"ليلة السكاكين"...حين تقتل الشعوب مخلّصيها!!
افتتح عروة المقداد روايته بحدث مقتل ابن سلامة "قتل ابن سلامة بعد خمسة عشر عاماً من غيابه عنها" مؤسساً لحبكة روايته في منهج تجديدي في الأدب العربي ابتكره الطيب صالح في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال".
-
"ليلة السكاكين"...حين تقتل الشعوب مخلّصيها!!
هناك أماكن تولد من الأساطير وفي الوقت نفسه تخلق أساطيرها الخاصة بها، وهذا هو حال قريتنا التي تدور فيها أحداث رواية أو نوفيلا "ليلة السكاكين" للكاتب والمخرج السوري عروة المقداد الصادرة عن دار نوفل في لبنان عام 2026، حيث تقول الأسطورة إنّ راعي أغنام كانت لديه ابنة فاتنة الجمال تغوي كلّ من يراها، فدبّ الشكّ في قلبه واعتقد أنها تحبّ جنّياً وتعاشره، فقام بربطها على جذع شجرة وراح يضربها بقوة حتى ماتت، ففاض من جسدها ماء غزير وشقّ المكان إلى نصفين فتشكّلت هذه القرية التي لا اسم لها مجبولة بمشاعر البغض والثأر والكره، وعاش بها أناس أنجبوا أناساً كثيرين وكان من بينهم امرأة تدعى سلامة هجرها زوجها وهي حبلى بولدها الوحيد، فأنجبت هذا الولد وراحت ترعاه وتعمل ليل نهار كي تؤمّن له لقمة العيش، وأطلق عليه أهل القرية اسم "ابن سلامة" نسبة إلى أمه، ما جعله عرضة للتنمّر من أطفالها وأهلها المشكّكين بنسبه وشرف أمه التي ربّته على قيم الخير وزرعت المحبة في قلبه.
وحين كبر وأصبح شاباً عمره خمسة وعشرون عاماً عمل بمهن كثيرة من أجل كسب الرزق، فقرّرت والدته أن تخطب له فتاة من القرية وتخصّص له ركناً خاصاً في منزلها كي يسكن فيه حين يتزوج، لكنْ كان للقدر رأي آخر. ففي إحدى المرات أثناء عودته من عمله ليلاً ومروره بساحة القرية رأى جنوداً تابعين للحكومة يقتحمون المنازل ببنادقهم ويقتلون سكانها ويعتقلونهم، فتدخّل وراح يتعارك معهم واستطاع قتل اثنين منهم وحرّر ثلاثة من شبان القرية ومنع الجنود من الاعتداء على ساجدة وهتك عرضها وهي ابنة الحسب والنسب، ثمّ لاذ بالفرار خارج القرية لكنه سيصبح حديث سكّانها وستحاك حوله الأساطير والقصص، فهو البطل المخلّص الذي جابه الجنود لوحده، روبن هود العصر، لكنه في الوقت نفسه أثار استياء عملاء السلطة في القرية فحقدوا عليه، ومن هؤلاء ابن فهد مختار القرية الذي يتزوّج لاحقاً من ساجدة بعد أن أطلق عليها الإشاعات، لكنّ الأخيرة ظلّت تحتفظ بحبّها لابن سلامة لمدة خمسة عشر عاماً رغم هجره للقرية وغيابه عنها هذا الغياب الذي استغلّه ابن فهد لبسط سلطته ونفوذه على أهلها البسطاء فكان ممثّلاً لسلطة الحكومة فيها.
العودة الدامية:
بعد خمسة عشر عاماً يقرّر ابن سلامة العودة إلى القرية ملثّماً فيكتشف أنّ أمه قد ماتت وخطيبته فقدت عقلها بعد أن ضربها أحد الجنود بأخمص البندقية على رأسها، وينتشر الخبر في القرية ويخبر حفيد الجدّة أم البركة سكان القرية أنّ ابن سلامة قد عاد، فتسعد ساجدة بهذا الخبر وتزوره في بيته وتتعرّى له وتعرض نفسها عليه لكنه يشفق عليها ويضع الرداء على جسدها فتشعر بالإهانة من هذا الرفض، فتتفق مع زوجها ابن فهد على التخلّص منه. فيبلّغ ابن فهد المخبر عبد الجبّار أن يرفع تقريراً به إلى السلطات يخبرهم فيه بعودته هو المطلوب لهم، لكنه لا ينتظر حتى يفعل هذا فيقوم بتكليف عصابة "بنات آوى" بالتخلّص منه، فيدخلون إلى منزله ويذبحونه بسكاكينهم ويمزّقونه إرباً، ويؤلّب ابن فهد أهالي القرية عليه فيحرقون منزله ويهدمونه، ثم تأتي جرّافات البلدية وتزيله. لكنّ طفلاً حليق الرأس يخرج من بين الجموع ويصرخ بأعلى صوته "حرية حرية" وبهذا تكون قد انتهت أسطورة ابن سلامة.
ثنائية الخير والشرّ:
لقد كان في هذه القرية فريقان من الشخصيات الذين يمثّلونها؛ الفريق الأول يمثّل السلطة الحاكمة بشرورها كافة، ويتألّف من عدة شخصيات على رأسهم ابن فهد المختار الذي يملي عليه ما يجب أن يفعله أستاذ المدرسة القادم من المدينة ويجتمعون في منزل التاجر الثري لاتخاذ القرارات المصيرية ولهم أدواتهم المتمثّلة في المخبر "عبد الجبار" والمهرّب الذي يروّج للمخدرات والممنوعات، والعسكري الذي يمارس بطشه على الناس، إضافة إلى عصابة ابن آوى التي تعمل لصالح ابن فهد والتي قتلت ابن سلامة.
في المقابل هناك فريق آخر يعارض الفريق الأول ويرمز للخير في القرية الذي رفض قتل ابن سلامة وهجوم أهالي البلدة عليه، والغارب الذي قام هو ورجاله بالقبض على مخبري السلطة وحرقهم، وعروس ابن سلامة المسكينة. لكنّ الغلبة كانت للفريق الأول في البداية حتى تحرّرت القرية في النهاية.
البداية من النهاية:
افتتح عروة المقداد روايته بحدث مقتل ابن سلامة "قتل ابن سلامة بعد خمسة عشر عاماً من غيابه عنها" مؤسساً لحبكة روايته في منهج تجديدي في الأدب العربي ابتكره الطيب صالح في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال"، مقدّماً لنا قصته على لسان راوٍ عليم هو حفيد الجدّة أم البركة بلغة سلسلة وأحداث مشوّقة، فتميّزت روايته هذه بسبكها المتين حيث نحت فصولها الـ22 بإيجاز وحوارات تدلّ على طبائع الشخصيات والغوص في كينونتها مستفيداّ من خبرته وثقافته السينمائية في التكثيف والاختزال وتصوير المشاهد، فكان القارئ أمام رواية ممتعة وعميقة ومشوّقة في الآن نفسه.