الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي: ضياع الإبداع والمعرفة
إننا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي الذي يأخذ بالعقل إلى الهاوية، والطموح بالبناء والإبداع نحو الركون والسكينة، وهنا أتساءل: ما هو مصير الأجيال التي ستأتي؟ كيف لها أن تبتكر وتبدع، وفي متناول يدها جهاز ذكي، يمكنه إيجاد الحل؟
-
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
كنا نعتقد أنّ الثورة التكنولوجية قد وصلت سدرة المنتهى، وأنّ تطوّرها سيكون مقصوراً في حدود تجديد وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة، والانتقال من مربع "فيسبوك" إلى منصة "أكس"، وصولاً إلى "تيك توك" وغيره.
لكنّ المذهل هو أنّ البشرية لم تتوقّف عند ذلك الحدّ، بل وصلت بنا إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي (AI)، الذي يتطوّر بشكل مخيف، وتتنافس فيه كبريات الشركات العالمية، خصوصاً في تطوير أدواته الجديدة التي باتت تحدّ من قدرة الإنسان على التفكير، لأنّ فانوس تلك الأدوات السحري، جعل الحلم حقيقة، وباتت معضلة عدم المعرفة في متناول الحلّ.
حتى أنّ جولات المفاوضات بين الدول، يستعين فيها المتفاوضون بأدوات الذكاء الاصطناعي من أجل معرفة مواطن الضعف والثغرات لكلّ طرف من المتخاصمين، بل وصياغة القرارات وقوننتها أيضاً. إلا أنّ المبصر لواقع هذا الذكاء سيكتشف أنّ البشرية تنزح باتجاه العبودية للآلة، والحدّ من الإبداع واستعجال الأشياء سيفقد الإنسان الصبر والقدرة على تحمّل التأخير البسيط، كما أنها ستعمل على تدليس الغثّ بالسمين.
إذ لم يعد العلم والمعرفة والأدب والفن مقتصراً على الهواة الذين يصلون بمتابعة وتعلّم ما يحبون إلى الاحتراف، لأنه من السهل جداً الآن كتابة قصة قصيرة أروع مما كتبه نجيب محفوظ أو يوسف إدريس أو حتى مؤسس هذا الفن من الأدب الأميركي أو الروسي أو الفرنسي.
يمكننا كتابة قصيدة أجمل مما كتبه محمود درويش أو أدونيس أو حتى ماثيو أرنولد أو إليوت، كما يمكننا رسم لوحة أعظم من لوحات كامل المغني وإسماعيل شموط وبيكاسو نفسه، وقادرون على كتابة أغنية لصديق، يمكن تلحينها وغنائها بصوت فلان أو علان، وصناعة موسيقى تتناسب معها بضغطة زر فقط، بمعنى أنّ الإبداع الذي كان يعمل عليه الشخص لشهرين على الأقل، يمكن تنفيذه في دقيقة، وأنّ ما كانت تقوم به المؤسسات من أجل كتابة وتلحين وغناء وتوزيع موسيقي لأيّ أغنية لا يحتاج سوى تلك الضغطة فقط، حتى المقال الذي أكتبه الآن، كان بإمكاني الاستغناء عن مشقة التفكير والجهد والوقت بإصدار أمر يتناسب مع الأداة التي سأقوم باستخدامها كي تنتج للقرّاء مقالاً يشبهني.
وفي هذا الموضع، قرّرت قبل عدة أيام أن أخوض تجربة مع برنامج "كلود"، حيث قمت بوضع جميع كتبي ضمن مشروع في الموقع، حمل عنوان "إصدار كتاب جديد"، ثم ذهبت إلى موقع هندسة الأوامر (genarateprompt.ai) - حيث أصبح بإمكاننا عدم إرهاق العقل بتعلّم هندسة الأوامر، بل مجرّد كتابة ما نفكّر فيه، ثم يقوم الموقع بهندسة الأمر كما يجب - وبعد استصدار البرومبت، قمت بنقله إلى "كلود" طالباً منه كتابة 10 أفكار تشبه أسلوبي في الكتابة، وتحديداً كتاب "جون كينيدي يهذي أحياناً".
