"حَنّة" وطنٌ على سرير المستشفى: تشريح الوجع الفردي والجماعي
إنها، في نهاية المطاف، طقس درامي لاستعادة الاسم المسلوب، وإعلان بأن الروح اللبنانية، رغم كل حفر الطرق وانهيارات الذاكرة وشراسة العدوان، لا تزال تمتلك القدرة على أن تنهض، وعلى أن تضحك في وجه الوجع.
في بيروت التي لا تلين تحت وطأة الحروب، ولا تنحني أمام ضراوة العدوان، يتجلى صمودها بأشكال متعددة. إنه ليس فقط ذاك الذي يدور في الميدان، بل هو أيضاً ذلك الذي يُصارع القتل والتدمير بالإبداع، ويُعلن إصراراً عنيداً على الحياة عبر الفن والأدب. من رحم هذا الإصرار، تولد أعمال إبداعية في شتى الميادين، وآخرها مسرحية "حَنّة" على خشبة مسرح مونو، لتقول كلمتها في وجه الخراب، حاملة جمرة النقد وسوط السخرية اللاذعة.
السينوغرافيا المُعلّقة
على صعيد الإخراج والسينوغرافيا، يرفض المخرج، إيلي كمال، الخطاب المباشر، مفضّلاً "مسافة فنية تتيح تناول الإنسان بعيداً عن المباشرة". يتجلى هذا المبدأ في قرار بصري: يستعيض كمال عن بعض أدوات الديكور الحقيقية بشاشات افتراضية متدلية من السقف، كُتب عليها بتجريد ساخر: "باب الحمام"، "باب المدخل"، "صليب أو صورة قديس"، "خزانة".
هذا القرار ليس تقشفاً إنتاجياً، بل هو إشارة مضمرة وموجعة للحياة الافتراضية التي بتنا نعيشها، وللوطن الذي تحول إلى هيكل من الأسماء بلا مسميات. لم يعد هناك باب حقيقي نفتحه، ولا خزانة تضم ما تبقى لنا، بل أطياف كلمات تتدلى من سقف الوطن المثقوب.
اختيار المستشفى كمحور للأحداث لم يكن مصادفة، بل لأنه "مكان تختلط فيه البدايات بالنهايات، وتنكشف فيه هشاشة الإنسان في أضعف حالاته". الإضاءة بدورها تتخفف من أي بهرجة مبالغ فيها لتلتصق بوجوه الممثلين وبقايا هذا الديكور المعلق، وكأنها مشرط يضيء تقاسيم الوجع والهزء معاً.
الجسد الثابت والوجه المتكلم
وسط هذه السينوغرافيا المعلقة التي تجرد العالم من ماديته، تتكشف مهارة الأداء التمثيلي لندى أبو فرحات. فـ"حَنّة" امرأة رازحة معظم الوقت على سرير المستشفى أو على كرسي متحرك، جسدها مقيد بحدود الكسر والمرض. لكن في هذا التقييد الجسدي بالتحديد، تولد مساحة لا متناهية من الحرية التعبيرية.
تحوّل وجه ندى أبو فرحات إلى خشبة مسرح مصغرة، وإلى الفضاء الحقيقي الوحيد المتبقي في عالم من اليافطات الجوفاء. بينما تتدلى من السقف لافتات تدّعي وجود أبواب وخزن وصلبان، فإن وجهها وحده هو الشيء الحقيقي الوحيد على تلك الخشبة، هو الخريطة الوحيدة القادرة على رسم الألم، والغضب، والسخرية، والحنين.
تنتقل أبو فرحات بعضلات وجهها وتقاسيمه من حال إلى حال بخفة مدهشة: في لحظة، ترتسم على محياها ملامح الطفولة المنسية، وفي أخرى تتحول إلى قناع الصلابة أمام المحقق، ثم تنفرج فجأة إلى ابتسامة تهكمية تكشف عبثية كل ما يدور حولها.
هذا الانتقال السلس والمتقن بين المشاعر، بوجه يتحرك فيما الجسد يكاد يثبت، يختزل مأساة الحالة اللبنانية: شلل في الحركة والفعل، يقابله فيض هائل من التعبير والذاكرة والانفعال الذي لا يجد متنفساً فعلياً. إنه الجسد الوطني الذي لا يكاد يتحرك من سرير مرضه، لكن وجهه لا يكف عن الكلام، مدعياً النسيان وفقدان الذاكرة.
