أدب وفن ما بعد الكارثة: كيف يصوّر الفن والأدب ذاكرة الحرب والفاجعة؟

في حين ينقل الإعلام صورة الحرب والمأساة مباشرة حتى تصبح شبهَ اعتيادية، فإنّ الفنّ والأدب يعملان على كشف أثرهما الطويل. كيف؟

تسارع الوقائع الجارية في العالم اليوم إلى إعادة تشكيل أفق التفكير في الحرب، في ظل تصاعد تداعيات العدوان الذي شنته الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران، وطالت البشر والعمران والحضارة، ويُنتج عن ذلك كثافة غير مسبوقة في الصور والخطابات التي تنقل الحدث في لحظته عبر وسائل إعلامية تراهن على قوة الصورة وسرعة انتشارها. 

ويفرض هذا التدفق الفوري نوعاً من الإدراك السطحي، حيث يتماهى الحدث مع تمثيله الإعلامي، فتغدو الحرب سلسلة من اللقطات المتتابعة التي تغذي الرغبة الإنسانية في النظر، غير أنه نظر مشبع، يكاد يفقد حساسيته تدريجياً، فتتحول الكارثة إلى حالة من الألفة بدل أن تبقى صدمة تُربك الوجود الإنساني وتزعزعه.

وفي هذا السياق، يغدو الفضاء الإعلامي، خاصة في المجتمعات الغربية، فضاءً تتكرر فيه صور العنف إلى حد الاعتياد، بحيث تُستقبل الفاجعة بوصفها حدثاً عابراً ضمن تدفق يومي من الأخبار، لا بوصفها لحظة وجودية مدمرة. 

هذا التكرار لا يلغي أثر الكارثة، بل يعيد تشكيله داخل الوعي بطريقة تجعل الإنسان أقل قدرة على التفاعل، وأكثر ميلاً إلى التلقي السلبي، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود الصورة الإعلامية وقدرتها على تمثيل الألم.

هنا يتحرك الأدب والفن في زمن آخر، زمن يتأخر عن الحدث ليشتغل على أثر الفاجعة، لا على لحظتها المباشرة. إذ يعيدان تشكيل الخراب داخل بنى رمزية وجمالية معقّدة، حيث تصبح الفاجعة مبرراً للكتابة والإبداع، ووسيلة لمساءلة الضمير الإنساني وإعادة تنشيطه. 

يتحرك الأدب والفن في زمن آخر، زمن يتأخر عن الحدث ليشتغل على أثر الفاجعة، لا على لحظتها المباشرة. إذ يعيدان تشكيل الخراب داخل بنى رمزية وجمالية معقّدة، حيث تصبح الفاجعة مبرراً للكتابة والإبداع، ووسيلة لمساءلة الضمير الإنساني وإعادة تنشيطه.

من هذا المنظور، تتشكل منطقة معرفية وفنية يمكن تسميتها بشرط ما بعد الكارثة، حيث تُفهم الصدمة بوصفها بنية زمنية ونفسية تتجاوز لحظة الانفجار، وتستمر في التشكل داخل الذاكرة عبر التكرار والانقطاع.

يفرض هذا التصور إعادة تعريف وظيفة الأدب والفن، حيث لا يعودان مجرد وسيلتين للتوثيق أو النقل، بل يتحولان إلى فضاءين لإعادة بناء التجربة الإنسانية داخل عالم فقد انتظامه. فالحرب، في هذا السياق، لا تُفهم فقط كحدث عسكري، بل كتحول عميق في إدراك الإنسان للعالم، يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والواقع.

كتابة الكارثة وتصوير العنف

  • لوحة
    لوحة "غيرنيكا" لبابلو بيكاسو

تُفهم الحرب في الحقول المعرفية المعاصرة كونها ظاهرة مركبة تتقاطع فيها أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية، وتؤدي إلى إعادة تشكيل أنماط الإدراك الإنساني. فهي لحظة انكسار داخل النظام الرمزي، حيث تتزعزع المعاني المستقرة، وتُجبر اللغة على إعادة اختبار قدرتها على التسمية والتمثيل. 

من هنا، يتحوّل الحدث الحربي إلى بنية داخل الأدب والفن، تعيد تشكيل الأشكال التعبيرية من الداخل، وتفرض البحث عن صيغ جديدة قادرة على احتواء ما يتجاوز التجربة اليومية.

