"غيبة مي"...عن اغتراب الإنسان في أرذل العمر

في لغة مقتصدة حادة أحيانا تحمل كثير من الاستعارات قدمت لنا الكاتبة نجوى بركات حكاية مي نجار العجوز الثمانينية التي تشبه حايتها حكاية بلد بأكمله بصعوده وهبوطه.

  • "غيبة مي"... عن اغتراب الإنسان في أرذل العمر

وصلت رواية "غيبة مي" للكاتبة اللبنانية نجوى بركات والصادرة عن دار الآداب اللبنانية إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" حيث نافستها خمس روايات عربية أخرى من مصر والجزائر والعراق وقد انتزعت الجائزة الرواية الجزائرية "أغالب مجرى النهر" للكاتب سعيد خطيبي، وتحكي رواية "غيبة مي" قصة عجوز ثمانينية تعيش لوحدها في بيروت العصر الحالي حيث لا أقارب ولا أصدقاء ولا جيران في حياتها ومن هذه الغربة الحياتية والروحية تنطلق الرواية لتقدم لنا سردا مونودراميا عن اغتراب الإنسان ووحدته وعجزه حين يصل إلى أرذل العمر وقد قسمت الكاتبة روايتها هذه إلى ثلاثة فصول كل فصل يرويه سارد بصوته لنكون أمام تاريخ كامل لبلد ممزق اختزل في قصة هذه المرأة التي تناولتها الرواية. 

غريبة الديار:

في الفصل الأول من الرواية الذي عنوته الكاتبة "مي" والذي يروى بضمير المتكلم ويتألف من 126 صفحة نحن أمام قصة العجوز الثمانينية مي نجار التي تعيش لوحدها في بيروت بعد أن توفي زوجها وهاجرا أولادها التوأمين إلى أميركا في مبنى بشقة في الطابق التاسع  تطل شرفته على بيروت "أنا على شرفة الرابعة والثمانين أتأمل حياتي من عل، فلا أشعر بندم ولا أحزن على فوات شيء، لا أشتاق أحد ولا آمل أن يحدث أمر باستثناء الموت، لست أنتظره بالفعل وأنا على يقين أنه قادم المحالة" مما سبق نعرف أن مي تعيش في عزلة وغربة فقد انقطعت علاقاتها الاجتماعية كلها فلا أصدقاء ولا أقارب ولا تواصل بشري سوى مع ناطور المبنى "يوسف" السوري الذي أوصوه أبناءها أن يعتني بها ويؤمن احتياجاتها اليومية أما الشخص الثاني التي تتواصل معه هو "شاميلي" الخادمة السيرلانكية التي تزورها مرة في الأسبوع كل يوم سبت كي تنظف شقتها وتحممها "لا أحب الاستحمام، نحن العجزة لا نحب الاغتسال، لأنه يعرينا ويرينا ما آلت إليه أعضاؤنا من خراب" أما وحدتها فلا تؤنسها سوى قطة دخيلة حاولت طردها مرارا لكنها في كل مرة كانت تعود إليها فاضطرت لقبولها في النهاية وخصصت لها ركنا على الشرفة وأطلقت عليها إسم "فريدا" لحبها للرسامة السريالية فريدا كاهلو وسنعرف لاحقا أن يوسف الناطور هو من أحضر هذه القطة كي يكسر وحدتها وعزلتها  لكنها ستموت لاحقا بمرض السرطان كما مات والدي مي، لكن مي ليست وحيدة كما نعتقد لأنها تستيقظ ذات صباح على صوت يناديها باسمها فتقوم من السرير فلا تجد أحدا في البيت فتخبر يوسف وتطلب منه أن يصعد إليها ويفتش البيت فلايجد أحد أيضا، إذا لمن هذا الصوت؟ إنه ببساطة صوتها الداخلي وقد بدأت علامات الزهايمر تظهر عليها والتهيؤات تصيبها فتسأل شبح والدها عن صاحبة الصوت فلايخبرها هو الحزين على وفاة زوجته والدتها، ثم تعود مي للوقوف أمام المرآة بعد أن انقطعت عن هذا الفعل "ماعدت أنظر لنفسي في مرايا ما أمنتها يوما لأن ماتعكسه مجرد وهم" لكن هذه المرة تقف علها تجد صاحبة الصوت لكنها لاتجد سوى نفسها وقد شاخت  ثم تقرأ الروزنامة يوميا فهي الشيء الحقيقي الوحيد في حياتها، هكذا تقضي مي وقتها في الشقة التي تصف لنا الكاتبة تفاصيلها بدقة حيث تستيقظ كل صباح وتعد القهوة وتخرج إلى الشرفة كي تحتسيها وتسقي النباتات التي تتجاوب مع الموسيقى وتبقي السجاد في كافة الفصول"أنا لا أرفع السجاد وأبقي بيتي وأثاثه على حاله في كل الفصول، ليس كسلا فقط وإنما أيضا مقاومة لكل تغيير" وفي مقطع آخر تقول "العجائز بصفة عامة لايحبون الجديد، بل ماتلف مثلهم واعتادوه، العتيق أنيس ومطواع أما الجديد فقاس عدواني" أما بخصوص احتياجات المنزل فيتكفل يوسف بإحضارها يوميا وفي المساء تخرج إلى الشرفة فترى أضواء مدينة بيروت هذه المدينة التي تغيرت كثيرا عليها وشاخت مثلها وجاء انفجار المرفأ ثالث أكبر انفجار غير نووي في العالم كجرح غائر في خاصرتها مزق أحشاءها وأفلست مصارفها وتشوهت معالم المدينة  فتتذكر أحاديث والدها  وقصصه السريالية عنها حيث حكى لها ذات يوم عن حلاق يدعى "داهش" يأتي إليه الزبون ويترك رأسه عنده لحلاقته ثم يعود لاحقا ليأخذه بعد أن ينتهي منه الحلاق ! وعن السيدة الشقراء التي وضعت  السم لزوجها في الطعام كي تقتله بعد أن كان يدللها وسخيا معها ثم تتذكر عماتها العجائز والآثار التي تصيب الإنسان حين يشيخ حيث تخونه أعضاؤه ويخرج الهواء من أمعائه ويتبرز لا إراديا وتخاف أن تصل إلى هذه المرحلة أما ولداها فلايربطها بهم أي شيء  سوى المبلغ المالي الذي يرسلانه لها كل شهر أما يوسف فتقرر أن تصبح ألطف معه بعد أن تنزل إلى غرفته ذات مرة وتشاهد بؤسه هو الهارب من الحرب في بلده سوريا بعد أن كان جنديا في جيش النظام أما شاميلي فتتركها مع مرور الوقت وهكذا يمضي الفصل الأول بتصوير حياة مي في العصر الراهن و يومياتها الرتيبة. 