لا يمكن مقاربة هذا الأداء بمعزل عن تجربة أبو فرحات المونودرامية السابقة "آخذة كسرة" (Break a Leg)، التي قدمتها قبل أشهر قليلة على خشبة مسرح "لاسيتيه" في جونيه، من كتابتها وتمثيلها وإخراج إيلي كمال. في ذلك العمل، حوّلت ندى حادث سقوطها الشخصي وما نتج عنه من كسر حقيقي في قدمها، إلى مادة مسرحية خام، مؤكدة أن "الكتابة صارت وسيلة للشفاء".
وما بين العرضين، ثمّة خيط رفيع يجمع بين الخاص والعام، بين الجرح الفردي والجرح الجمعي. ففي "آخذة كسرة"، سقطت امرأة في حفرة، لتفضح هشاشة بنية تحتية متهالكة. وفي "حَنّة"، تستلقي امرأة على سرير مستشفى، لتكشف هشاشة الذاكرة والهوية والانتماء. وبين السقطة والنهوض، تتنقل أبو فرحات بخفة بهلوانية روحية، مستثمرة تلك الحادثة الشخصية كعدسة مكبرة تلتقط بها صوراً متعددة للوجع اللبناني.
الاسم كجريمة سلطة
في اختيار اسم المسرحية يكمن السر الأعمق للنص، وهو سر لا ينكشف للجمهور إلا في سياق العرض. "حَنّة" ليس الاسم الحقيقي للمرأة العجوز، بل هو اسم أطلقته الراهبة على هذه المجهولة التي دخلت المستشفى بلا أوراق ثبوتية. لكننا نكتشف لاحقاً أن اسمها الحقيقي هو "عايدة". هنا يكمن البُعد الدرامي: "حَنّة" هو الاسم الذي تمنحه السلطة لمن لا هوية رسمية له، تماماً مثل اليافطات المعلقة التي تكتب "باباً" و"خزانة" على أشياء لم تعد موجودة. إنها التسمية التي تفرضها المؤسسة الدينية، عبر الراهبة، على الجسد المجهول كي يصبح قابلاً للإدارة والتصنيف.
أما "عايدة" فهو الاسم الحقيقي، اسم الذات قبل أن تصادرها المؤسسات. صراع الاسمين ليس مجرد حبكة درامية، بل هو الصراع اللبناني الأعمق: بين هوية تمنحها الطوائف والمؤسسات، وهوية ذاتية حقيقية ضاعت في الفوضى.
لحظة استعادة "عايدة" تشكل ميلاداً ثانياً على المسرح، حيث يتساقط الاسم الزائف مثل يافطة جافة، ويظهر تحتها الإنسان الحقيقي. وهنا يمارس إيلي كمال طرح سؤاله الجوهري: من سماكم "حَنّة"؟ ومتى تستعيدون "عايدة" التي فيكم؟
نقد السلطتين الدينية والأمنية
لا تتوقف الجرأة النقدية للعرض عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل السلطة الدينية في لبنان عبر شخصية الراهبة المسؤولة عن المستشفى. الراهبة التي جسدتها، سلمى شلبي، ليست مجرد خلفية محايدة للأحداث، بل هي تجسيد حي لسلطة لا تراعي ظروف الفقراء والمحتاجين، متحالفة مع نقد لاذع لمؤسسة الضمان الاجتماعي وشركات التأمين الصحي التي تخلّت عن دورها الإنساني.
تتألق شلبي في هذا الدور المركب، منقّبة بإتقان في أعماق شخصية الراهبة، ليس فقط في لحظات جبروتها وسطوتها المؤسساتية، بل وفي حالات ضعفها وشكها المهتز التي تكشف الإنسانة الهشة خلف عباءة السلطة.
إنها الشخصية التي تسمي "حَنّة" وتمنحها هوية مزيفة، فتشارك بلا دراية منها في لعبة المصادرة الكبرى. ويكتمل هذا النسيج الفني بحضور محبب ولطيف لكل من جويس أبو جودة، وكريم شبلي.
تضفي أبو جودة على دور الممرضة مسحة من الإنسانية العميقة وخفة الدم، وهي الشخصية التي تقف في المنطقة الرمادية بين بيروقراطية المستشفى وإنسانية المريضة، محاولة التوفيق بين عبثيتين.