لقد شكّلت الحروب الكبرى، خاصة في القرن العشرين، لحظات تأسيسية في تطور الأشكال السردية والبصرية، غير أن الكارثة، كتجربة تتجاوز القدرة على الإدراك، فرضت على الكتابة والفن تحدياً مزدوجاً: تمثيل الحدث واستيعاب أثره. 

ولم يعد السرد الخطي أو التمثيل الواقعي المباشر كافياً، بل ظهرت ممارسات جمالية تعتمد على التشظي والانقطاع والتكرار، بحيث تصبح البنية نفسها حاملة لأثر الكارثة.

يتحدد مفهوم الكارثة هنا بوصفه لحظة انقطاع جذري في النظام الرمزي والاجتماعي، حيث تتفكك البنى التي تنظّم التجربة، ويظهر العالم في صورة يصعب فهمها مباشرة. ويتقاطع هذا مع مفهوم الصدمة في التحليل النفسي، كما عند سيغموند فرويد، حيث تُفهم الصدمة بوصفها تجربة لا تُستوعب لحظة وقوعها، بل تعود لاحقاً في شكل تكرارات قسرية داخل الذاكرة.

تُعيد الأعمال الفنية والأدبية تعريف نفسها كممارسة تعمل على الأثر، لا على الحدث نفسه، حيث تتقاطع الأزمنة وتتعدد الأصوات، ويُعاد تشكيل التجربة داخل بنية مفتوحة على التأويل. فالفاجعة لا تُختزل في ما حدث، بل في ما يستمر بعدها داخل الوعي. 

وبهذا، تعمل الكتابة والفن داخل فجوة زمنية، حيث لا يُعاد بناء الحدث كما وقع، بل كما يُعاد تذكّره وتأويله. وهنا تتأسس كتابة الفاجعة بوصفها كتابة تنحاز إلى ما لا يمكن قوله مباشرة، وتشتغل على التوتر بين الذاكرة والنسيان. فالكتابة، كما يشير موريس بلانشو، تقوم على نوع من "التذكر بالنسيان"، حيث لا يُستعاد الحدث كاملاً، بل عبر شظايا وانقطاعات.

ينشأ في هذا السياق ما يُعرف بأدب الكارثة، حيث تتحول الكتابة إلى ممارسة تبحث عن أشكال جديدة تتجاوز القوالب التقليدية، وتعمل على تفكيك السرديات الكبرى، وإفساح المجال لأصوات متعددة. كما تتكثف العلاقة بين الذاكرة والنسيان، حيث تُفهم الكتابة بوصفها محاولة لاستعادة ما فُقد، دون القدرة على امتلاكه بالكامل.

في الفنون البصرية، تتحول الصورة إلى أثر يحمل بقايا الحدث، لا إلى تمثيل مباشر له. فالكارثة لا تُعرض بوصفها واقعة مكتملة، بل بوصفها شظايا تتوزع داخل التكوين البصري. ومن هنا تبرز إشكالية العلاقة بين العنف والجمال، حيث يسعى الفن إلى تحويل الألم إلى بنية قابلة للإدراك من دون أن يفقد كثافته أو يتحول إلى مشهد استهلاكي.

تشير تأملات سوزان سونتاغ إلى أن صور العنف، رغم قوتها، قد لا تدفع إلى التأمل بقدر ما قد تؤدي إلى الاعتياد، حيث يصبح المتلقي أقل تأثراً مع تكرار الصور. وهذا ما يدفع الأدب والفن إلى البحث عن استراتيجيات بديلة، تعتمد على الإيحاء والتكثيف والتشويه والفراغ، لتمثيل ما يتعذر قوله مباشرة.

أدب ما بعد الكارثة

  • في رواية
    في رواية "معشوقة" لتوني موريسون لا تُقدَّم العبودية بوصفها حدثاً تاريخياً مكتملاً بل كأثر نفسي مستمر

ينفتح الأدب بعد الحرب على تحوّل عميق في بنية السرد، حيث يتراجع التصور التمثيلي الذي يكتفي بنقل الوقائع، لصالح تصور يعنى بإعادة بناء أثرها داخل الوعي. وتشتغل هذه الكتابة داخل زمن مؤجل، حيث يظهر الحدث عبر آثاره، وتُعاد صياغته من خلال ذاكرة متصدعة.

