الاستعمار الرقمي: حين تُحسَم المعارك على الشاشات قبل الساحات

هذه ليست معركة تقنية بحتة، إنها أولاً معركة ثقافية وحضارية. الأمة التي تتخلى عن ساحة وعيها الرقمي للآخر هي أمة تتنازل عن مستقبلها.

  • (عن الانترنت)
    (عن الإنترنت)

بينما العالم يرسم جبهات الصراع على خرائط البر والبحر والجو، كان يفتح – في صمت – جبهةً أخرى في العالم الافتراضي، جبهة الوعي والمعنى، حيث لا تُقاس النجاحات بالدبابات وحدها، وإنما أيضاً بالخوارزميات. وخلف أصوات الانفجارات، تدور وشوشات التلاعب بالحقائق، وكيّ الوعي وتزييفه. لقد تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة حرب باردة ساخنة بين القوى العظمى، وعلى حساب الشعوب المُستَعمَرة رقمياً.

في القلب من هذه المعمعة، يتخبّط العالم العربي بين نقيضين قاسيين: حجبٌ وتقييدٌ للحريات الرقمية من الداخل، واستسلامٌ لسطوة الخوارزميات الأجنبية من الخارج. وفي هذا المشهد المعتم، برزت تيك توك – رغم كلّ تناقضاتها – ككاشفٍ ضوئيٍ قاسٍ. فقد فضحت المنصة عورات السرديات المهيمنة، ورسّخت رواية المضطهدين، قبل أن تتحوّل إلى غنيمةٍ مرغوبةٍ في حرب الهيمنة.

نحن أمام امتحان مصيري آخر: إما استيعاب خطورة هذه الجبهة الرقمية التي أعلن عنها نتنياهو صراحةً وأسماها الجبهة الثامنة التي يخوضها كيانه، وإما الاستسلام لتأخّر تاريخي جديد، تُسلَبُ فيه إرادتنا بخوارزميات لا نراها، وكأنّ الثور الأبيض يُؤكل هذه المرة في صمت الخوادم الباردة.

لم يعد الإنترنت ذلك الحيّز المحايد. لقد أصبح ساحة لمعركة كبرى تُحاك فيها وعبرها حروبٌ مُعَقَّدة، تُسلَّح فيها البيانات لتوجيه الرأي العامّ وتشكيل السلوك. وكما يرى دارسو التأثير الرقمي، فقد وسَّع العصرُ الرقمي من نطاق هذه الحروب بشكل غير مسبوق. فأصبحت السيطرة على منصة تضمّ مليارات المستخدمين مسألة سيادية، لا تجارية فحسب.

من الترفيه إلى المقاومة... ثم إلى السلعة الاستعمارية

في زمن العدوان الإسرائيلي على غزة، تحوّلت تيك توك من منصة رقصٍ عابرةٍ إلى ساحةِ معركةٍ طاحنة. بخلاف المنصات الأخرى المحكومة بأجندات تقليدية، تفوَّق الخطابُ المناصرُ للقضية الفلسطينية هنا بشكلٍ لافتٍ – وهو أمرٌ ناجمٌ عن طبيعة خوارزمياتها السائلة وتركيبتها الديموغرافية الفتية والمهمّشة. لقد منحت الجيلَ الشابَ مساحةً للحرية لم يجدها في الساحات التقليدية المُحاصَرة. وأدرك نتنياهو مبكراً هذه القوةَ الخفية، فجعل السيطرة عليها جزءاً من استراتيجيته الحربية، لأنّ الحرب لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، وإنما بالرواية التي تسبقه.

لكنّ المعركة على تيك توك ليست سوى حلقة في حربٍ كونية أوسع بين الولايات المتحدة والصين على هيمنة العصر الرقمي. إنها معركة على معايير التكنولوجيا والسيطرة على تدفّق البيانات، وهي في جوهرها استعمارٌ حديث. فسيطرة الشركات التكنولوجية العملاقة على البرمجيات والبنى التحتية تعيد إنتاج الفجوة بين الشمال والجنوب، ولكن بأدوات أكثر دهاءً. فما يبدو "هدية" مثل تطبيق "Free Basics" (المقدّمة من فيسبوك إلى الهند) كان في الواقع قيداً رقمياً استعمارياً.

