الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل السلطة
"ما يحدث قد يقودنا إلى ما يسمى "ديكتاتورية البيانات"؛ إذ تستبدل الإرادة الشعبية بحكم الخبير التقني، ويحل محل القيم والأخلاق الإنسانية مصالح شخصية ومطامح لا حد لنهايتها".
-
الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل السلطة
تُبرزُ ظاهرة الذكاء الاصطناعي بوصفها ظاهرة تثير الرهبة والأمل أسئلةً مصيريةً وجوهرية، وضمن هذا السياق، يحضر كتاب "السياسة في ظل الذكاء الاصطناعي" للدكتور فيصل مصلح؛ أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، ليطرح أسئلة مصيرية تحت عدسة البحث والدراسة، ومتسائلاً عما إذا كان الذكاء هو القوة التي عَمَّقت اغترابنا إلى حدّ لا رجعة منه، أم أنه قد يكون الأداة غير المتوقعة لاستعادة ذاتنا الجماعية؟ هل يصبح السياسي تحت تـأثيره مجرد دمية تنفذ إرادة خوارزمية لا تعرف الرحمة ولا تُدرك التعقيد الإنساني؟ أم أننا نُصمّم أنظمة تعمل كمرآة عاكسة لتفكيرنا الجمعي وتكشف تحيزاتنا وتحررنا من عبء الإدارة الروتينية للتركيز على ما هو جوهري في بناء المجتمعات؟ ومما لا شك فيه أن التناقض الكبير الذي يعيشهُ البشر اليوم يطلّ على حقيقتين أساسيتين: الأولى، أننا نعيش في أكثر العصور اتصالاً في التاريخ، إلا أننا، ثانياً، نعَدُّ أكثر أجيال البشر اغتراباً. فالانفصال عن الواقع صار حقيقةً، ذلك أن شبكاتٍ لا حصر لها من التواصل، مصحوبةً بعواصف من العزلة، إلى جانب وفرة في المعلومات، وقحطٍ ظاهر في المعنى، رفقة تقنيات تسعى لاختزال العالم ووضعه بين أيدينا، جعلت الأفق الإنساني يتضاءل وصار البشر غرباء في عالمهم، غرباء عن طبيعتهم ومجتمعهم، وعن ذواتهم التي تنحلّ وتتلاشى في زحام عالمٍ رقميّ صامت.
هذا الاستبدالُ والتأرجح بين عالمٍ حيوي وآخر افتراضي، أفرز خطاباً إنسانياً يتفاعل مع السطحية بصورة غير مسبوقة. وبدلاً من السياسة القائمة على المحاكمة والإقناع، أصبحنا تحت تأثير حكم صناعة الصورة، وتَضخَمَ دور الغرائز. هذا ما يدفعنا للتساؤل حيال ظاهرة الاغتراب الوجودي الذي تنبَّأ به فلاسفة مثل "هايدغر" و"كامو" ويدفعنا أيضاً للتساؤل حيال مدى استسلام البشر وتخلّيهم عن مفاتيح وعيهم لصالح خوارزميات صارت تشكّل رغباتهم، وتصوغ آراءهم، وتحدّد مستقبلهم. ومما لا شكّ فيه، تأخذ بيدهم، عن وعي أو من دون وعي، لتفقدهم السيطرة على إنسانيتهم.
إلا أنّ الجانب الأخطر الذي يطرحه الكاتب، يكمن في الثورة التكنولوجية الحالية التي يقودها الذكاء الاصطناعي. إلى جانب انعدام قدرة الحكومات على فرض الرقابة بشكل كلّي، وذلك لكونها خارج نطاق أي رقيب داخلي أو دولي. وكل المبادرات التي تقوم بها بعض المنظمات من أجل الرقابة على أنظمة الذكاء لا تزال خجولة. ولا بد من الإشارة هنا، إلى مسألة تأثر الآلة بتحيزات صانعها ومبرمجها. فالذكاء الذي يراقب الأشخاص ويقوم بالوصول إلى نتائج مبنية على موقع السكن ومعرفة الأصدقاء... يصل في النهاية إلى وضعه موضع الشك بأنه يقوم بجريمة ما. وعلى سبيل المثال، كثيراً ما يكون "السود" ضحية لهذه البرامج، مع أنهم أبرياء من هذا الاتهام، وسبب ذلك؛ هو تحيزُ الآلة لنهج وفكر وخلفية المبرمج الذي زوّدها بالخوارزميات. وقد أدت التكنولوجيا الذكية التي تعمل على التعرف إلى الوجوه بإلحاق الظلم الكبير بحق الأفارقة الأميركيين بسبب الأخطاء التي ارتكبتها بحقهم. ذلك أنّ تقنية التعرف إلى الوجوه، وثّقت الظلم الكبير الذي تؤديه بحقّ الأشخاص من غير السود لأنها تفضل وجوه البيض على غيرها من الوجوه.