هكذا قام بإنشاء مجموعة كبيرة/مذهلة/خارقة من الأفكار، وكأنه يقول: "أنت لم تعد بحاجة يا يسري لصناعة التخيّل كي تكتب، بل إنه بإمكاني كتابة القصة نيابة عنك".
من أجل ذلك قلت في نفسي، دعني أجرّب منصة أخرى وهي المنصة العالمية الأبرز "تشات جي بي تي"، ثم طلبت بعد كتابة أمر جديد مع وضع إحدى الأفكار التي قام "كلود" بتوليدها إلى إنشاء قصة جديدة بأسلوب قريب من عوالمي، وفوجئت أنّ القصة تشبهني تماماً، تشبه الأسلوب الذي طالما آمنت أنه الأكثر جموحاً وجنوناً، وأنّ سوريالية الكتابة و"الفنتازيا" لم تعد تقتصر على شخص من دون آخر، فلماذا يجب أن أتعب في كتابة قصة أو مقال؟ لماذا يجب أن أرهق العقل في التخيّل وعصر المخيّلة بدمج الواقع الذي عشته وما أريده، وهنا تكمن الميزة والمشكلة. إذ يمكن استثمار الإبداع لأجل الدفاع عن القضايا الوطنية وكذلك الشخصية، ولكن ما هو الثمن؟ ما الذي سندفعه لاحقاً من سرقة المعلومات أو استثمار الأفكار التي يتعلّم منها الذكاء الاصطناعي؟ فهو يشبه الإنسان في الحبو نحو المعرفة وصولاً إلى العراقة.
وليس ذلك فقط، بل إنّ البحث العلمي وهو الأكثر خطورة، بات له منصاته الخاصة، التي تحلّل (coding) وتعيد صياغة الملخّصات وتبحث عن الأدبيات والمراجع، فكيف يمكن المقارنة بين الطالب الحقيقي وآخر استطاع كتابة رسالة عميقة، من دون أيّ إبداع بشري، ألا يمكن أن تنتج لنا الجامعات طلبة جهلة لا يعرفون القراءة أو الكتابة؟ لا يعرفون مناهج البحث العلمي؟ الكمي أو الكيفي أو حتى الاستدلالي؟ ألا يمكن أن تدمّر مشروع التعليم الذي به تنهض البشرية؟
ومن جانب آخر، فقد حاولت بالأمس صناعة فيلم لأحد الأصدقاء برفقة بعض الفتيات، واكتشفت أنه من السهل جداً تدليس الحقائق واتهام الناس بالباطل أو صناعة أبطال من ورق في أفعال وهمية، إن قرّرنا صناعة الخوارق الوهمية.
إننا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي الذي يأخذ بالعقل إلى الهاوية، والطموح بالبناء والإبداع نحو الركون والسكينة، وهنا أتساءل: ما هو مصير الأجيال التي ستأتي؟ كيف لها أن تبتكر وتبدع، وفي متناول يدها جهاز ذكي، يمكنه إيجاد الحلّ أو معرفة العنوان أو نوع الدواء أو حلّ المسألة بضغطة زر فقط؟ وأظنّ أنّ الأجيال القادمة قد تفقد لذة المعرفة، ولذة القراءة الطويلة ومهارة بناء السؤال.
إنّ هذا الذكاء يمكنه إيجاد الحلول بسهولة، لكنه لا يمكنه أن يحقّق المعرفة، فالأخيرة تحتاج بحثاً وتنقيباً وحيرة واضراباً وارتكاب للأخطاء، وصولاً إلى التعلّم والمعرفة. وأخشى أن يصل العالم إلى مرحلة التشابه، ليصير بلا طعم أو لون، حيث ستصبح الآلة هي العقل المفكّر للإنسان، بعد استسلام الواحد منا للسرعة والسهولة على حساب التقدّم والابداع والابتكار.
وفي الختام، تستمر معي أسئلة كثيرة مقلقة: هل نحن أمام ثورة ستحرّر الإنسان من التعب؟ أم عبودية جديدة اسمها السهولة؟ والتي لأجلها قد يفقد أكثر من 90% من سكان هذا الكوكب وظائفهم خلال سنوات قليلة، طالما توفّرت البدائل الأكثر سهولة، والسؤال الأخير: هل هي الحرية التي ستقود البشرية في النهاية إلى الانتحار؟