"الثقب الأبيض".. الفضول المعرفي كمحرِّك للسرد
قد يكون من أبرز نقاط هذه قوة الرواية قدرتها على إعادة تعريف البطولة. فالأبطال ليسوا جنوداً ولا محققين محترفين، إنهم يافعون يجدون أنفسهم أمام منظومةٍ أكبر منهم. ومع ذلك لا تقوم بطولتهم على القوة الجسدية، بل على الذكاء.
منذ الصفحات الأولى من رواية "الثقب الأبيض" لعاطف إبراهيم صقر، يبدو واضحاً أن الكاتب لا يريد أن يضع القارئ أمام مغامرة تقليدية تقوم على المطاردة والألغاز فحسب، وإنما يسعى إلى بناء عالم تتجاور فيه المعرفة العلمية مع الخيال، ويصبح البحث عن الحقيقة رحلةً في الجغرافيا بقدر ما هو رحلةٌ في أعماق الذات؛ أي إن العلم هنا بات مادةً للحكاية، لا مجرد خلفية لها، بينما يتحوّل الفضول المعرفي إلى محرِّكٍ للسرد، تماماً كما تفعل الرغبة في إنقاذ الأب المفقود.
تبدأ الحكاية من غيابٍ شخصيٍّ شديد الوطأة: اختفاء عالم الفيزياء الدكتور منير، والد سليم، ضمن بعثةٍ علميةٍ إلى القارة القطبية الجنوبية. ثلاثة أسابيع من الانتظار تجعل من البيت فضاءً مشبعاً بالقلق والحزن، أما مكتب الأب، الذي كان في طفولة سليم بمنزلة صندوق العجائب، فيتحوّل بعد اختفائه إلى مكانٍ لاستعادة الغائب والبحث عن أثره. لكن الرواية سرعان ما تجعل من هذا الغياب مدخلاً إلى لغزٍ أكبر: صندوق مخفي، رموز كيميائية، خرائط، أبحاث سرية، جماعة غامضة تحمل اسم "القطب الثالث"، وظاهرة فيزيائية غير مألوفة ترتبط بما يسميه منير "الثقب الأبيض".
لغز سردي
هنا تتشكل إحدى أهم سمات الرواية: تحويل المعرفة إلى لغزٍ سردي. فالمعلومة العلمية لا تأتي منفصلةً عن الحدث، بل تُزرَع داخل الحبكة بحيث يصبح حل المسألة العلمية جزءاً من حل اللغز نفسه. حين يكتشف سليم أن رموز القفل ترتبط بالعناصر الكيميائية، ثم يستعيد من ذاكرته كلمات والده، يتداخل التفكير العلمي مع الذاكرة والعاطفة. وحتى عبارة الأب: "قد توجد الحقائق حيث لا يتوقع أحدٌ"، تتحول إلى مفتاحٍ فلسفيٍّ وسرديٍّ في آنٍ واحد.
سليم ليس وحيداً في هذه الرحلة؛ فالفريق الذي يحمل اسم "بولاريس" يصبح نموذجاً لافتاً لفكرة العقل الجماعي. أحمد يتميز بالمعرفة الحاسوبية، ولودي بالجيولوجيا، وكريم بالاتصالات والتقنيات الرقمية، فيما يقود سليم عملية البحث. وهكذا لا يقدم الكاتب بطلاً خارقاً يمتلك كل الإجابات، بل يوزع المعرفة بين مجموعةٍ من اليافعين، فيصبح النجاح نتيجة التعاون وتكامل الاختصاصات. هذه الفكرة تتوافق بوضوح مع الرسالة التربوية الكامنة في الرواية: العلم لا يقوم على العبقرية الفردية وحدها، وإنما على الحوار بين الأفكار.
ومن أجمل ما تفعله الرواية في هذا السياق أنها تجعل الصداقة نفسها جزءاً من منظومة المعرفة. فالفريق الذي بدأ متنافساً في مسابقةٍ علميةٍ يتحول إلى جماعةٍ متعاونة بعد أن يكتشف أعضاؤه أن مشاريعهم المختلفة يمكن أن تتكامل. وقد انتهى تعاونهم في المسابقة إلى ابتكار جهازٍ للتنبؤ بالزلازل، لتصبح المنافسة في النهاية طريقاً إلى التعاون. وهذه الفكرة تتكرر لاحقاً في المغامرة القطبية: كل شخصيةٍ تمتلك وظيفةً لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها.