هذه الجدران غير المرئية، واغترابنا في عصر الوفرة والاتصال، يضعنا أمام التحدي الأكبر في عالمنا المعاصر، ويرتبط بمشكلات لا حصر لها مثل: الاكتئاب، والقلق، وفقدان المعنى. هو ما يشير إليه الدكتور مصلح، إذ نفتح باباً آخر من أبواب مستقبل السياسة في ظل أنظمة الذكاء، ذلك أن تحليل الديمقراطية الآلية من أكثر المسائل إثارة للقلق. وفيها يبحث الكاتب عن تأثير أنظمة الذكاء على الديمقراطية: سواء في العملية الانتخابية نفسها، أو في الطريقة التي أدّت بها منصات التواصل المعقدة إلى إحداث ثورة في كيفية توصيل الرسائل السياسية واستهداف الناخبين. بل يذهب أبعد من ذلك، إلى حيث يستكشف إمكانية استخدام الروبوتات، والشبكات الاصطناعية للتأثير في الرأي العام، ونشر الإجماع على معلومات مضللة، وحتى خلق المصادقة التامة حيال قضية ما. وهنا يتساءل المؤلف عما إذا كان بوسع كل حملة انتخابية أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لاستهداف الناخب برسالة تقال له بناء عل تحليل بياناته الشخصية. فما الذي يتبقى هنا من فكرة "النقاش العام" و "المنصة الانتخابية"؟ بمعنى أنه يتم تفتيت الحقيقة، وتُستبدل بملايين الحقائق الخاطئة، الأمر الذي يقوّض الأساس المشترك لأي حوار ديمقراطي. هكذا يمكن للخوارزميات أن تتخذ قرارات أفضل من السياسيين، بيد أنّ ما يحدث قد يقودنا إلى ما يسمى "ديكتاتورية البيانات"؛ إذ تستبدل الإرادة الشعبية بحكم الخبير التقني، ويحل محل القيم والأخلاق الإنسانية مصالح شخصية ومطامح لا حد لنهايتها.
إلاّ أنّ الدكتور مصلح، وبتشريح الوضع الراهن يشير إلى أن العديد من الحكومات العربية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي في شقيه الأمني والرقابي،حيث تتحول الخوارزميات إلى أدوات فعالة لمراقبة الرأي العام، وقمع المعارضة، وإدارة المجتمع بوساطة الخوف. لكنّ كتابه لا يقتصر على هذا الجانب الكابوسيّ، بل ينقلب إلى جانب مشرق ومحتمل، إذ يخصص فصلاً كاملاً لاستكشاف قدرة الذكاء الاصطناعي على أن يكون أداة للتحرر والتحديث. ويناقش إمكانية استخدامه لتعزيز الشفافية، ومحاربة الفساد، أو تحسين الخدمات العامة (في الصحة والتعليم) بشكل يقلل من البيروقراطية والفساد الإداري. بيد أنه يعلّق تلك القضايا بسؤال اختزال السلطة لتلك التقنيات وتعميق الاستبداد. وهنا يتجاوز النقاش التقني ليبحث في تأثير الذكاء الاصطناعي على المفهوم الأساسي للدولة ذاتها. لأن مفهوم "السيادة" التقليدية، التي كانت حكراً على الدولة القومية، تتآكل تحت وطأة قوى تتمثل بشركات التكنولوجيا العملاقة (غوغل) التي تملك بيانات المواطنين وتشكل وعيهم وتتحكم بمنصات التواصل. وفي هذا الصدد؛ يتساءل عن معنى مفهوم الأمة عندما تُدارُ هويتها ورأيها العامّ بخوارزميات تخترق الحدود وتصنع الحقائق. وعن مفهوم "المواطن" وتحوّله من كائن سياسي له حقوق وواجبات إلى "مصدر للبيانات" يتم تحليله واستهدافه وتسعيره.
في النهاية، لا تقدم الأبحاث والدراسات إجابات قاطعة عن مشكلات تأثير الذكاء الاصطناعي على السلطة وعلى الأفراد، إنما تضيء الأبحاث على مفترق طرق مصيرية حيال تناقضاتنا، وتظهر صورتنا العالقة بين الرجاء والخوف، وبين قوة العقل البشري وشراهة هشاشته. فالمسارات التي نسلكها اليوم، حكومات وأفراد، ليست محكومة بقدرٍ تكنولوجي حتمي، بل هي خيار أخلاقي وسياسيّ بالأساس. فإما أن نستسلم لاغتراب أكبر، ونصبح مجرد مستهلكين سلبيين لقرارات تتخذها خوارزميات غامضة، أو ننتفض لإنسانيتنا، ونحول هذه التقانة إلى أداة لاستعادة سياسة أكثر شفافية، وعالم خالٍ من التعقيد والاغتراب.