أما كريم شبلي فيجسد شخصية ضابط التحقيق الذي لا يبدو سوى مهرج مأساوي، في إدانة صريحة للسلطة الأمنية المهترئة والفاسدة التي لا تطبق القوانين التي سنّتها.
معاً، يشكل الممثلون الثلاثة إلى جانب ندى أبو فرحات رباعياً متكاملاً، كل منهم مرآة لوجه من وجوه السلطة في لبنان: الدينية، والطبية، والأمنية بوصفها أداة السلطة السياسية الفاسدة.
تشريح المأساة بالضحك
يتقن المخرج إيلي كمال توظيف تقاليد مسرح الفودفيل - وإن كان العرض لا يُصنّف ضمن هذا النوع - بإيقاعه اللاهث ومواقفه المتداخلة التي تشبه لعبة المصادفات. لكنه يفعل ذلك لا للترفيه فحسب، بل كأداة تشريح.
في الفودفيل التقليدي، نضحك من سوء الفهم البريء ومن الأبواب التي تُفتح وتُغلق في توقيتات خاطئة. أما هنا، فسوء الفهم ليس بريئاً على الإطلاق، بل هو نتيجة لانهيار مؤسسات كاملة: راهبة تطلق اسماً مزيفاً على مريضة، محقق يلهث وراء أوراق ثبوتية لا وجود لها، ممرضة تحاول التوفيق بين عبثيتين، خصوصاً أنها على معرفة مسبقة بــ "عايدة" وتتواطأ معها لإخراجها من المستشفى من دون القيام بالإجراءات المعتادة ودفع التكاليف الباهظة. والأبواب التي تُفتح وتُغلق استُعيض عنها بيافطات افتراضية تتدلى من السقف، كأن الباب نفسه لم يعد موجوداً، ولم يبقَ سوى اسمه.
الجمهور يتفاعل معظم الوقت ويضحك على المواقف المتداخلة، لأنه يرى فيها صورة مكبرة لعبثيته اليومية. لكن هذه الكوميديا الاجتماعية الساخرة والناقدة تعرف تماماً متى تخفت ضحكاتها لتفسح المجال للصمت المتأمل. في لحظات الذروة، مثل مشهد اكتشاف الاسم الحقيقي "عايدة"، أو مشهد سرقة أموال المودعين، أو حين تلفظ "حَنّة" المحقق المتقمص صفة الإسرائيلي، لا يعود الضحك ترفيهاً، بل رد فعل عصبياً على جرح مفتوح، ليؤكد مقولة أبو فرحات بأن "الضحكة ليست رفاهية، بل ضرورة لإعادة التوازن النفسي".
رفض المحتل
في جوهره، يشتغل العرض بصفته مسرحاً نقدياً اجتماعياً ساخراً، لا يكتفي بالضحك على الجراح، بل يبقرها ليكشف ما تحتها من آفات. إنه إدانة صريحة للسلطة المهترئة والفاسدة، ولا يتردد في توجيه سهام سخريته اللاذعة إلى الطائفية التي استشرت في جسد المجتمع اللبناني كالسرطان، فأقعدته وهلهلت نسيجه.
ويبقى أن العرض، وفي خضم نقده الداخلي، لا يغفل عن عدوه الواضح: الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يزال يقصف ويقتل ويدمر. يتجلى هذا الرفض الجمالي في مشهد سريع لكنه معبّر، عندما يقلّد المحقق لهجةَ إسرائيلي، فتقول له "حَنّة" بغضب: "حُمّص مش خُمّص"، ثم ترميه بالوسادة رافضة وجوده.
في هذه الحركة المسرحية المقتضبة، يتكثف المعنى الأكبر: إن مقاومة الاحتلال قد تبدأ من حرف، ومن أكلة حمص، ومن وسادة تقذف في وجه المغتصب الذي يسلب الجغرافيا والتاريخ معاً، وينسب لنفسه حتى الطعام والفولكلور والتراث.
الفنّ لفهم الواقع
هذا التكامل بين الممثلين والمخرج ليس وليد الصدفة. فإيلي كمال، الذي يقف خلف النص والإخراج، يصنع حالة من الانسجام. وهو يصف التعاون مع فريقه بأنه يقوم على "ثقة متبادلة وتفاهم عميق، وهو ما أتاح مساحة للتجريب الفني".