مواجهة علمية
لكن الرواية لا تكتفي بالعلم بوصفه قيمةً معرفيةً، إنها تضعه في مواجهة سؤالٍ أخلاقيٍّ وسياسي: ماذا يحدث عندما تتحول المعرفة إلى أداةٍ للسيطرة؟ فجماعة "القطب الثالث" لا تبحث عن الحقيقة العلمية بدافع المعرفة، وإنما تريد امتلاك الطاقة الكامنة في الظاهرة واستثمارها لمصلحة القوة. ومن هنا ينشأ الصراع الأساسي بين علمٍ يريد أن يفهم ويحمي، وعلمٍ آخر يريد أن يمتلك. وتكشف مراسلات منير والعالم ماركس أن "الثقب الأبيض" ظاهرةٌ قادرةٌ على تعطيل أجهزة القياس والتأثير في الكائنات الحية، وأن هناك من يراقب الموقع لأغراضٍ تتجاوز البحث العلمي.
ويبدو الجليد في الرواية أكثر من مجرد مكانٍ للأحداث؛ إنه فضاءٌ رمزيٌّ بامتياز: سطحٌ أبيض يخفي تحته تاريخاً وحياةً وأسراراً. كلما توغل الأبطال في القارة القطبية، انتقلوا من سطح الواقع إلى طبقاتٍ أعمق من المعرفة. حتى "حفرة البطريق" التي تبدو في البداية ملجأً اضطرارياً، تقودهم إلى نفقٍ غامضٍ تحت الجليد. وهكذا يتحول المكان إلى شخصيةٍ سرديةٍ تشارك في صناعة الغموض.
أما عنوان الرواية فيكتسب دلالته الكاملة تدريجياً، إذ إن "الثقب الأبيض" لا يبقى مصطلحاً فيزيائياً غامضاً، بل يتحول في النهاية إلى استعارةٍ للحياة والاتصال والاستمرار. وفي الحوار مع "حارسة الثلج" ينكشف معنىً أكثر شاعرية للظاهرة: إنها "حبل السُّرة" الذي يربط الكائنات بأسلافها وبالكوكب، وتتم عبره دورة تبادلٍ تحفظ الحياة. هنا تنتقل الرواية من سؤال: ما هو الثقب الأبيض؟ إلى سؤالٍ أعمق: كيف يرتبط الإنسان بما سبقه وبما يحيط به؟
مصالحة بين العلم والخيال
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الرواية بوصفها محاولةً للمصالحة بين العلم والخيال. فالكاتب لا يكتفي بالتفسير العلمي، وإنما يفتح الباب أمام تصورٍ حضاريٍّ شبه أسطوريٍّ مخبأٍ تحت جليد أنتاركتيكا. وفي المشهد الأخير تظهر مدينةٌ دافئةٌ تحت الجليد، ويشاهد الأبطال أطفالاً وأناساً يعيشون في عالمٍ يبدو مختلفاً عن عالمهم، قبل أن يُغلَق المشهد ويعود كل شيء إلى الصمت. إن هذا المزج بين المعادلة العلمية والأسطورة يمنح الرواية طابعاً أقرب إلى الخيال العلمي ذي البعد الفلسفي.
على المستوى الأسلوبي، يعتمد صقر لغةً واضحةً ومباشرةً وسريعة الإيقاع، وهو خيارٌ يتناسب مع طبيعة الرواية والفئة العمرية المستهدفة. الجمل الحوارية قصيرةٌ غالباً، والحركة متواصلة، والمعلومات تُقدَّم عبر المحادثة بين الشخصيات بدلاً من الاستطراد النظري. ويستفيد الكاتب كثيراً من تقنية القطع بين المشاهد، خصوصاً حين ينتقل من الأبطال إلى جماعة "القطب الثالث"، فيخلق معرفةً مزدوجةً لدى القارئ: نعرف أحياناً ما يجهله الأبطال، وهو ما يرفع منسوب التوتر.