تُجسد رواية "معشوقة" لتوني موريسون هذا التحول، حيث يتداخل الماضي مع الحاضر، ويظهر في هيئة طيف يعيد تشكيل الواقع. لا تُقدَّم العبودية بوصفها حدثاً تاريخياً مكتملاً، بل كأثر نفسي مستمر، تتحول فيه الذاكرة إلى قوة فاعلة في السرد. كما تتكثف الفجوات داخل النص، وتعمل اللغة على ملامسة ما يتعذر قوله.

وفي "الأشياء التي كانوا يحملونها" لتيم أبرين، تُعاد تجربة حرب فيتنام عبر التكرار والتخييل، حيث لا تُقاس الحقيقة بمدى مطابقتها للواقع، بل بقدرتها على نقل أثر التجربة. ويؤدي التكرار إلى تفكيك المعنى، ويُظهر طبيعة الذاكرة الصدمية التي تعيد إنتاج الحدث في أشكال متحوّلة.

يتحدد مفهوم الكارثة بوصفه لحظة انقطاع جذري في النظام الرمزي والاجتماعي، حيث تتفكك البنى التي تنظّم التجربة، ويظهر العالم في صورة يصعب فهمها مباشرة. ويتقاطع هذا مع مفهوم الصدمة في التحليل النفسي، حيث تُفهم الصدمة بوصفها تجربة لا تُستوعب لحظة وقوعها، بل تعود لاحقاً في شكل تكرارات داخل الذاكرة. 

أما في "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي، فتُعاد كتابة الحرب عبر استعارة جسد مركّب من بقايا الضحايا، يمثل ذاكرة جماعية ممزقة، ويطرح أسئلة أخلاقية حول العنف والعدالة. كما تتعدد الأصوات داخل الرواية، ما يعكس تشتت التجربة.

وفي "الحرب وتربنتين" لستيفان هيرتمانس، يُعاد بناء تجربة الحرب العالمية الأولى من خلال دفاتر ورسائل، حيث يتحول الماضي إلى حاضر داخل النص، وتتشابك الأزمنة، ما يؤكد أن الحرب لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تستمر داخل الذاكرة.

الفاجعة التي تتكلم 

  • لوحة
    لوحة "الثالث من مايو 1808" لفرانسيسكو غويا

تُعيد هذه الأعمال تعريف الأدب كممارسة تعمل على الأثر، لا على الحدث نفسه، حيث تتقاطع الأزمنة وتتعدد الأصوات، ويُعاد تشكيل التجربة داخل بنية مفتوحة على التأويل. فالفاجعة لا تُختزل في ما حدث، بل في ما يستمر بعدها داخل الوعي.

وفي الفنون البصرية، يتجسد هذا من خلال تفكيك الشكل الإنساني وإعادة بنائه في صورة متشظية، كما في لوحة "غيرنيكا" لبابلو بيكاسو، حيث تتحول الحرب إلى انفجار بصري يعكس العنف من دون تمثيله مباشرة. وفي لوحة "الثالث من مايو 1808" لفرانسيسكو غويا، يظهر التوتر بين الضوء والظلام، حيث يتجسد العنف في مواجهة مباشرة مع الضحية.

يفرض التدفق الفوري للصور ومقاطع الفيديو نوعاً من الإدراك السطحي، حيث يتماهى الحدث مع تمثيله الإعلامي، فتغدو الحرب سلسلة من اللقطات المتتابعة التي تغذي الرغبة الإنسانية في النظر، غير أنه نظر مشبع، يكاد يفقد حساسيته تدريجياً، فتتحول الكارثة إلى حالة من الألفة بدل أن تبقى صدمة تُربك الوجود الإنساني وتزعزعه. 

أما في السينما، فتُعاد صياغة الحرب عبر تداخل الأزمنة وتشظي الرؤية، حيث يتحول المتلقي إلى شاهد يختبر التجربة. ويبرز هنا مفهوم الشاهد كما طرحه جورجيو أغامبين، بوصفه من يشير إلى ما لا يمكن قوله، لا من يمتلك الحقيقة الكاملة. ويتجسد ذلك في فيلم "هيروشيما حبي" لألان ريسني، حيث تتداخل الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية.

في النهاية، لا ينتج الفن معرفة يقينية، بل يفتح مجالًا للتساؤل، ويُبقي المعنى في حالة توتر دائم. وتكمن قيمته في قدرته على احتضان التناقض، وإبراز هشاشة التجربة الإنسانية من دون اختزالها. وهكذا يغدو الفن والأدب فضاءين تتجاور فيهما الذاكرة والنسيان، والحضور والغياب، ليعبّرا عن أثر الكارثة داخل الوعي الإنساني.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك