"غمِّض عين، فتِّح عين": سخرية العمر، مرارة الوطن
في "غمّض عين فتّح عين"، لا نكون أمام حكاية حب عادية، بل نشهد، بمتعة ووجع، مرآة نصف قرن لبناني، عبّر عنها مؤلّفاها ومخرجاها كريم شبلي وسارة عبدو، وأدّاها الثنائي سينثيا كرم وفؤاد يمين.
-
سينثيا كرم وفؤاد يمين
لا نذهب إلى المسرح كي ننسى بل كي نتذكّر. الفن الحقيقي هو ما يوقظ الذاكرة ويعيد طرح الأسئلة. وهذا بالضبط ما شاهدناه في مسرح لاسيتيه في جونيه، حيث الرطوبة البحرية ما زالت عالقة بالستائر، والصالة ممتلئة عن آخرها بجمهور جاء يبحث عن شيء نادر في هذه الأيام: فعل اختلاس الحياة ذاته.
في بلد لا يكفّ فيه الموت عن ابتكار طرق جديدة للزيارة، من انفجار مرفأ بيروت الذي لا تزال هزّته في العظام، إلى أزيز الطائرات الإسرائيلية الذي يبث الخوف في النفوس ويقطع سكون الليل، ويبيد البشر والشجر والحجر جنوباً وحيثما استطاع سبيلاً، إلى انهيار اقتصادي يبتلع الأحلام ابتلاعاً، يصرّ اللبناني على إبداعه كما يُشعل عود ثقاب في مهبّ ريح. لا من باب التحدي الأجوف، بل من ضرورة إنسانية. إنها الغريزة التي تجعله يزرع الياسمين على شرفة تطل على الخراب، ويضحك من قلب النكبة.
في قاعة غصّت بالحضور حتى آخر مقعد، تجسّد هذا الفعل في أصفى صوره، من خلال مسرحية "غمّض عين فتّح عين"، التي تحملنا في رحلة مكثفة لا تمنحنا نهاية سعيدة، بل تمنحنا ما هو أثمن وأقسى: مرآة لنرى فيها كم نحن بارعون في السخرية من آلامنا، وكم هي تلك السخرية مفعمة بمرارة لا تُحتمل. امتلاء الصالة، في زمن تخلو فيه قاعات من روّادها، ليس مجرد نجاح جماهيري عابر، بل هو علامة حيويّة تبعث على الرجاء، تشهد بأن نبض المسرح اللبناني ما زال يخفق بقوة تحت رماد الأزمات.
في البدء، ثمّة مشهد صغير على خشبة تكاد تتسع للحياة كلها. كرسي حمّام في بهو مسرح، أشبه ببوابة اعتراف تُفضي إلى عالم لا تزيّفه الكواليس، بل تختزله في زوجين عجوزين: عايدة وإبراهيم، اللذين ينهضان من ركام الذاكرة ليحكيا قصّة وطن لم يكفّ عن الانهيار.
في "غمّض عين فتّح عين"، لا نكون أمام حكاية حب عادية، بل نشهد، بمتعة ووجع، مرآة نصف قرن لبناني، عبّر عنها مؤلّفاها ومخرجاها كريم شبلي وسارة عبدو، وأدّاها الثنائي سينثيا كرم وفؤاد يمين.
منذ لحظتها الأولى، يُدرك المشاهد أن البطل الحقيقي للمسرحية ليس شخصاً بعينه، بل هو الزمن نفسه، وذلك التوتر المحموم بين ما هو حميم وشخصي، وما هو عام وسياسي. بهذا المعنى، فإن العمل ليس مجرد "كوميديا سوداء" أو "ميلودراما رومانسية"، بل هو وثيقة أنثروبولوجية مكتوبة بأجساد ممثّليها وموسيقى أصواتهم، تُمنح فيها الكلمة للتفاصيل الصغيرة المُهمَلة: علبة سجائر مُهرَّبة خلسة، رائحة خبيزة من "حواش" الكرنتينا، "قفشة" جارحة، وابتهال خاشع للعذراء.
هذه التفاصيل هي ما يمنح الحياة ثقلها والموت ظلاله، وهنا تكمن براعة نصّ شبلي وعبدو الذي ينأى عن الخطابية المباشرة ليبني عالمه الدرامي من وشوشة الحياة اليومية، مستلهماً ما التقطته آذاناهما من حكايا الأجداد ودفء الوالدين، ليصوغا من سيرتيهما حكاية تخصّ الجميع.
وُلد هذا العمل من رحم تحدٍّ إبداعي، إذ لم يكن في بدايته سوى مشهد قصير لا يتجاوز ربع الساعة، قُدّم في إحدى المسابقات المسرحية، قبل أن يُفتَح على مصراعيه لتتسرّب إليه الحياة اللبنانية كلها، ويتحوّل إلى هذا العرض المتكامل الذي يواصل رحلته المظفّرة منذ مدّة ليست قصيرة، حاصداً إقبالاً جماهيرياً لافتاً ونفاداً للتذاكر أينما حلّ.
هذه الاستمرارية، المدفوعة بإيمان صانعيه ومغامرتهم الشخصية بعيداً من رهانات السوق، هي في حدّ ذاتها بيان سياسي وشهادة على أن الجوع إلى الفن الحقيقي لا يقلّ ضراوة عن أي جوع آخر. بل إن جعبة فريق العمل لا تزال مليئة بالمفاجآت، إذ تُحضّر لعروض إضافية في الصيف المقبل، لتنتقل العدوى الجميلة إلى مدينة طرابلس شمالاً، حاملةً حكايتها إلى جمهور جديد، ومؤكدة أن لهذا العمل حياة تتجاوز عمر أي عرض ليوم واحد، ورسالة آن أوان وصولها إلى حيث يستطيع أصحابها.
جسدان يحكيان تاريخاً: حين ينسى المتفرج أنه في مسرح
إذا كان النص هو الهيكل العظمي للعرض، فإن سينثيا كرم وفؤاد يمين هما قلبه النابض وروحه المحلّقة. من النادر أن نشهد على الخشبة ثنائياً بهذا القدر من الانسجام والكيمياء، اللذين يذيبان الحاجز بين التمثيل والحياة إلى درجة يخيّل إليك معها أنك لست أمام مشاهد تمثيلية على خشبة مسرح، بل تتلصّص على حجرة زوجين حقيقيين، تشاركهما لحظاتهما الحميمة من خلف باب موارب.
هذا الإتقان العفوي، وهذه التلقائية الآسرة، يغذّيهما نبع خفي من الارتجال الحي الذي صقلته البروفات، حيث كان الممثلان يضيفان من روحهما إلى الشخصيات ما لم يكن في النص، في كيمياء نادرة بين الكتابة والتجسيد.
هكذا ينسى المتفرج، لبرهات طويلة، أنه جالس في قاعة مسرح؛ يضحك معهما لا عليهما، ويوجع قلبه لا من أجلهما فحسب، بل من أجل ذاته ومن أجل وطن يتسرّب عمره كما تتسرّب المياه من بين أصابع عجوزين.
لم يقف أداء كرم ويمين عند حدود "تقمّص" الشخصيات، بل بدا أقرب إلى "استحضار" لأطياف أناس حقيقيين، بكل ما فيهم من هشاشة وقوة، ومن طيبة وأنانية، ومن حب وخصام. يتنقّلان بين مرحلة الشباب والكهولة ببراعة لافتة، من ظهر محدودب وشعر أبيض إلى قامة شامخة وشباب نضر، من دون أن يشعر الجمهور بلحظة انتقال مصطنعة.
كرم، تحديداً، تسجّل حضوراً استثنائياً بصوتها الخشوعي حين تؤدي ترنيمة للسيدة العذراء، في مشهد يُعدّ من أبلغ لحظات العرض تأثيراً، حيث يتحوّل التضرّع الديني من طقس فردي إلى نواح جمعي على مصير وطن بأكمله.
هذا الصوت نفسه، الذي يتضرّع بخشوع على الخشبة، نسمعه خارجها وقد اتّحد مع صوت يمين في أغنية المسرحية التي تحمل عنوانها، من كلمات عبدو وألحانها وتوزيعها، لتُضاف طبقة فنية أخرى تتجاوز الخشبة وتكتمل بها دوائر المعنى.
أما يمين، الممثل المتمكن من أدواته، فيتقمص شخصية إبراهيم بجسد يحكي قصة لبنان كاملة: مقاتل سابق، زوج مشاكس، أب مهجور، وعجوز وحيد يواجه الموت.
هذا الثنائي، بقدرته على جعلك تنسى أن ما تشهده هو فن، يُثبت أن الجسد الواعي على الخشبة هو أصدق أرشيف إنساني، وأن الصدق في الأداء، حين يبلغ هذا المبلغ، يغدو شكلاً من أشكال المواجهة؛ مواجهة الموت والخراب والزمن.
حين يطلّ شبح الحرب من تحت الرماد
لهذا العمل، وفي هذا التوقيت بالذات، وقعٌ خاص لا يمكن تجاهله. إذ يأتي العرض الذي يستحضر رعب الحرب الأهلية وما تركته من ندوب في النفوس، في لحظة لبنانية حرجة، يطلّ فيها شبح النزاعات الأهلية برأسه من جديد، عبر خطاب كراهية متفاقم في الإعلام وفي خطاب غلاة الساسة، يذكّر، على نحو مخيف، بنبرة الأمس التي سبقت الانهيار الكبير. وكأن المسرحية، باستعادتها تلك الحقبة، تقول لنا: "انتبهوا، ها هو الثعبان يخرج من جحره ثانية".
ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن هذه الفكرة، والأشد قسوة في رمزيته، هو ذلك المشهد الذي يتعارك فيه الزوجان، عايدة وإبراهيم، ويمسكان بأوراق الحمّام ليقذفها كل منهما في وجه الآخر. ليس ثمّة سلاح في أيديهما سوى الورق، وليس ثمّة جيش سوى جسدين أنهكهما الحب والحرب معاً.
