ألف ليلة وليلة: "احكِ حكايتك وإلا قتلتك"!

مبدأ الحكي في "ألف ليلة وليلة" سببه أساساً "الخوف من الموت". ذلك أن شهرزاد اخترعت حكاياتها لإنقاذ عنقها من سيف شهريار كي تنسيه فعل الخيانة الذي يؤرقه، وإيقاظ رغبته بالإنصات إلى ما تحكيه لضمان خلاصها.

  • (إدموند دولاك)
    شهرزاد (إدموند دولاك)

خضعت حكايات "ألف ليلة وليلة" منذ تدوينها لعملية تجريف واسعة أطاحت نتوءات النصّ وحواشيه إثر حقنه بمخدّر الفضيلة، وتنقيته من الأعشاب الضارة، وإذا بنا أمام نسخ متعددة من الليالي، تبعاً للجغرافيا التي لجأت إليها هذه الحكاية أو تلك، من طبعة كلكتا إلى طبعة بولاق، لترتهن "للحذف والشطب والنفي"، وفقاً لأهواء نسّاخ الحكاية، وسطوة سيّاف الرقابة. 

لكن نظرة علمية فاحصة إلى محتوى الليالي تشير إلى عدم دقة عدد الحكايات، ففي تحقيق متأخر لمتن الحكايات يجزم الدكتور محسن مهدي أن عددها 300 حكاية. ذلك أن النسّاخ والوراقين هم من أوصلوها إلى هذا الرقم الذي اشتهرت به. اعتمد هذا المحقق الرصين في استنتاجه هذا على محتويات نسخة المكتبة الوطنية في باريس، إضافة إلى نسختين أخريين هما نسخة المكتبة الرسولية في الفاتيكان، ونسخة مكتبة جون رايلندرز في مانشستر. 

ويؤكد أن النسخة الأم من الحكايات لم تعد متاحة اليوم، وقد أُلّفت في عصر دولة المماليك في القرن الـــ 13 الميلادي.

كتاب "ألف ليلة وليلة" نموذج أصيل لبنية الحكاية الشعبية في طريقة السرد، وخصوصية الاستهلال في معمارها الحكائي، إذ لا تكتفي "الليالي" باستهلالٍ واحد، بل باستهلالين، الأول يتعلّق بالليالي "بلغني أيها الملك السعيد"، والثاني بالحكاية "اعلم أيها الملك السعيد"، ثم تتوالد الحكايات في أنساق وخصائص سردية تنهض على التشويق في صوغ الحدث. 

كانت جدّتنا الأولى شهرزاد في "ألف ليلة وليلة" أول من اكتشف أهمية الجملة الفعلية في سرد الحكاية، وقد أهدتنا جملة عظيمة عبرت مختلف القارات واللغات، من دون حواجز: "بلغني أيها الملك السعيد". جملة مفتاحية ستكبّل شهوة شهريار للقتل، وإذا بالحكي ينتصر على السيف، حكايةً وراء حكاية، عن طريق تذويب السرد بالعبرة. نظن أن الملك أصبح سعيداً، بعد إنصاته للحكاية لا قبلها، وباستبداله الحبر بالدم الذي كان يسيل من الأعناق، وتالياً فإن شيفرة شهرزاد السريّة تكمن في الرهان على الجملة الفعلية المفيدة بوصفها طريقاً للنجاة.  

على المقلب الآخر، ستعلّمنا شهرزاد أهمية الأحلام في تعزيز فتنة الحكي، الأحلام التي تحلّق عالياً في تطوير عمل المخيّلة. في الحكاية 351 من "ألف ليلة وليلة"، يحلم رجل في القاهرة بأن صوتاً يأمره في المنام بالذهاب إلى أصفهان حيث ينتظره كنز هناك (في نسخٍ أخرى تجري الحكاية بين بغداد والقاهرة). بعد رحلةٍ طويلة وشاقة يصل أخيراً إلى أصفهان. بسبب تعبه من الرحلة يقرّر أن يستريح في فناء مسجد، فيجد نفسه بالقرب من دارٍ للصوص. ستداهمهم الشرطة وتلقي عليهم القبض جميعاً بما فيهم رجل المنام. يسأله القاضي عن سبب مجيئه إلى المدينة، فيخبره السبب. يضحك القاضي ويقول له: "لقد حلمتُ 3 مرات ببيت في القاهرة، تحيط به حديقة، ونافورة، وشجرة تين. وتحت النافورة يوجد كنز، لكنني لم أصدّق هذه الكذبة". حين يعود الرجل إلى بيته الذي حلم به القاضي، يحفر تحت النافورة، ويجد كنزاً. عدا عن استثمار باولو كويلو لهذه الحكاية المدهشة في روايته "الخيميائي"، سنقع على زخم من الأفعال المتواترة والكنوز التخييلية التي تشدّ عضد السرد بقوة الحلم/ الخيال/النبوءة، وصولاً إلى الضربة المؤثرة "الكنز بين يديك"، وبمعنى آخر: كي تكتب جملة سردية مفيدة، فتّش في الجوار، ذلك أن الضربة الحاسمة على بعد خطوات منك. قد تكمن في جزء من المنظر الذي نجا من عتمة ستارة النافذة المكشوفة قليلاً على الخارج، أو في المسافة الفاصلة بين غرفة المعيشة والمطبخ، أو في مكالمة هاتفية لم يُرد عليها، أو شامة في مفرق العنق، أو في مجاز مباغت، فالرواية، في نهاية المطاف، برج مراقبة يسجّل لحظات الحضور والتخفّي، واقتناص هذه اللحظات في التوقيت الحاسم، بقصد توطينها، كما لو أنها لعبة بازل، وتالياً فإن "الليالي العربية" تجاوزت الليلة الألف بليلة واحدة، كي لا تكون نهائية، على غرار عبارة" إلى الأبد ويوم". 

