الأُّم وطنٌ لا يُساوم

كلنا أبناء أمهات. وكلنا نحاول أن نكون أهلاً لذلك الحضن الذي احتوى العالم حين كان العالم ضيّقاً.

  • (غزة)
    (غزة)

فيما تُشنّ الحروب بالنار والبارود، وبالقسوة والصلف وعدم الرحمة، تختمر الأمومة من النقيض تماماً: من عجين يُخبز على حطب القلب، ومن عطر يفوح من أعماق الروح، ومن رحيقِ حنان سكبه الرحمن في مَن جعل الجنة تحت أقدامهن.

في سفر مكسيم غوركي "الأم"، تتحوّل بيلاغيا نيلوفنا – تلك المرأة التي لم تعرف من الحياة إلا ظهر زوجها القاسي – إلى نهر لا يجفّ حين تكتشف أنّ ابنها بافل يحلم بعالم آخر.

كانت الأم في الرواية بداية الوعي الثوري، لكنها قبل ذلك بداية الوعي بالوجود. أن تلد إنساناً ثم تقف خلفه كحارس لا يخون. يقول غوركي على لسانها: "كنت أظن أنني أعيش من أجل ابني، لكنني الآن أفهم: ابني يعيش من أجل الحقيقة، وأنا أعيش من أجله ومن أجل حقيقته".

الأم هنا قبل أن تحب الفكرة، تحب الكائن الذي خرج من رحمها.

عند عبد الرحمن منيف، تطلّ الأم من شرفات الفقد والحرمان. في "مدن الملح" و"شرق المتوسط"، هي الشاهدة الصامتة على انكسارات الرجال تحت وطأة القمع والسياسة. تمثّل "الأصل" الذي يُقتلع من أرضه، أيقونة الصبر المُرّ التي لا تملك سوى الدعاء والذاكرة الحزينة لمواجهة وحشية السلطة وتغوّل الحداثة المشوّهة.

أما في عالم نجيب محفوظ، فالأم هي العماد الذي لا يميل. في "الثلاثية"، تبدو "أمينة" كحارسة للدار، تمثّل السكينة والطاعة، لكنها في العمق الروح التي تمنح "بين القصرين" دفئاً حقيقياً. وهي، رغم صمتها أحياناً داخل بنية أبوية، تبقى مركز الثقل الذي يحفظ توازن العائلة المصرية وسط عواصف التغيير.

وفي أدب غسان كنفاني ورضوى عاشور تتجاوز الأم حدود العاطفة الفردية لتصبح هي الوطن والهوية. ليست مجرد ذاكرة، بل "الأرشيف الحي" الذي يحرس الخريطة من الضياع، والمفتاح الذي لا يصدأ. تروي للجيل الجديد أسماء القرى الممحاة وطقوس الزيتون، فتتحوّل من والدة إلى فعل مقاومة مستمر، يضمن ألا يموت الحق بالتقادم.

أما محمود درويش، ففي قصيدته "أحنّ إلى خبز أمي"، لم يكتب عن أمه فقط، بل عن أمّ فلسطين، عن كلّ امرأة رأت قمحها يُحرق وابنها يُقتل وبيتها يُهدم، ومع ذلك بقيت "أمّاً". كان يعرف أنّ الأمومة ليست غريزة فقط، بل اختيار متكرّر كلّ صباح: أن تفتح عينيك على عالم يقتل أبناءك، ومع ذلك تستيقظ لتحضّر القهوة.

وفي رائعته "أجمل الأمهات" كتب حسن العبد الله عن أمّ الشهيد التي لا تنكسر، صحيح أنها تبكي دمعتين ووردة، لكنها لا تنزوي في ثياب الحداد، لأنها أمٌّ منتصرة للحياة، تقدّم فلذة كبدها على مذبح الحرية، لا حباً بالموت ولا استهانة به، بل انتصاراً للقضية السامية التي استشهد لأجلها: الحياة الحرة العزيزة.

والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن شهداء هنّ في مقام آخر. ليس لأنّ موت الابن أقسى ما يمكن أن تصادفه الأم، بل لأنهن يصبحن أمهات لموتاهن. تقف الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان شاهدة على هذا المقام، وهي التي رثت أخاها وابني أخيها بقصائد جعلت من الحزن وهجاً منيراً. تقول في واحدة منها ما معناه: ولدي، لم أعد أخاف عليك بعد اليوم، فالموت الذي خفتُه من أجلك صار رفيقك – كلمات تجاوزت بها فقدان الجسد إلى إقامة أبدية في الذاكرة.

وفي الأدب العالمي أيضاً، تقدّم النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديشي في رواياتها (مثل "زهرة الكركديه الأرجوانية" و"أمريكانا") صورة أخرى: الأم التي تنتظر في زمن الحرب الأهلية، في بلد يلتهم الشباب. تجعل من الأمومة سؤالاً أخلاقياً: إلى أيّ حدّ يمكن للأم أن تحمي؟ وإلى أيّ حدّ تصبح الحماية نفسها شكلاً من أشكال الخسارة؟

أما في السينما، ففيلم "أم" لدارين أرونوفسكي يقدّم الأمومة كمرآة للانهيار: حين ينهار العالم، تبقى الأم هي التي تحاول إعادة بناء البيت حجراً حجراً، حتى لو كان ذلك البيت سيُهدم مجدداً.

لكن ربما أعمق ما كُتب عن الأم في زمن الحرب هو ما لم يُكتب. تلك الرسائل التي لم تتلقّاها أمهات غزة من أبنائهن لأنّ أبناءهن تحت الأنقاض. أو تلك الكلمات التي تتمنّى أمهات لبنان سماعها من أبنائهن الشهداء، وتلك الصلوات التي تردّدها أمهات الجنوب في ظهر الغيب، والانتظار المرّ لأمهات الأسرى والمفقودين.

بحسب ألبير كامو "في نهاية المطاف، لا نملك سوى أمهاتنا". جملة بسيطة، لكنها في زمن الحرب تصبح ميثاقاً. حين تسقط كلّ الأوطان، يبقى حضن الأم هو الوطن الأخير. وحين يصبح الوطن أرضاً محروقة، تصبح الأم هي الأرض التي لا تُحرق.

عيد الأم هذا العام يأتي وسط الأنقاض. لا زهور في المزهرية، ولا بطاقات ملوّنة. ربما مجرّد صورة لابن لا يعود، أو رسالة صوتية من ابن لا يزال حياً لكنه في مكان لا تصل إليه الكهرباء. ومع ذلك، تحتفل الأمهات بطريقة أخرى: باستيقاظهن باكراً، بتفقد جيرانهن، بفتح بيوتهن لمن فقدوا بيوتهم. هذا هو عيد الأم في زمن الحرب: أن تكون الأم أكثر من أمّ، أن تكون بيتاً ووطناً وإصراراً على الحياة.

يقول الشاعر نزار قباني في إحدى قصائده: "أمي... يا مملكتي الأولى/ويا مملكتي الأخيرة". ليس مبالغة. بمرور الزمن تتساقط الممالك كأوراق الخريف، تبقى مملكة الأم هي الوحيدة التي لا تسقط. لأنها لم تبنَ من حجارة، بل من شيء يشبه المعجزة: من حبّ لا يشترط شيئاً سوى أن يبقى الأبناء أحياء.

***

إلى أمي التي رحلت وهي ترفع سقف السماء بيدين من دعاء: منك تعلّمت أنّ كلّ شيء يزول، إلا ما زرعته الأم في ابنها من قدرة على البقاء.

وإلى كلّ أمّ في هذه الدنيا، خصوصاً من فقدن أبناءهن، ومن واجهن التهجير والنزوح، ومن ينتظرن عند المعابر أو قرب الأنقاض: أنتن لستن أمهات فقط. أنتن الذاكرة التي لا تُقصف، والحضن الذي لا يُهجر، والنصّ الذي لا يموت رغم كلّ محاولات القتل.

كلنا أبناء أمهات. وكلنا نحاول أن نكون أهلاً لذلك الحضن الذي احتوى العالم حين كان العالم ضيّقاً:

مرّةً عانقتني 

نبت قمحٌ في شرفتها 

ونزلت سماء

طاحونة الضحك أمي

نافورة ماء 

أولّ الينابيع 

خاتمة النساء

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك