"فورور"...حين تختزل الأمومة في معطف!

عبر هذه الرواية يقدم لنا نزار عبد الستار  قصة هذا المعطف العجيبة مقدماً لنا صورة بانورامية عن زمن جميل عاشته الدول العربية في القرن العشرين لم يعد موجوداً الآن. 

  • "فورور"...حين تختزل الأمومة في معطف!

في علم التنمية البشرية يقال إن أفكار الإنسان هي التي تحدد مسار وأحداث حياته ومستقبله. وفي الأديان الإبراهيمية أو الميتافيزيقيا يسمّى هذا الشيء بالقدر. وهذا ما حدث مع صابر عفيف بطل رواية "فورور" للكاتب العراقي نزار عبد الستار الصادرة عن دار نوفل في لبنان والواصلة إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2026، فصابر لم يختر حياته وإنما القدر أو المصادفة اختاراها له، وكل هذه الحياة التي عاشها والأحداث التي مر بها والمهن التي امتهنها  كانت الوصول إلى هدف واحد  وهو استعادة معطف الفرو "الفورور الشنشيلا البيج السواريه" الخاص بوالدته "وحيدة جميل" التي كانت ذات يوم أشهر مطربة في كازينو "المولان روج" في بغداد قبل أن تقذفها الأمواج إلى شواطئ متعددة، ففي هذا الفورور رائحتها ودفأها وحنانها الذي غمرته به وهو صغير حين كان يسير وراءها متعلقاً بذيل فستانها قبل أن تقدم فقرتها على المسرح. لذلك، ظل مصمماً على استعادته طوال ستين عاماً من حياته، فهو بالنسبة له أمه وحبها وحنانها الذي افتقدهم حين انتزع منها انتزاعاً بعد أن قررت السفر وترك بغداد. لذلك، كان مستعداً أن يضحي بكل ما جناه من أجل استعادة هذا المعطف وهذا ماحدث في النهاية، فعبر هذه الرواية التي تروى بلسان صابر يقدم لنا نزار عبد الستار  قصة هذا المعطف العجيبة مقدماً لنا صورة بانورامية عن زمن جميل عاشته الدول العربية في القرن العشرين لم يعد موجوداً الآن. 

الفورور السواريه الشنشيلا:

في أربعينيات القرن الماضي، زار العراق وزير الدفاع الروسي على سكيتش فدعاه رئيس الوزراء في حينها "نوري السعيد" للسهر في كباريه "المولان روج" الشهير وسط بغداد وكانت تعمل في هذا الملهى مطربة أو مونولوغست اسمها وحيدة جميل تقدم وصلات غنائية ومونولوجات ساخرة فقدمت في تلك الليلة مونولوجاً تتندر فيه عن الظاهرة الجديدة في البلاد وهي قيادة النساء للسيارات، فأعجب وزير الدفاع السوفياتي بحريتها وشجاعتها فأهداها معطفاً من الفرو كان من المقرر أن يهديه للأميرة عابدية زوجة الملك علي ومربية الملك فيصل الثاني لكنه اختار وحيدة بدلاً منها فكان حدثاً عظيماً لهذه المرأة،التي سجن زوجها بعد ارتكابه جريمة قتل حين كان يتناول السمك مع أصدقائه فتكفلت بتربية ابنها الوحيد صابر هي وأختها بدرية عازفة الكمان في الفرقة وراءها،وازدادت شهرتها حين زار المطرب اللبناني فيلمون وهبي العراق واستمع إلى صوتها وأطربه وقبّل يدها ودعاها لتذهب معه إلى لبنان علها تنطلق شهرتها من هناك فأحبّت الأمر وقررت السفر معه إلى لبنان، واصطحبت أختها بدرية معها لكن أخا زوجها منعها من اصطحاب طفلها صابر كونه هو الوصي الوحيد عليه بعد غياب والده، فبقي صابر في العراق وهاجرت هي إلى لبنان، وأصبحت تغني في بيسين عاليه، وهناك تعرف عليها فريد الأطرش وأعجب بصوتها ودعاها إلى مصر هوليوود الشرق في حينها، ففرحت كثيراً وسافرت برفقة أختها، وهناك بدأت قصة معطف الفرو الذي كانت وحيدة تصطحبه معها أينما حلت نظراً لقيمته الكبيرة لديها. هذا المعطف العجيب الذي تنقل بين أربع عواصم ليحط بالنهاية في لندن، فأثناء وجود وحيدة في مصر أتيحت لها المشاركة في فيلم "حكاية حب" لعبد الحليم حافظ حيث ظهرت فيه كراقصة في المشهد الذي كان يغني فيه (بتلوموني ليه) بينما فورورها الدانتيل البيج  فقد ارتدته مريم فخر الدين في أحد المشاهد فأهدته وحيدة لها وبقي معها. وبعدها، تم ترحيل الأخيرة إلى لبنان رغم محاولة فريد الأطرش التدخل إلا أن وساطته لم تفلح ورحلت هي وبقي الفورور الخاص بها في مصر، وأمضت بقية حياتها في لبنان وماتت هناك، أما معطفها الفرو فقد انتقل من مريم فخر الدين إلى جيهان السادات سيدة مصر الأولى في السبعينيات بعد أن أهدتها إياه نجمة مصر الأولى في حينها  لتهديه هي بدورها لفرح ديبا بهلوي زوجة شاه إيران حين فر إلى مصر بعد الثورة الإسلامية في إيران. في هذه الأثناء، كان صابر قد كبر وأصبح شاباً، ويعمل لدى دكان لبيع السجاد في بغداد يملكه رجل يدعى عبد الجليل مراد، وكان صابر ناجحاً في مهنته ويستطيع قراءة لاوعي الزبون وإقناعه  بشراء السجادة التي يريدها، وأثناء عمله هناك اكتشف ملكة في نفسه وهي حبه للألوان والنقشات التي كانت موجودة في السجاد فقرر أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة ويترك العمل وكان الأمر، وتفوق بدراسته  وحصل على منحة دراسية في بريطانيا لتتغير حياته إلى الأبد بعدها، حيث بقي هناك وحصل على الجنسية البريطانية ولم يعد إلى العراق، وخصوصاً بعد صدور حكم بالإعدام على الشبان الذين يمتنعون عن المشاركة في الحرب العراقية - الإيرانية. 