أما النص، فيؤكد كمال أنه انطلق من تجربة شخصية عاشها داخل المستشفى، قائلاً: "كنت أسجل ملاحظاتي على الهاتف، ومع الوقت تحولت هذه التفاصيل إلى فكرة متكاملة". ويكشف هذا المنهج عن عين كاتب يلتقط اليومي والعابر ويحوله إلى مادة درامية تتجاوز الفردي إلى الإنساني.
في خضم الحرب والدمار، بقي كمال مؤمناً بأن "المسرح لا يُختزل في كونه انعكاساً للحرب، ولا ينبغي أن يُحبس داخلها. ثمة حاجة لأن تُروى حكايات أخرى، وأن يُفتح مجال للتفكير، للضحك، ولطرح الأسئلة". وهو يصرّ على أن المسرح "يظل ضرورة إنسانية وثقافية، حتى في أصعب الظروف"، معتبراً أن الفن "ليس وسيلة للهروب، بل أداة لفهم الواقع والتعامل معه".
نهاية بلا خلاص
ثم تأتي النهاية التي تقلب كل شيء رأساً على عقب. في خاتمة عبثية، يتواطأ الجميع على إخراج "عايدة" من المستشفى بلا إجراءات رسمية ولا دفع تكاليف باهظة. الراهبة تغض الطرف، المحقق يتخلى عن أوراقه، والممرضة تقودها على كرسيها المتحرك نحو الخارج.
إنها لحظة انتصار إنساني نادر، حيث تنتفض الضمائر الفردية على المؤسسة، وحيث يتحد الجميع على اختلاف مواقعهم في السلطة لفعل خير واحد. لثوانٍ، يخيّل للمتفرج أن ثمة أملاً، وأن الإنسان اللبناني قادر على أن يداوي ذاته من تحت أنقاض المؤسسات.
لكن ما إن تغيب "عايدة" عن خشبة المسرح، حتى يسمع الجمهور صوت ارتطام عنيف، وتصرخ من وراء الكواليس: "كسرت إيدي". إنها الصدمة التي لا تشبه إلا ذاتها، الضحكة التي تتحول فجأة إلى شهقة ألم. الكرسي المتحرك الذي قادها نحو الحرية قادها إلى كسر جديد، وكأن الخروج من حفرة لا يعني سوى السقوط في الحفرة التالية.
إنه البيان الختامي الأكثر مرارة: قدر هذا الوطن أن ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن جرح إلى آخر، بلا توقف، بلا راحة، وبلا خلاص. حتى لحظة التضامن الإنساني، وحتى لحظة استعادة الاسم الحقيقي، لا تكفيان لفك طوق العبث.
في تلك الصرخة التي تأتي من وراء الخشبة، من خارج التمثيل، من خارج اليافطات المعلقة، يسقط كل شيء: الأمل، والتواطؤ الجميل، والاسم المستعاد. ويبقى السؤال معلقاً في قاعة مسرح مونو، أثقل من كل اليافطات: هل من مخرج؟
الضحكة كفعل بقاء
هكذا، ومن يد إيلي كمال التي كتبت وأخرجت، وبوجه ندى أبو فرحات الذي أدّى وباح فيما جسدها مثبت على سرير، إلى جانب سلمى شلبي التي جسدت السلطة الدينية بوجهيها الجبار والهش، وجويس أبو جودة وكريم شبلي اللذين أضفيا إنسانية عميقة على مؤسستي التمريض والأمن، وعلى خشبة عارية لا أبواب فيها إلا يافطات أسماء، تولد "حَنّة" كحوار فني متكامل. إنها شهادة حية على أن الضحكة، كما تقول أبو فرحات، "ليست رفاهية، بل ضرورة لإعادة التوازن النفسي".
إنها، في نهاية المطاف، طقس درامي لاستعادة الاسم المسلوب، وإعلان بأن الروح اللبنانية، رغم كل حفر الطرق وانهيارات الذاكرة وشراسة العدوان، لا تزال تمتلك القدرة على أن تنهض، وعلى أن تضحك في وجه الوجع، وتبحث، بلا كلل، عن عايدة التي تسكنها.
