"من قتل طائر الغاق الأخير؟".. فَكِّر مرَّتين
تنجح رواية "من قتل طائر الغاق الأخير؟" في تقديم بطل لا يموت لأنه هُزم عسكرياً، بل لأنه استُنزف وجودياً في زمن الخيانات المديدة التي تحتاج دائماً إلى التفكير مرتين قبل الخروج من الكهف.
-
"من قتل طائر الغاق الأخير؟".. فَكِّر مرَّتين
تنتمي رواية "من قتل طائر الغاق الأخير؟" للروائي اليمني بدر أحمد إلى نمط السرد السياسي الوجودي الذي لا يكتفي بتوثيق العنف والاغتيالات، بل يحوّلها إلى مادة للتأمل في معنى الخيانة، والانتماء، وجدوى النجاة نفسها، فهي لا تطرح سؤال القاتل بوصفه لغزاً بوليسياً، بل بوصفه استعارة مفتوحة عن العالم الذي يقتل رموزه، وشهوده، وأبطاله الصامتين.
تتمحور الرواية حول شخصية تحمل الاسم القتالي "طائر الغاق"، صحافي ومناضل ينجو مراراً من الموت، لكنه يُقتل أخيراً في منفاه الاختياري بعد أن يفقد آخر روابطه الإنسانية.
تتجلّى أهمية الرواية في بنائها النفسي العميق للشخصيات، وفي قدرتها على الترميز أكثر من الكشف، ودفع القارئ إلى استخلاص المقاصد من السرد، ومن الأحداث المتشظية في بعض الأحيان، لكنها مرتبطة إلى بعضها بميكانيزمات المعنى، وبسيرورة وجدانية حثيثة في سعيها لاستدرار الأسئلة والدفع في سبيل إيجاد إجابات لها.
تفكُّك أخلاقي
لا يُقدَّم "طائر الغاق" بوصفه بطلاً تقليدياً يقود الأحداث أو يصنع التحولات الكبرى، بل بوصفه شاهداً هشّاً على عالم يتفكك أخلاقياً من الداخل. اسمه القتالي ذاته يحمل دلالة رمزية: فالغاق طائر بحري لا يستقر طويلاً في مكان واحد، يعيش على التخوم بين الماء والهواء، وهو ما يعكس حالة البطل الوجودية بين الوطن والمنفى، الفعل والانسحاب، الانتماء والاقتلاع.
يتميّز هذا البطل بحساسية أخلاقية عالية، لكنه يفتقر إلى القدرة على الفعل الحاسم، ما يجعله عرضة للخذلان الذاتي بقدر ما هو عرضة للخيانة الخارجية، وهو لا يسعى إلى البطولة بقدر ما يسعى إلى النجاة المعنوية: نجاة المعنى من التزييف، والذاكرة من المحو، والإنسان من التحوّل إلى رقم في سجل الضحايا.
هذه البنية النفسية المأزومة تجعل الشخصية قابلة للتعاطف لا للإعجاب البطولي، وتمنح الرواية طابعها الإنساني العميق، إذ يتحوّل القلق والتردّد والشك إلى عناصر بنيوية في تكوين الشخصية لا مجرد سمات عابرة.
الحَصَانة السردية
من أبرز ما يلفت في الرواية أن البطل وهو الراوي أيضاً، ينجو مراراً من الموت، بطرائق تبدو أقرب إلى الأعاجيب، أو كتلك التي تُحققها سرديات الأفلام الهوليوودية، منها مثلاً خلال مهمة اختطاف "صبحي الراجي"، الجندي الضالع باغتيالات عدد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، من مثل محمد يوسف وكمال عدوان، حيث يستشعر "تيتو" قائد فريق الاختطاف في جزيرة كريت اليونانية الخيانة بعد توجههم مع المخطوف بطائرة نحو طبرق الليبية، فيقوم بقتل الطيار ومساعده والراجي ويهم بقتل الراوي، لكن الرصاصة تصيب كتفه بعد انحراف الطائرة عن مسارها، ومن ثم تسقط في الصحراء الليبية وينجو "طائر الغاق" بأعجوبة، ويتكرر اقترابه من الموت أكثر من خمس مرات خلال رحلته إلى أفغانستان كصحافي يعمل ضمن إحدى الوكالات النمساوية لنقل الصورة الحقيقية في كابول، غير أن هذه النجاة لا تُقدَّم بوصفها بطولة جسدية أو تفوقاً أمنياً، بل كونها حصانة سردية مرتبطة بدوره داخل النص.
الرواية لا تحمي الجسد بقدر ما تحمي الوظيفة الرمزية للشخصية: وظيفة الشاهد الذي لم يقل كلمته الأخيرة بعد. ولذلك، يبقى حياً ما دام قادراً على الكشف ولو في حدوده الدنيا. وهنا تبرز أهمية ما كشفه فعلياً: فهو لم يفضح منظومات كبرى ساهمت باغتيالات عدد من الوفد الصحافي المرافق له، وجُلُّهم من ضباط استخبارات دول عربية يتلطُّون خلف مهنتهم الصحافية الإنسانية، بل اقتصر على فضحه مشاركة جنود أمريكيين وبريطانيين في مجزرة جماعية في أفغانستان، وهو كشف محدود الأثر سياسياً، لكنه بالغ الأهمية رمزياً، لأنه يكسر الخطاب الإعلامي المهيمن الذي يُكرِّس أيديولوجيا اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا، ويحتكر تعريف الضحية والجلاد.