في البداية، افتتح صابر غاليري صغيراً في لندن، حيث كان يشتري اللوحات الفنية من فنانين مغمورين بمبالغ زهيدة ويبيعها بآلاف الباوندات لينتقل لاحقاً ليعمل مستشاراً فنياً في دور العرض الكبرى مثل "كريستيز" و"سوذبيز" و"بونهامز" ومضارباً وهمياً في الوقت نفسه حيث كان يجلس في المزادات التي تنظمها هذه الدور منتظراً إشارة من شخص موظف لديها كي يزاود على أسعار اللوحات بعد بدء المزاد أي أنه كان محتالاً بكل بساطة أو زبوناً وهمياً متبعاً وصية أستاذه سانتينو التي تقول "لا تستعرض ثقافتك ولا تنبّه إلى الأخطاء، لاتصحح شيئاً فهم لايتكلمون عن الفن، إنما عن المال" وهكذا كانت تتم الصفقات الكبرى ويأخذ عمولته وكانت مديرته في دار "كريستيز" "لافيرا موريس" معجبة جداً بمكره وذكائه. وازدادت شهرة صابر وازدادت معها أمواله لكن شيئاً واحداً ما زال يؤرقه ألا وهو استرجاع معطف الفرو الخاص بأمه وكمان خالته الذي صنعه "أنطونيو ستراديفاري" أشهر صانع آلات موسيقية في إيطاليا، الأمر الذي دفعه إلى إقناع القائمين على دار كريستيز كي ينظموا حفلاً خاصاً بالزعماء المعزولين حول العالم ليعرضوا فيه مقتنياتهم الثمينة للبيع في المزاد، فتمّ الأمر، واستجابوا له، وأعلنوا عن الحفل وكان من بين  الشخصيات المدعومة الشهبانو "فرح ديبا بهلوي" التي ما زالت تحتفظ بفورور أمه، لكن تصرفاً متهوراً منه سيكلّفه كل ما جناه في حياته في لندن حيث اتصل صابر  بسكرتير "فرح ديبا بهلوي" وعرض عليه شراء الفورور بالمبلغ الذي يريده ما أغضب الأخير منه، وأغلق الهاتف في وجهه وأبلغ الدار بتصرفه ما جعلهم يصبون جام غضبهم عليه لمخالفته بروتوكولات المهنة بتصرفه الطائش هذا فتم طرده من الدار، وأصبح شخصاً مرفوضاً من كل الدور الكبرى في لندن، لكن هذا الأمر الأمر لم يثنه عن مبتغاه واستطاع عقد صفقة مع لافيرا موريس كلفته أربع ملايين باوند أي كل ما جناه في حياته لاسترجاع معطف أمه الفرو وكمان خالته بدرية وحصل على مبتغاه فقايض تاريخه كله وثروته كلها بهذا الفورور، وباسترجاعه شعر أنه استرجع أمه ورائحتها و حنانها الذي حرم منه وهو صغير. وبعد حصوله عليه، ألبسه حبيبته سيلين التي تشبه أمه كثيراً لكن شخصيتها مختلفة عنها  فهي لا تحب الشهرة مثلها ومتقشفة في حياتها،  وصحيح أنه خسر ماله لكنه استرجع ذكرى أمه وكسب حبيبته، وكان هذا أهم إنجاز في حياته بالنسبة له. 

رمزية الشيء:

عبر  سرد غيرخطي أنيق وآسر منسوج ببراعة يتأرجح بين الماضي والحاضر بين التوثيق والتخيل، قدم لنا نزار عبد الستار حكايته هذه، فكنا أمام رواية تشويقية ومؤامراتية في الوقت نفسه بطلها معطف فرو تنقل على أكتاف نساء كثيرات ليعود في النهاية إلى أصحابه الأصليين لكنه ليس معطفاً عادياً لأنه كان يمثل عطف وحنان ورائحة أم وهذا شأن كبير بالنسبة إلى الأطفال، كما أنه جسد زمناً جميلاً قد ولّى قدّمه لنا الكاتب برؤية بانورامية تداخل فيها التاريخ مع الحاضر، فكنا أمام رواية ممتعة عن  ذلك الزمن الجميل الذي تحن إليه شعوب الوطن العربي. 

اخترنا لك