إذا ما استمرت الحرب! هجاء يليق بالحرب الظالمة!
يعتبر هرمان هيسه أن التغني بالحرب وجعلها سلوكاً يومياً، وثقافة ذات ديمومة وحضور في المدارس، والبيوت والشوارع، هو فعل شرير لا يدل على أهمية المعرفة أو رقي الحضارة، لأن الحرب هي الوجه الآخر للظلمة.
-
إذا ما استمرت الحرب! هجاء يليق بالحرب الظالمة!
هذا كتاب مهم، ونفيس، ومؤثر، وله قدرة عجيبة على المغايرة لشموله على معاني التأويل، والفحص، والشك، والإدراك العلمي لما تقوم عليه الطمأنينة من ركائز بأشكالها وصورها وطيوفها المتعددة.
وهذا الكتاب ممنوع من القراءة، والطباعة، والنشر، والتداول في البلدان التي جعلت من القوة الباطشة والفاشية، والتغول في مديح القوة، كتاباً لها، وحياة تعيشها، وثقافة تربي عليها أجيالها، ولا سيما الكيانية الإسرائيلية القائمة على مفهوم القوة، وثقافة الإخافة، والإيمان المطلق بالكراهية للآخر؛ أياً كان هذا الآخر، لقناعتها بأن أبناءها هم وحدهم أخيار الدنيا ومتونها، أما الباقون فهم نوافلها وهوامشها.
هذا الكتاب اجتماع لمقالات، كتبها الكاتب النمسوي صاحب الأصول الألمانية هرمان هيسه (1877-1994)، في مستهل الحرب العالمية الأولى 1914 ، ونشرها في الصحف النمسوية وغايتها الجوهرية: هجاء الحرب، والدعوة إلى عدم العودة إليها لتحقيق مكاسب لا يمكن تحقيقها في أوقات السلم من جهة، والمناداة بالإنسان الوطني المفطور على حب الخير، والحق، والجمال من جهة أخرى، ولذلك، فهي تقول: إن ظهور مفاعيل الحرب يعود عادة، إلى نمو الروح الوحشي داخل الإنسان، والمنظمات، والأحزاب، والحكومات، والذي تدل عليه السلوكيات، والأفكار، وضمور الأفق الثقافي، ودونية التفكير، لأن الحرب، وكما يقول هرمان هسه، هي سلوك حيواني وليست سلوكاً بشرياً، وإن التغني بالحرب وجعلها سلوكاً يومياً، وثقافة ذات ديمومة وحضور في المدارس، والبيوت والشوارع، هو فعل شرير لا يدل على أهمية المعرفة أو رقي الحضارة، لأن الحرب هي الوجه الآخر للظلمة.
عنوان الكتاب هو "إذا ما استمرت الحرب!"، وصادر قبل سنوات عن دار نينوى، وقد قام بترجمته ترجمة أكاديمية موثوقة المترجم السوري أسامة منزلجي، وهو في مقدمة ضافية، تتلوها المقالات التي تهجو الحرب العالمية الأولى التي جعلت من مجتمع الدولة عصبة من قطاع الطرق، توازعوا الأدوار، فكان منهم قائد العصابة الذي يدعو ويوجه ويفاخر بالحرب، وينادي بضرورة ديمومتها واستمرارها، حتى لو كان طيها قتل الأطفال، والشيوخ، واغتصاب النساء، وتدمير المدارس والمشافي ودور العبادة، وإحراق المتاحف والمكتبات والجامعات، ودور الفنون على اختلاف أشكالها.
وهذا الكتاب أُحرق مع عدد من كتب "هرمان هيسه" في ساحات المدن الألمانية، وواكبت حرائق هذه الكتب الأغاني المجمدة للحرب، والمنادية باستدامتها، وشأن هذه الكتب المحروقة كان شأن ما كتبه ستيفان زيفايج (1881-1942)، وتوماس مان (1875-1955)، ورومان رولان (1866-1944) وكتب الفلسفة والتربية وعلم النفس التي شُغلت واهتمت بإنسانية الإنسان.