لكن صوت الأغنية الآتية من زمن الحرب الأهلية، الذي يرتفع في الخلفية، يحوّل هذا العراك المنزلي الصغير إلى استعارة موجعة عن الانقسام والتقاتل بين أبناء البيت الواحد. بين أبناء الوطن الواحد. في تلك اللحظة، يغدو الحمّام لبنان مصغّراً، وتغدو أوراق الحمّام ذخيرة حرب، ويغدو الزوجان كل لبناني ولبنانية انجرفا، ذات زمن، في تيار الكراهية، قبل أن يكتشفا، بعد فوات الأوان، أنهما كانا يقتتلان على وهم.
هذا المشهد، الذي يضحك فيه الجمهور بمرارة، هو الصورة الأكثر إيجازاً لمأساة التقاتل الأهلي، وهو، في آنٍ، التحذير الأكثر فظاعة من احتمال تكرارها.
إخراج الزمن: شريط حياة يحترق بطوله
أحد أذكى تجليات الإخراج يكمن في بنية المسرحية المتسارعة، التي تشبه ومضة زمنية مكثّفة تنطوي فيها السنوات على بعضها انطواء الصحائف، وتتساقط فصول العمر كما تتساقط أوراق شجرة في خريف بلا رحمة.
من الحرب الأهلية اللبنانية إلى انفجار مرفأ بيروت، ومن هجرة الابن الوحيد نوح إلى موت إبراهيم، وترك عايدة وحيدة تواجه مصيرها، كل شيء يحدث بتسارع مذهل، لا يشبه إلا وهج شمعة تحترق من طرفيها. هذه البنية ليست مجرد حيلة درامية، بل استعارة وجودية لعنوان المسرحية: الحياة تمرّ بلمح البصر، والأعمار تتسرّب كما تتسرّب الرمال في ساعة الزمن.
تقنياً، يستخدم شبلي وعبدو إخراجاً سينمائياً يمزج المسرح بالمونتاج، مع ديكور متحرك يُضفي دينامية لافتة على العرض.
أما ديكور الحمّام، بوصفه فضاءً سردياً، فهو اختيار جريء ومخاتل؛ إذ يتحوّل المكان الأكثر خصوصية في المنزل إلى فضاء للبوح الوطني والمراجعة التاريخية، حيث تتعرّى الأجساد والذاكرة من رتوشها وأكاذيبها.
لكن، وفي ما يخصّ إيقاع هذا البوح، ربما لو كان أقصر قليلاً، مقتضباً بعدد من الدقائق، ليبدو مشدود العصب أكثر، ولكان وقع المأساة فيه أشدّ صفاءً وقسوة. إن ثراء النص وتشعّب التفاصيل، الذي يُحسب له، قد يتحول أحياناً إلى استطراد يُرخي من حبل التوتر الدرامي المشدود أصلاً بين الحياة والموت.
ومع ذلك، فإن لهذا الاستطراد وجهاً آخر: فهو يتحوّل، في بعض منعطفاته، إلى مرآة مسلطة على هموم الطبقة الوسطى التي تنهشها الأحلام المؤجّلة، في مقابل طبقة أخرى تحقّق صعودها على سلم فساد لا يرحم، مضيفاً إلى العرض طبقة من النقد الاجتماعي المبطّن. لكن، يبقى أن هذا الإيقاع المتسارع في عمومه، المطعّم بلحظات من السكون العميق، يخلق تجربة مسرحية لا تترك للمشاهد فرصة لالتقاط أنفاسه.
حين ينطفئ الضوء على قاعة ممتلئة
قبل إسدال الستارة على ليلتنا في لاسيتيه، يُطفأ نور شمعة النذور أمام تمثال السيدة العذراء، تاركاً عايدة وحيدة في ظلام الفقدان. هذا المشهد الأخير لا يمنحنا نهاية سعيدة، بل حقيقة مرّة، متقنة الصنع ومفعمة بتلك السخرية البالغة المرارة التي تعدنا بها المسرحية وتفي، وهي أن الأوطان، مثل الأزواج، قد ترحل فجأة ولا يبقى منها إلا الذكرى.
وحين أضيئت الأنوار على قاعة لاسيتيه الممتلئة، كان التصفيق مُستحقَّاً، لكن الصمت الذي سبقه كان أبلغ. صمت جمهور خرج للتوّ من رحلة عمرين، يرى وجهه في وجه عايدة، ويرى خساراته في فقدان إبراهيم.
نخرج من المسرح لا لننسى، بل لنحمل معنا ذلك الصدى، وتلك السخرية المرّة، والقدرة العجيبة على اختلاس الحياة من بين أنقاضها، التي هي، في نهاية المطاف، أصدق ما فينا.
في زمن يندر فيه أن يملأ الجمهور قاعة مسرح من دون حسابات السوق ورهاناته، كان هذا الامتلاء الذي تحقّق بإيمان فنّي خالص، في حدّ ذاته، رداً بليغاً على كل من يراهن على موت الثقافة في هذا البلد الذي يصرّ على الحياة ولو تحت هدير المقاتلات المعادية.