شابة متقدة:

أما  الفصل الثاني من الرواية والذي عنوته الكاتبة "هي" وجاء في 64 صفحة نكون فيه أمام  مي الشابة التي تروي لنا ماضيها باستخدام تقنية التداعي الحر أو تيار الوعي بحسب عالم النفس الأميركي "وليام جيمس" فنعتقد للحظات أن الكاتبة هي التي تحدثنا لنكتشف لاحقا  أن مي هي التي تتحدث و قد عادت شابة تعيش في ستينيات القرن العشرين حيث كانت بيروت درة العالم العربي ثقافيا وحضاريا ومثلها كانت مي الفتاة الشابة الطموحة التي قررت دراسة المسرح "أتذكرين يامي كم أحببت المسرح والتمثيل" فتلتحق بالجامعة وتدرس المسرح وتحب مخرجا يكبرها بعشر سنوات تؤدي معه دور "فيدرا" في مسرحية جان راسين التي تحب ابن زوجها هليوباتليس وتنتحر في النهاية ويكون حب مي لهذا المخرج حبا مرضيا "حب من صنف المخدرات بل هو أسوأها على الإطلاق لا مراكز لعلاجها لا أدوية لاشيء" لكنه لايستحق منها كل هذا الحب  هو السكير المقامر المتكبر الذي يعنفها ويجبرها على الاجهاض بعد أن تحبل منه ما يذكرنا بشخصية ستانلي بفيلم "عربة اسمها الرغبة" للمخرج الأميركي إيليا كازان المأخوذ عن مسرحية تينسي ويليامز وفي النهاية تحاول مي قتله ما يكلفها غاليا حيث تودع في مستشفى للأمراض العقلية وتبقى لثمان سنوات وهناك تتعرف على طبيب نفسي يتفهم حالتها ويحبها ويتزوجها زواجا تقليديا وتنجب منه توأمين ذكور لكنها لم تستطع أن تكون أما حقيقية "يقال أن الأمومة تبث في المرأة قوة وطاقة تمكنها من تحريك جبال أنا شخصيا لم يقوني مجيء ابني التوأمين بل كأن امرأة أخرى هي من حملت بهما وأنجبتهما" فتكون علاقتها بهم فاترة غير مترابطة لذلك لايأتون إلى لبنان لزيارتها والإطمئنان عليها و لاحقا يتوفى زوجها وتبقى وحيدة حتى تتلاشى ذاكرتها وتتدهور صحتها يقررون نقلها إلى المستشفى أو دار العجزة وأثناء خروجها من المبنى تبتسم للطبيب الذي يساعدها في الصعود إلى سيارة الاسعاف هي التي اعتادت على لطف الغرباء ما يذكرنا  أيضا بشخيصة بلانش في فيلم "عربة اسمها الرغبة" لإيليا كازان التي أدتها "فيفيان لي" حين أتت سيارة الإسعاف في نهاية الفيلم لأخذها إلى المصح العقلي حيث قالت للممرض "كنت بانتظارك يا حبيبي" هي التي تعودت على لطف الغرباء أيضا مثل مي "لطالما كان الغرباء أحن علي من الأقرباء" وفي الفصل الثالث المكون من ثلاثين صفحة والذي عنونته الكاتبة "يوسف" يتغير الراوي حيث يطلبون أبناء مي من يوسف الناطور أن يقوم بتأجير الشقة أو بيعها بعد مغادرة مي لها لكن شبحها ظل فيها يتراءى ليوسف كلما دخل إليها هو الذي شهد سنواتها الأخيرة وكان معينا وفيا لها. 

اختزال تاريخ بلد بإمرأة: 

في لغة مقتصدة حادة أحيانا تحمل كثير من الاستعارات قدمت لنا الكاتبة نجوى بركات حكاية مي نجار العجوز الثمانينية التي تشبه حايتها حكاية بلد بأكمله بصعوده وهبوطه فكانت مي كأنها تقف على خشبة مسرح وتؤدي دورها الأخير المكتوب لها هي التي كانت في شبابها حالمة محبة للفن والأدب كمدينتها بيروت لكن أحلامها أجهضت كجنينها الأول وصفعها الدهر كمدينتها التي استنزفتها الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية وأفرغت روحها فغابت كغيبة مي في نهاية عمرها فكنا أما رواية واقعية عن الغياب الطوعي والاغتراب والعزلة والشيخوخة قدمتها لنا الكاتبة نجوى بركات بلغة شفافة انسيابية بجمل قصيرة فكانت إضافة جديدة متميزة  لصاحبة "مستر نون" و "باص الأوادم". 

اخترنا لك