أعترف بأن ما دعاني إلى مراجعة هذا الكتاب الذي قرأته منذ سنوات بعيدة، هو هذه الحال "الحربجية" الوحشية التي تشنها هذه الكيانية الإسرائيلية البغيضة منذ قرن على جغرافية صغيرة هي فلسطين التي اتفقنا على أن نسميها "أرض الله الصغيرة" التي نادت بإنسانية الإنسان منذ أن عمر أول بيت فيها، ومنذ أن حرث أهلها أول حقل في أرضها، ومنذ أن أنسن الفلسطينيون أنهارها، وبحيراتها، وغاباتها، وخنازيرها البرية، و ومنذ أن كتبوا كتابهم الأول الذي حفظوه في الجرار، وكان ينادي بالخير، والحق، والجمال، وهذه الحال "الحربجية" التي تشن، منذ قرن أيضاً، على شعب صغير حمل صليبه على ظهره من أجل أن يدعو إلى ثقافة المحبة التي بها تُبنى دنيا العمران من زراعة شجرة الزيتون... إلى تأليف الكتاب.
وأضيف، ليست حالة الوحشية المريضة التي تعيشها هذه الكيانية الإسرائيلية البغيضة وحدها هي من دفعني إلى مراجعة هذا الكتاب، ولفت الانتباه إليه، وإنما هناك سبب آخر هو هذه الفرجة البائخة، ناصلة اللون والمعنى التي تعيشها حكومات كثيرة في العالم، ذات نفوذ ومهابة،لكنها لم تفعل شيئاً، سوى استثناءات اقتصرت على إدانات، وبعض التظاهرات الشعبية لقوى السلام والمحبة فيها، تجاه ما اقترفته آلة الحرب الإسرائيلية، وهي جهنمية في الحرق والتدمير والخراب الوحشي، ومصدرها يعود إلى هذه الحكومات الساكتة عن الحق، وهي تراه وتعيه، وتدركه، وتقر به، ولكنها لا تقدر على الجهر بما يجب أن يقال، وإذا كانت لا تريد أن تقول شيئاً عمّا يحدث في فلسطين، ترى لماذا لا تقول شيئاً عمّا تقترفه آلة الحرب الإسرائيلية في لبنان عامة، والجنوب منه خاصة... من ترويع وإخافة وتدمير وتهجير وحشي؟
وقبل الحديث عن محتوى الكتاب، أشير إلى أن الكاتب النمسوي "هرمان هيسه" الذي كتب مؤلفاته باللغة الألمانية، هو كاتب معروف ومهم، وله حضور أدبي مميز، فقد حاز عام 1946 جائزة نوبل تثميناً لروايته "لعبة الكريات الزجاجية" التي تنادي بالمحبة، وترتضي صيغة العيش الإنساني القائم على معادلة "الخير، والحق، والجمال" وتهجو الحرب وثقافة الاعتداء والعدوان على الآخر.
عاش "هرمان هيسه" حياة مضطربة، متعددة الدروب، والاتجاهات، وحافلة بالأغلاط الفاقعة، فقد عمل في مهن عدة، منها تصليح الساعات، وبيع الكتب، حين فارق بيت أسرته مبكراً بحثاً عن الخصوصية والفردانية، مع أن والده كان كثير المعرفة والقراءات، وصاحب مكتبة، وجده كان مثقفاً كبيراً في مجتمعه، وصاحب مطبعة ومكتبة أيضاً، وأمه أستاذة موسيقى، وله إخوة، أشقاء وغير أشقاء، كانوا ناجحين في أعمالهم، لكن ذلك الاضطراب الاجتماعي في حياته أدى إلى اضطراب في صحته النفسية، فأُصيب بالاكتئاب، ودخل إلى المصحات العقلية غير مرة، ولم يلتزم بالأعمال التي أسندت إليه، وقد سافر في رحلات طويلة ليعرف كنه فلسفتين اثنتين في الدنيا، هما: الفلسفة الهندية والصينية، وقد عاش أوقاتاً طويلة في بورما، وإندونيسيا... وانهمت روحه كثيراً بقراءة كتب اللاهوت، ولا سيما اللاهوت المسيحي، والبوذي، والصيني، وقد كتب رواياته "ذئب البراري" و "سد هارتا" و "دميان" و "لعبة الكريات الزجاجية" استناداً إلى الثقافة اللاهوتية التي نادت بالمحبة، وقدمت إنسانية الإنسان على كل شيء.
