"فن المعارضة" لكورتيا نيولاند: مقالات نافذة عن الثقافة والإبداع
كان الهدف من الكتاب توثيق التقدم الذي حققته فنون الشتات الأسود في بريطانيا بعد الحرب، وإعطاء صوت للاهتمامات الإبداعية والسياسية للممارسين، والأهم من ذلك، مقاومة العزل المتكرر لأعمالهم في نطاق ضيق وتهميشها.
-
كورتيا نيولاند
في عام 1988، حرر الكاتب والمخرج الغاني الراحل، كويزي أوسو، كتاب "عواصف القلب: مختارات من الفنون والثقافة السوداء"، وهو مجموعة من النصوص والصور لفنانين سود في بريطانيا، تضم مساهمة لبن أوكري عن شكسبير، وأخرى لشوبانا جاياسينغ عن مسرح الرقص الهندي، ولنص جاكوب روس عن تحرير اللغة من الاستعمار، إلى جانب مقابلة مع نتوزاكي شانغي، وأعمال مبكرة للفنانة سونيا بويس.
كان الهدف من الكتاب توثيق التقدم الذي حققته فنون الشتات الأسود في بريطانيا بعد الحرب، وإعطاء صوت للاهتمامات الإبداعية والسياسية للممارسين، والأهم من ذلك، مقاومة العزل المتكرر لأعمالهم في نطاق ضيق وتهميشها.
مجموعة مقالات كورتيا نيولاند "فن المعارضة" هي عمله الخاص بالكامل، لكنها تُحدث أثراً مشابهاً، ويرجع ذلك أساساً إلى أنها توفر مساحة يشعر فيها المبدعون السود أو الذين يُعامَلون بوصفهم "آخرين" بالدعم والفهم في مساعيهم، كما تمثل رداً على ضغوط التيار السائد.
ونيولاند، وهو روائي وكاتب سيناريو وكاتب مسرحي، ليس غريباً عن هذه الضغوط، إذ تتعرض أعماله أحياناً لاستخفاف صناعة تتوقع من الكتّاب خدمة الضرورات التجارية. وفي هذه المقالات المتبحرة، الحادة والواضحة التفكير، يستند إلى خبرته الواسعة ومعرفته الثقافية ليشدد على "الغاية الأسمى المتمثلة في قول ما نعنيه".
حقق نيولاند نجاحاً مبكراً مع روايته الأولى "الباحث"، التي تحكي قصة ابني عم غارقين في عنف المخدرات داخل مجمع سكني تابع للمجلس المحلي في غرب لندن. وقد حظي أسلوبه الخشن في أدب "المدن" بقبول أكبر في عالم النشر من أدب الخيال العلمي التجريبي ذي المركزية الأفريقية الذي كان يتوق إلى كتابته، ومن أمثلته الحديثة روايته الصادرة عام 2021 "نهر يُدعى الزمن".
ووجد نفسه باستمرار يعمل في مواجهة ما يطلبه التيار السائد. وفي مقال "الشيء غير المرئي والذات المرصودة"، يتأمل الانتقادات التي وُجهت إلى المسلسل التلفزيوني الناجح "توب بوي"، ومنها أنه "دراما رجال الشوارع" أو "إباحية الصدمات"، وأنه يعزز الصور النمطية السلبية عن السود.
وقد وُجه الاعتراض نفسه إلى أعماله التي تنتمي إلى هذا الاتجاه، لكن موقفه هو أن صدق التصوير يجب أن يكون فوق كل اعتبار، بصرف النظر عن توقعات الآخرين أو تفضيلاتهم. ويتذكر سجيناً في سجن واندسوورث ناشده خلال زيارة للكتّاب قائلاً: "أرجوك، لا تتوقف عن الكتابة عنا"، ويضيف: "وهو عهد حافظت عليه منذ ذلك الحين".
يكتب: "يجد الفنانون الملوّنون باستمرار أن طريقتنا في التفكير والشعور تتعرض للهجوم والإنكار بسبب الكيفية التي يتخيلنا بها الآخرون، أو بسبب ما يريدون من فننا أن يفعله من أجلهم".
ويشدد على أهمية أن يراجع أعمال الفنانين السود نقاد يفهمون "من أين تنبع تعبيراتنا الثقافية، ومن نكون". تتكرر مثل هذه الرؤى في أنحاء الكتاب، وهي دائماً متزنة، لكنها تنطوي على غضب هادئ، وتجسد دعوة تحشيدية وإنقاذية لاستعادة الفاعلية الثقافية بعيداً عن حرّاس البوابات. "يكمن التحدي في أن نرى أنفسنا بشراً كاملين، وأن ندير صورنا وتمثيلاتنا بأنفسنا".
تنقسم المجموعة إلى 4 أقسام، وتغطي نطاقاً لافتاً من النقد الأدبي والثقافي. ففيها مقال تقدير لبيرسيفال إيفرت، الذي يشعر نيولاند بالقرب منه بسبب تمسكه بالتجريب في مواجهة اختزال الأشخاص في هوياتهم العرقية. ويكتب: "كان إيفرت كاتباً تجاهلته الصناعة لأنه لم يُعتبر أسود بما يكفي. أما أنا فأرى نفسي مؤلفاً تتجاهله الصناعة لأن عملي شديد السواد".
وهناك أيضاً مقال عن مغني الراب والمنتج البريطاني روتس مانوفا، يثبت فيه نيولاند أنه ناقد موسيقي بارع، ونص آخر ينتقد فيه الإخفاق المتكرر في إدراج الكتّاب الملوّنين ضمن النقاش المتعلق بأدب الطبقة العاملة، رغم وجود طبقة عاملة بريطانية سوداء منذ القرن الــ 16.
وتتسم المقالات كلها بثراء معلوماتي صارم ومتواصل، نابع من وعي عميق الجذور بالفنون والثقافة السوداء، سواء تعلق الأمر بالصلة بين موسيقى الدَب والخيال العلمي، أو بالفرق بين المستقبلية الأفريقية الأميركية والمستقبلية الأفريقية، أو بهوس موسيقى الإلكترو بالفضاء الخارجي. ومن الممتع أيضاً القراءة عن حرفة الكتابة ومحنها، مع أن نيولاند يروي هذه التجارب دائماً بروح من التفاني والإيجابية.
وفي وقت تتعرض فيه الفنون للهجوم، ويشيطن فيه اليمين التقدمية السياسية بوصفها "ووكزم"، تبدو هذه المجموعة شديدة الضرورة. ومن المثير للاهتمام ملاحظة أنه بين نشر كتاب أوسو "عواصف القلب" وكتاب نيولاند "فن المعارضة"، كُتبت كلمة "أسود" بحرف صغير ثم بحرف كبير، ونُزعت عنها السياسة ثم أُعيد تسييسها، تبعاً للتقلبات المؤلمة في النضال من أجل مساواة عرقية دائمة.
لا يتردد نيولاند، الجريء والبليغ والمفعم بالشغف، في تأكيد دور الفنان بوصفه قوة للتغيير والمواجهة. ويكتب: "كلما نمت ثقافة سائدة مستلهمة من الكراهية، غالباً ما تحتل الثقافات المضادة مكانها المستحق لتصبح ساحات للمعارضة".