وها هي صفقة الاستحواذ الأميركية على عمليات تيك توك في الولايات المتحدة تكرّس هذا النموذج. فتحالفٌ تقوده "أوراكل" ويمنح نفوذاً لتحالفات إعلامية وسياسية يمينية محافظة، وداعمة للوبيات الصهيونية وسياسات الاحتلال، ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو عسكرةٌ للمنصة. إنها محاولةٌ لشراء الخوارزمية كما تُشترى صحيفةٌ أو قناة، لتحويلها من ساحة حرة إلى بوق دعاية موجّه.

لكنّ الأمر أخطر من مجرد شراء بوق دعاية. ففي زمن الرأسمالية الرقمية، بات المستخدم نفسه هو المادة الخام. بياناته، بصمته الرقمية، شغفه وخوفه، تُستخرج كالنفط، وتُكرّر في معامل الذكاء الاصطناعي هناك، ثم تعود إلينا في صورة منتجات جاهزة وخوارزميات تبيع لنا أوهامنا. وكأننا نبيع لهم قمح أرواحنا، ثم نشتري منهم خبز وعينا.

الرقابة هنا لم تعد منعاً مباشراً للكلام، بل تحكّماً خفياً في خوارزميات الرؤية والوصول، وهو تحكُّمٌ يعزل النقاش الأميركي عن العالم ويعزّز التحيّزات. لقد رأينا بداياته في حظر نشطاء فلسطينيين أو تصنيف نقد الصهيونية كخطابِ كراهية!

التأخّر العربي: بين الخنوع الرقمي والخطاب المُستلب

في خضمّ هذه المعركة الضارية، يترنّح الموقف العربي بين التردّد والتأخّر. بينما تنسّق الدول الغربية استراتيجياتها السيبرانية وتحصّن مجتمعاتها، يظلّ الردّ العربي مجزأً، منشغلاً بالجزء الأخلاقي السطحي للمحتوى، غافلاً عن العمق الجيوسياسي للصراع. والأمر لا يقف عند التخلّف التقني، إنه يغدو استلاباً خطابياً مؤلماً، حيث تتبنّى بعض المنصات العربية – عن قصد أو جهل – معجم الرواية الصهيونية: فـ"المقاومة" تصبح "عنفاً"، و"المستوطنات" "مجتمعاتٍ سكنية". إنه تشويهٌ يبيّض صفحة الاحتلال قبل أن نستفيق، فتكون الرواية المغلوطة قد ترسّخت.

لقد عاش الجنوب العالمي، والعرب فيه، لحظة أمل مع بداية ما سُمِّيَ "الربيع العربي"، حين وظّف منصات التواصل لتحرير الإرادة. لكن سرعان ما تحوّلت هذه المنصات إلى أجزاء من إمبراطوريات غير مرئية. واليوم، مع تضييق الخناق على المحتوى الفلسطيني، ومع تغيير خوارزميات المنصات وفقاً لأجندات مسيطرة، يجد العرب أنفسهم خارج معادلة القوة الرقمية، والأنكى أنهم قد يصبحون سجناء خوارزميات تتحكّم في مصادر معلوماتهم، من دون أن يدركوا أنهم وقعوا في شباك رقابة جديدة، أكثر تعقيداً وخفاءً.

وحدها الخطابة الأخلاقية لا تكفي. فالسيادة الرقمية التي ننشدها ليست شعاراً نرفعه، بل تبدأ من طبقة صفرية، من كوابل بحرية لا تمرّ في مياه معادية، ومن مراكز بيانات محلية لا تخضع لقانون "كلاود أكت" الذي يجعل من بياناتنا وثيقة ملكيّة عامّة في خزائن الآخر. إنّ غياب هذه الأرضية الصلبة يجعل كلّ حديث عن استقلال رقمي مجرد سراب في صحراء الخوادم الباردة.