لكن العامل الحاسم في نجاته من أفغانستان لم يكن تدريبه القتالي أو حذره وحدهما، بل إصرار صديقته الصحافية "سارة كبير" على البحث عنه وتتبع أخباره وعدم الاستسلام لفكرة اختفائه. فقد أدت دوراً محورياً في لفت الانتباه إلى مصيره، وفي إبقائه حياً داخل شبكة الاهتمام الإنساني والإعلامي. وهنا تتجلّى مفارقة دقيقة: نجاته لم تكن نتاج قوته الذاتية، بل نتاج علاقة إنسانية لم تنقطع، أي أن الحياة في الرواية لا تُنقذ بالقوة، بل بالاهتمام، وبوجود من يرفض نسيانك.
صدمة سرديّة
تمثّل شخصية تيتو إحدى أكثر لحظات السَّرد صدمة وتأثيراً، فهو لا يُقدَّم منذ البداية كعدو، بل كرفيق قديم، صاحب تاريخ نضالي، وواجهة ثقة داخل الوسط الفلسطيني، غير أن السرد يكشف تدريجياً أنه كان هو الخائن الأكبر، والمفاجئ أنه يبرر ذلك بأن جميع رفاقه القدامى كانوا يقتلون بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها أو الإيمان الذي يحملونه، مع فارق بسيط أنه لم يكن يقتل مجاناً على عكسهم، لذلك كان هو الخائن في عملية اختطاف الجندي صبحي الراجي لأن هناك من دفع له أكثر.
بدر أحمد لا يعالج خيانة تيتو بوصفها خيانة سياسية فحسب، بل بوصفها انهياراً أخلاقياً عميقاً، لأنها تأتي من الداخل لا الخارج، ومن الصديق لا الخصم، وهذا ما يجعل أثرها أكبر على "طائر الغاق"، إذ يكتشف أن الخطر الحقيقي لم يكن في أجهزة الاستخبارات المعادية، بل في الدوائر الأقرب إليه.
على المستوى السردي، يكتسب هذا الكشف أهمية خاصة، لأن البطل لا يكشف شيئاً شخصياً سوى خيانة تيتو تحديداً، فلا يمتد كشفه إلى شبكة واسعة أو منظومة مكتملة. وهنا تتجلى المأساة: الحقيقة حين تأتي مجتزأة ومتأخرة لا تنقذ أحداً، لكنها تدمّر ما تبقّى من يقين.
كي تستحق الحياة
تمثّل الصحافية سارة كبير الوجه الإنساني الأكثر إشراقاً في حياة الراوي، فهي ليست مجرد علاقة عاطفية، بل قوة سردية فاعلة في مصيره. صحيح أن العلاقة بينهما تبقى طويلاً في إطارها المهني، لكنها تنزاح في النهاية إلى رابط وجداني عميق يمنح البطل آخر أفق ممكن للحياة خارج العنف والمنفى والسياسة، فهي تمثّل له إمكانية أن يكون إنساناً لا مناضلاً، عاشقاً لا شاهداً، فرداً لا رمزاً، وخصوصاً بعد نجاته من براثن المذبحة المجنونة في أفغانستان، والتي غيَّرت من نظرته إلى الحياة كلياً وجعلته يقول: "أصبح للحياة معنى آخر يختلف عن كل المعاني التي كنت أؤمن بها طيلة حياتي، فلا يكفي أن تكون بشرياً لتستحق الحياة على وجه هذه الأرض، أو لتحمل صفة إنسان". من هنا، ونتيجة شكوكه في كل شيء، اختار سيبيريا كمنفى أخير له، بعدما سمع عاشقاً يهمس لحبيبته في المطار: "سيبيريا؟ هناك الدببة تفكر مرتين قبل أن تخرج من كهفها". لذا، أعرض عن سفره المُقرَّر إلى تايلاند واختار تلك البلاد الباردة.
هذه العلاقة بعدما تحوَّلت إلى أحد أسباب التُّمسك بالحياة والنجاة من براثنها، انتقلت إلى محور آخر بعدما أعلنت سارة عن رغبتها في الزواج من أحدهم، وهو ما شكَّل ضربة وجودية قاصمة للبطل، لأنه لا يخسر امرأة فقط، بل يخسر آخر رابط إنساني يدفعه إلى الاستمرار.
ذلك هو مصيرك
تبلغ الرواية ذروتها الرمزية حين يُقتل "طائر الغاق" في منفاه الاختياري على يد شخصين مجهولين، بعدما نجا سابقاً من ساحات الصراع المباشر. هذه المفارقة ليست عبثية، بل تحمل دلالة وجودية عميقة: في الحرب، كان يعرف لماذا يعيش ولماذا قد يموت، أما في المنفى، ورغم عودته لقراءة ما لم يتح له في حياته السابقة، وللكتابة كفعل حياة، ولو باسم مستعار، فإنه بفقدانه سارة كشريكة وجدانية أصبح في موتٍ رمزي. حينها، قرر الخروج من كهف عزلته دون أن يفكر مرتين كما تفعل الدببة، ليلقى موته الفعلي بنصال مجهولَين، كخيار دلالي عميق الأثر لبدر أحمد، فهو لا يريدنا أن نسأل: من قتله؟ بل: لماذا أصبح قتله ممكناً؟
تنجح رواية "من قتل طائر الغاق الأخير؟" الصادرة عن "دار دلمون الجديدة" في تقديم بطل لا يموت لأنه هُزم عسكرياً، بل لأنه استُنزف وجودياً في زمن الخيانات المديدة التي تحتاج دائماً إلى التفكير مرتين قبل الخروج من الكهف، فكما قال محمود درويش: "لا أحد يلغي غداً من حياتك إلّا أنت.. وذلك هو مصيرك".