كما يستخدم الكاتب التفاصيل التقنية لتوليد الإيهام بالواقعية: الخرائط، أجهزة الاتصال، الحواسيب، الرموز، الإحداثيات، أجهزة الاستشعار، والأنظمة المشفرة. ولا تأتي هذه التفاصيل بوصفها زينةً معرفية، بل تُستخدَم لدفع الأحداث. وفي مشهد مطاردة الأبطال وسط العاصفة القطبية -مثلاً- تتحول معرفة لودي بالمكان ومهارة كريم التقنية وقدرة سليم على اتخاذ القرار إلى أدواتٍ للبقاء.
العاطفة العائلية
وفي مقابل هذا الجانب التقني، يحافظ الكاتب على حضور العاطفة العائلية. علاقة سليم بأبيه هي المحرك النفسي الأعمق للرواية، فيما تمثل الأم نقطة التوازن بين الخوف والحب والإيمان. وهي لا توافق ابنها تماماً على المغامرة، لكنها تمنحه في النهاية ما يستطيع أن يحميه، وتتحول عبارتها: "عندما يحاصرك اليأس، افتح هذه العبوة" إلى لحظةٍ ذات وظيفةٍ رمزيةٍ وسرديةٍ معاً. وعندما يستخدم سليم أكياس التسخين التي وضعتها له أمه، يتحول الحب الأمومي من شعورٍ مجردٍ إلى وسيلةٍ فعليةٍ للنجاة.
وقد يكون من أبرز نقاط قوة الرواية قدرتها على إعادة تعريف البطولة. فالأبطال ليسوا جنوداً ولا محققين محترفين، إنهم يافعون يجدون أنفسهم أمام منظومةٍ أكبر منهم. ومع ذلك لا تقوم بطولتهم على القوة الجسدية، بل على الذكاء، والعمل الجماعي، والشجاعة، والقدرة على اتخاذ القرار. وفي النهاية، حين يلتقي سليم بأبيه، لا يكون الانتصار انتصاراً فردياً، بل ثمرة جهود الفريق كله. حتى الأب نفسه يعترف بأن إجابة ابنه غير المألوفة في امتحان الفيزياء كانت مصدر إلهامٍ لنظرية "الثقب الأبيض".
ومع ذلك، فإن الرواية، بحكم انتمائها إلى أدب المغامرة واليافعين، تميل أحياناً إلى التبسيط والشرح المباشر، سواءٌ في تقديم بعض المعلومات العلمية أو في رسم ثنائية الخير والشر. كما أن تسارع الأحداث وكثرة المصادفات التقنية قد يجعلان بعض التحولات تبدو موجهةً بوضوح نحو خدمة الحبكة. لكن هذه الملاحظات يمكن النظر إليها أيضاً في سياق اختيار الكاتب لجمهوره، فهو لا يكتب روايةً علميةً تجريبية، بل مغامرةً معرفية تريد أن تجعل القارئ الشاب مشدوداً إلى الصفحة وفي الوقت نفسه فضولياً تجاه العلم.
في النهاية، تنجح رواية "الثقب الأبيض" الصادرة عن دار فواصل للنشر والتوزيع - اللاذقية في تقديم مغامرةٍ قطبيةٍ تجمع بين التشويق والخيال العلمي والعلاقات الإنسانية. والأهم أنها تقترح تصوراً للعلم بوصفه مسؤوليةً أخلاقية: المعرفة التي يقودها الجشع تتحول إلى خطر، أما المعرفة التي تقودها الرغبة في الفهم والحفاظ على الحياة فتتحول إلى جسر. ولذلك، تبدو العبارة الأخيرة لحارسة الثلج، ثم عودة الأبطال إلى عالمهم، وكأنها تلخص جوهر الرحلة كلها: لم يكن بحث سليم عن أبيه مجرد بحثٍ عن شخصٍ مفقود، بل كان بحثاً عن صلةٍ أعمق بين الإنسان والعلم والأرض والمستقبل.
وعندما يغادر الأبطال أنتاركتيكا، لا يعود الجليد في نظرهم مجرد صحراء بيضاء، بل يصبح "جسراً خفياً" يصل ماضي الأرض بحاضرها ومستقبلها. وهذه ربما هي الفكرة الأكثر جمالاً التي تتركها الرواية وراءها: أن أعظم المغامرات ليست تلك التي تقودنا إلى مكانٍ مجهولٍ فحسب، بل تلك التي تجعلنا نرى العالم الذي نعرفه بعينٍ جديدة.