يقارن خورخي بورخيس بين بناء الكاتدرائيات وكتاب "ألف ليلة وليلة" موضحاً أن فناني وحرفيي الكاتدرائيات كانوا يعرفون ما يفعلون، في حين أن حكايات "ألف ليلة وليلة" هي عمل آلاف المؤلفين، وليس بينهم من كان يعلم أنه يشارك ببناء هذا الكتاب الغامض. ربما كان على بورخيس أن يقول: "هناك آلاف المؤلفين، وشهرزاد واحدة".      

من جهته يشير الباحث نور الدين محقّق إلى أن هذا النصّ التراثي المنبوذ من المؤسسات الرسمية في صيغته الأولى، جرى طمس بعض حكاياته، إضافة إلى دعوات لمنعه أو حرقه بوصفه "انزياحاً حقيقياً عن المسار التخييلي الرسمي، مؤسساً بذلك تخييلاً متمرّداً تشكّلت عناصر تكوينه انطلاقاً من الواقع الذي كانت تعيشه الفئات الشعبية التي أسهمت في تأليفه وصياغته وبلورته والتي جعلت منه نصّاً يتيماً لا ينتمي إلى أب معيّن يفرض عليه إطارات جامدة".

يركّز الناقد المغربي على تحديد مفهوم الحكي وأشكاله في "ألف ليلة وليلة"، وتصنيف بعض أنساقه، وتحديد طبيعة وظائف السارد ووضعيته داخل الحكايات، بالاتكاء على أطروحات جيرار جينيت في هذا السياق. كما سيعتني بتحليل حكاية "الحمّال والثلاث بنات" تطبيقياً لدراسة الأنساق الحكائية التي اعتمدتها في بنائها العام، والتوغّل في بنيتها النصيّة للعثور على مفاتيح أبوابها السريّة، بالاتكاء على عدد من المراجع في نظريات السرد وتأويل الحكاية التي عمل عليها باحثون ونقّاد في قراءة "الليالي" مثل جمال الدين بن شيخ (الثقافة العربية وتغييب المتخيّل)، وعبد الفتاح كيليطو (الحكاية والتأويل)، وسعيد يقطين (القراءة والتجربة)، ورولان بارت (النقد البنيوي للحكاية). 

ويشير إلى أن مبدأ الحكي في "ألف ليلة وليلة" سببه أساساً "الخوف من الموت". ذلك أن شهرزاد اخترعت حكاياتها لإنقاذ عنقها من سيف شهريار كي تنسيه فعل الخيانة الذي يؤرقه، وإيقاظ رغبته بالإنصات إلى ما تحكيه لضمان خلاصها. فعدا رغبته في الاستماع إليها، "يصبح السرد بلا معنى وبلا جدوى"، وتالياً ستعتمد على شقيقتها "دنيا زاد" بتحريضها على رواية الحكايات "بالله عليك يا أختي حدثينا حديثاً نقطع به سهر ليلتنا".

هكذا انجذب شهريار نحو سحر الحكاية رغم صمته طوال كل هذه الليالي، ما جعل سيفه عاجزاً عن فعل القتل. هذا ما يخبرنا به السارد خارج الحكاية، عمّا كان يحدث داخل الحكاية، ذلك "أن هاجس الموت والحياة هو الذي يشكّل بؤرة الحكي هنا" أو كما يقول عبد الكبير الخطيبي "احكِ حكايتك وإلا قتلتك". 

على هذا المنوال تتوالد سلسلة الحكايات في تحديد مصير شهرزاد "كل حكاية كانت تؤجل موتاً يومياً ينتظرها مع شروق الصبح". ولكن ماذا لو لم تجد شهرزاد ما تحكيه لشهريار؟ يقول تزفتيان تودوروف مجيباً عن هذا السؤال بحسمٍ: "إنها ستعدم. أجل ستُعدم". ولأن شهرزاد نجت من مصير الأخريات، نجا الكتاب أيضاً بخياله اللامحدود، وبأنساقه السردية المتوالدة عبر آليات التأطير والتنضيد والتتابع والتضمين والتناوب، وهو ما نجده في بعض النصوص الإبداعية والنقدية العربية والعالمية التي استثمرت سرديات "الليالي" مثل "ليالي ألف ليلة" لنجيب محفوظ، و"ألف ليلة وليلتان" لهاني الراهب، إضافة إلى نصوص أخرى اعتمدت تقنية "الليالي"، كما في أعمال إميل حبيبي، وخيري شلبي، وخيري عبد الجواد. 

وفي باب الدراسات النقدية نقع على قراءات لطه حسين، وسهير القلماوي، وجابر عصفور، ومحمد برادة، وموريس بلانشو، ووالتر بنجمان، وتودوروف. ولكن مهلاً، ها هي ياسمين سيل تترجم الليالي إلى لغة شكسبير بنبرة أنثوية تعيد الاعتبار إلى جدتها شهرزاد لتنهي حقبة طويلة من الاستعمار الثقافي لليالي التي عبثت بترجمتها أقلام المستشرقين.

اخترنا لك