دوره الكفاحي قرب مسقط رأسه، ليستشهد على ثراها المقدّسة وذلك عندما استهدف "جيش" الاحتلال الإسرائيلي الشاعر والروائي الفلسطيني سليم النفّار، عبر قصف منزله بصاروخ من طائرة حربية، فبقي تحت ركام بيته شهوراً طويلة قبل أن يتمّ انتشاله مع زوجته وبناته وابنه الوحيد مصطفى، وأخته وزوجها وأولادهما.

يأتي عنوان الرواية "ليالي اللاذقية" كرسالة حبّ وعرفان إلى المدينة التي تربّى فيها واحتضنته يافعاً ودرس في جامعاتها واغتنى بمودّة أهلها؛ وأحبها وأحبته. 

وإن كنا نستحضر اليوم وقائع التهجير والنزوح فلأننا نرجو ويحدونا الأمل بأن ينتهي والى الأبد جحيم الاحتلال الذي يغتصب الأرض والحقّ ويصادر أوّليات الحياة، وأن تدكّ كلّ الحواجز والمعوّقات التي تحول دون إرادة الإنسان وحريته.

ومنذ البدايات كان الهمّ الثقافي لا يغادر سليم النفّار فقد ساهم مع مثقّفين آخرين بتأسيس جماعة "الكروان" الأدبية في غزة، في تسعينيات القرن الماضي، والتي أخذت اسمها من مكان اجتماعاتها الدورية في مقهى الكروان التاريخي، كما ساهم في تأسيس "جمعية الإبداع الثقافي" في غزة عام 1997. 

والجدير بالذكر أنّ وزارة الثقافة الفلسطينية رشّحت الشاعر الغزي الشهيد، سليم النفّار، ليكون شخصية العام في "اليوم العربي للشعر" لعام 2025 

يذكر أنه للشاعر والأديب الشهيد سليم النفّار عدة مجموعات شعرية، وهي ديوانه الأول "تداعيات على شرفة الماء" (1996)، ثم ديوانه الثاني "سور لها"، فالثالث "بياض الأسئلة"، والرابع "شرف على ذلك المطر"، والخامس "حالة وطن وقصائد أخرى"، وآخرها "حارس الانتظار" (2021)، إضافة إلى كتاب "ذاكرة ضيّقة للفرح" الذي يحكي عن سيرته في المنفى و"فوانيس المخيّم"، و"ليالي اللاذقية".  

اخترنا لك