في هذا الكتاب، مقالات مكتوبة كسيرة ذاتية "لهرمان هيسه" الذي عاش الحرب، واقترب منها حين خدم في الجيش الإمبراطوري (كراعٍ للأسرى" ورأى عياناً ما آمن به عقله، وما اقتنع به حقاً، بأن الإنسانية لا تليق بها الحرب وعقابيلها، مع أنه كان معفى من الخدمة الإلزامية بسبب وضعه النفسي، لكن قناعته بأن من غير اللائق أن يرقد في سريره قرب المدفأة، في الوقت الذي يُساق فيه رفاقه الكتاب إلى الخنادق، لقد خاف مما سيُقال عنه بعد انتهاء الحرب، مع أنه على قناعة كبرى بأن الحرب التي هدفها الطمع والعدوان والقتل والخراب هي محض فعل شيطاني ليس إلا!
في مقالاته المتتالية، والمتسقة مع تواريخ سنوات الحرب العالمية الأولى، يسأل "هرمان هيسه"، ما هي محركات الحرب، وما هي مرتكزاتها، وما هي أهدافها، وما هي نتائجها. أما الإجابة عن هذه الأسئلة فهي غاية في الظلامية، والعماء، والأنانية، والتوحش، وحب الظهور، والرغبة في اكتناز السطوة، ويقول "هرمان هيسه" كانت وراء محركات الحرب العالمية الأولى الثقافة التي تدرّس للأطفال في المدارس، وهي الأفكار التي تتبناها المنظمات، والأحزاب، والتيارات الفكرية التي تكمن فيها القناعات التي يتحلى بها أصحاب القرار، وكلها قرارات عمياء، أنانية، تؤمن بالتوحش، وتقر بأن عقول أصحابها لم تتخلص من لوثات الحيوانية بعد؛ فالحيوان يبطش من أجل أن يأكل ويشرب، ويطارد كل الحيوانات التي هي دونه في القوة من أجل أن تصير تابعة له، ومن أجل أن تبدي سلوكيات الإذلال والخوف تجاهه، ويُضاف إلى هذا أمر آخر شديد الخطورة، يتمثل في رضى الآسر داخل البيوت، عن ثقافة القوة والتفرد والأنانية والغطرسة التي يتربى عليها أطفالها، وأن يكون الذكور داخل البيوت ذئاباً، وأن تكون الفتيات لبوات، إنها، وكما يقول "هرمان هيسه"، هي العودة إلى الثقافة الحيوانية، أي الحصول على كل شيء بالذراع والإخافة ونزف الدماء والقتل.
ويقول أيضاً، إن مفهوم إخافة الآخر، أفراداً وجماعات، بالقوة الظالمة، سيحد من نمو الأفكار التي تدعو إلى الإبداع والابتكار والاشتقاقات من أجل خير، وحق، وجمال أكثر، لأن القوة العمياء التي وعاها في كتابات "فرويد" و "كارل يونغ" هي قوة للخراب، وليست قوة للبناء والعمران، وعلى أهل العقل أن يقاوموا هذه الوحشية والضلالة والعتمة في هذه الأفكار التي تطل برأسها وتنادي بالتفوق، وحيازة القوة بعيداً عن العلوم، والفنون، والآداب.
ويشبّه "هرمان هيسه" الحرب بالنار التي لا تخلّف وراءها سوى الرماد لأنها لم توقد أصلاً لهدف شريف، أو غاية حميدة، أو نزوع حضاري.
والحرب، كما يقول، لا تخلّف الرماد وحسب، بل تخلّف الندم الكبير لأنها تسرق من حياة البشر أعمارهم، ومن الحضارة عمرانها، ومن الصدور المحبة، لأنها تعيد الإنسان، وبعد كل ما امتلك من علوم ونظريات وصناعات وزراعات وثقافات، إلى العهد الظلامي الأول حين كان يتلاقى الإنسان و "الماموث" على فريسة واحدة، أو غاية واحدة، وكلاهما يطلبان ما يريده الواحد منهما... بالقوة.
كتاب "هرمان هيسه" كتاب مذكرات وسيرة ذاتية، وحالات وأحداث عاشها، هدفه الأول منها القول بعلوّ الصوت: لا للحرب العدوانية الظالمة، لا للهمجية، لا للموت الفجائعي البشع، لأنها حرب ضد الثقافات، وأفعال الناسوت، ووصايا اللاهوت، والإيمان بالمعادلة الذهبية: الإنسانية في كل جولاتها، ومقاصدها هي: الخير، والحق، والجمال، و عدا ذلك هو تهويمات تكتب أفكارها على سطح الماء، وتبني قراها في الهواء!