وفي خضمّ هذه المعمعة، يقف المواطن العربي أسير كمّاشةٍ حدّاها باردان: من الخارج، خوارزميات العولمة تستعمر وعيه بصمت. ومن الداخل، رقابةٌ تقيّد أنفاسه الرقمية تحت ستار الحماية أو الأمن. المشكلة أنّ الخوف من "الديكتاتور الرقمي" الداخلي قد يدفع البعض إلى أحضان "المستعمر الرقمي" الخارجي، فيُستبدل قيد بقيد. وأيّ بديل عربي لن ينجح إن لم يكن ثورياً على الصعيدين معاً: حامياً للهوية من الهيمنة، وضامناً للحرية من القمع. إنها معادلة صعبة، لكنّ النهضة لا تولد من رحم السهولة.

نحو يقظة رقمية: السيادة ليست عزلةً بل قوة حضور

لن يكون مصير هذه الجبهة مختلفاً إذا استمر التخلّف. اليقظة الرقمية اليوم واجبٌ وجودي. وكما لا نقبل أن تكون مواردنا الحيوية تحت سيطرة الأجنبي، كيف نقبل أن تكون ساحة وعينا الجماعي مستعمرةً رقماً وخوارزمية؟

يجب أن يتحوّل ردّنا من ردّ فعلٍ غاضب إلى استراتيجية واعية. ليس المقصود أن ننعزل في "سور رقمي". فهذا قد يحقّق سيادةً لكنه قد يكرّس عزلةً معرفيةً خطيرة. بل المطلوب بناء حضورٍ فاعلٍ وبدائل تنافسية حقيقية في الفضاء المفتوح. نحتاج إلى منصات عربية تنبض بهمومنا، لكنها ليست نسخاً هزيلةً من نماذج الغرب، بل كيانات قائمة على رؤية ثقافية وتقنية أصيلة. ليس الأمر تقليداً للصين أو الهند أو روسيا، إنما استلهامٌ لفكرة السيادة الرقمية مع ابتكار نموذجنا الخاص، الذي يوازن بين الانفتاح والحماية، وبين الهوية والتفاعل العالمي.

هذه ليست معركة تقنية بحتة، إنها أولاً معركة ثقافية وحضارية. الأمّة التي تتخلّى عن ساحة وعيها الرقمي للآخر هي أمّة تتنازل عن مستقبلها. البداية قد تكون بصناديق استثمارٍ جريئةٍ في التقنية، وبدعم صنّاع المحتوى الهادف، وبقوانين رقمية ذكية تحمي البيانات وتجرّم التضليل، وبتعليم نقدي للأجيال الجديدة ليفكّكوا خداع الخوارزميات. إنها خطوات صغيرة نحو استقلال كبير.

وكلّ هذا لا قيمة له إن بقي الجيل الجديد قارئاً أمّياً للخوارزميات. إننا نعلّمه كيف يضغط الأزرار، ولا نعلّمه كيف تقرأه الشاشة قبل أن يقرأها. إنّ تعليم النقد الرقمي لم يعد ترفاً، بل هو أشبه بلقاح فكري، يجعل الوعي مناعياً ضد فيروس التضليل، قبل أن يستفحل الداء في جسد الأمة.

جريمة الإبادة في غزة علّمتنا أنّ الكاميرا قد تكون سلاحاً يضاهي الرشّاش. فهل نعي أنّ معركتنا المقبلة هي معركة الوجود في الفضاء الرقمي؟ الوقت يدقّ، والمقبل أعظم. لأنّ حلم "من الفرات إلى النيل" لا يتحقّق بالدبابات وحدها، بل يتحقّق أولاً في عقول الناس، عبر الشاشات التي لا تفارق أيديهم. ولكلّ أمّة، في هذا العصر، خياران: إما أن تبني حضورها الرقمي القوي، وإما أن تكون بياناتُها هي السجون التي تحبسها.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك