"حجر السعادة": الوجه الآخر للعراق

"حجر السعادة" بيّنت التأثير المدمر للحرب على حياة الناس في بغداد وعاداتهم وطبائعهم، كما حملت رؤية تزاوج بين مصير الفرد، ومصير الجماعة، فهل يكون مصير العراق، كمصير مواطنه كمال، الغائم، الحائر، الممزق بسلاح الاستعمار والتدخل الأميركي السافر.

  • "حجر السعادة": الوجه الآخر للعراق

تذهب رواية "حجر السعادة" للعراقي أزهر جرجيس الصادرة عن دار الرافدين في بيروت/ بغداد إلى القاع الاجتماعي والاقتصادي في العراق ، وتنسج من خلال شخصية بطلها كمال قصة الناس المهمّشين المكويين بنار الفقر والقسوة وسياط الحكام الطغاة، وما يرشح عن هذا الفقر المدقع من سلوكيات أقرب إلى الوحشية أملتها ظروف العوز والحاجة إلى كسرة الخبز أحياناً.  

في "حجر السعادة" يضعنا أزهر جرجيس العراقي المقيم في النرويج إزاء الوجه الآخر لعراق (1962-2018)، ويحشرنا وجهاً لوجه إزاء الناس " اللي تحت" حيث تعشش الرذيلة في أعشاش الفاقة وتنمو ويصبح لها أجنحة من فساد وظلم وطائفية بغيضة. 

إنها أقدار كمال ذلك الطفل الذي نشأ في بيت موصلي تتحكم فيه خالته زوجة أبيه ، بعد وفاة أمه، الزوجة الخبيثة التي توغر صدر أبيه عليه وعلى أخته التي تكبره سنًا وتحنو عليه، وتتصدى للدفاع عنه في وجه ظلم أبيه وزوجته المشغولة بتهيئة كل أجواء الرعاية والدلال لابنها ريمون، الأمر الذي لم يحرّك غيرة الأطفال عند كمال بل دفعه إلى المزيد من محبة أخيه واحتضانه والحرص على كل ما يسعده، وفي إحدى محاولاته للترويح عن أخيه الصغير اصطحبه معه خلسة  إلى النهر، كي يفرحه بالسباحة واللهو بالماء، لكن القدر كان بانتظاره هناك، حيث يموت الطفل ريمون غرقًا في الماء إثر مشادٌة بين كمال وصبية اعتادوا التنمر والاعتداء عليه نظراً لشخصيته الضعيفة التي سحقتها مكائد خالته وقسوة أبيه.

 لم يكن على كمال والحال هذه إلا الفرار من انتقام الأب ولا سيما أنه رآه بعينه بعد أن انتشر خبر الغرق يهرول إلى المكان وسمعه بأذنه يتهدده ويقسم بأغلظ الأيمان على ذبحه، فرّ كمال إلى وادٍ يدعونه بستان الجن واختبأ هناك لتبدأ من هناك رحلة الشتات التي أوصلته إلى خان الرحمة في بغداد.

يجد الطفل كمال نفسه في العاصمة الكبيرة بغداد، فيعيش كالأطفال المشردين ويجوب أزقة بغداد مشردًا جائعًا "لم أكن أملك ثمن الطعام، تنحيت جانًبا ورحت أمارس طريقتي في الأكل، شم الرائحة والتلذذ بها حد الشبع... "حتى إذا ما جنّ الليل تاه باحثًا عن مأوى حتى وجده في "خان الرحمة" وهو خان يلمّ الأطفال  المشرّدين من الشوارع لا ليؤويهم ويؤمن لهم المسكن والمأكل كما ظنّ كمال للوهلة الأولى وإنما ليستعملهم في أعمال السرقة والنشل. ينضوي صاحبنا في العصابة وما يلبث أن يفر منها بعد إخفاقاته المتكررة في أداء المهام الموكلة إليه، يعمل بعدها عتالاً يحمل البضائع والأحمال على ظهره، ويأوي إلى عربة يفترش الأرض تحتها في السوق، بعد العتالة، حمل كمال صندوقًا خشبياً وجلس على الرصيف يمسح الأحذية ليلتقي صدفة بالعم خليل المصور الفوتوغرافي الذي التقط له صورة مدرسية عندما كان تلميذاً في المدرسة الابتدائية وتلاها بأخرى وأثنى على الصورة بالقول: 

"لديك وجه فوتوغرافي أيها الفتى.

 عذًراً يا سيد، أنا لا أفهم ما تقول.

هذا أفضل، فعدم الفهم يجلب الراحة.

ثم تنازل عن رأيه ليوضح:

ــ يعني أن الكاميرا تحبك." 

لم يكن حب الكاميرا لوجه كمال من طرف واحد فهو أيضاً أحبها وشُغف بها وكانت غاية 

أمانيه في الحياة أن يكون مصوراً فوتوغرافيًا وها هي الأقدار تبتسم له، فيلتقي العم خليل المصور الذي يلمّه من الشارع ويصطحبه إلى الاستديو ليعلّمه تحميض الأفلام وطباعة الصور ويقدّم له المسكن مجانًا في الطابق العلوي من الاستديو . 

ها هي الأيام تغير عهدها مع كمال فتصفو، من بعد أن تجهمت طويلًا، فيعمل في المهنة التي عشقها. ويقطن في شقة مرتبة فوق الاستديو في شارع الرشيد، فيعيش بغداد بكل صخبها وجنونها، ويجوب شوارعها بعدسته ويلتقط الصور لبغداد الناس والتاريخ والطبيعة، والبورتريهات للنخيل والنوارس على ضفاف النهر ويحِب ويحَب، تجري الأيام هانئة سعيدة حتى يموت العم خليل، ويرثه كمال ويتابع العمل مكانه، وتكتمل فرحته بعد عودة حبيبته نادية التي ربطته بها علاقة غرامية، لكن العادات والتقاليد حالت دون الزواج منها، فتتزوج من رجل لا تحبه،  وها هي تعود إليه 

بعد طلاقها وموت أبيها، فيستأجر شقة ويجتمعان معًا تحت سقفها. غير أن الأقدار كما هو شأنها أبداً، لا تصفو لأهلها وتأبى أن تديم الهناء لأحد، فبعد سقوط النظام العراقي ودخول الأميركي إلى العراق عام 2003 وانتشار الفوضى والتفلت الأمني،  بات أمن المواطن بأيدي العصابات والفتوّات، وكان نصيب كمال من هذه الفوضى وافرًا حيث تعرّض مرة لطعنة سكين كادت تودي بحياته، ومرة أخرى لمحاولة قتل من دون أن يبيّن الكاتب ما إذا كان لاقى حتفه فيها أم لا، لتبقى النهاية مفتوحة على كلا الخيارين، ولتمنح القارئ حرية التأويل، هل نجَا كمال؟ هل بدأ من جديد؟ هل عاد إلى الكاميرا؟

إنه عصر الضباب، والغموض، وغياب الرؤية الواضحة للمستقبل، هو عصر الميليشيات والعصبيات الطائفية والفتّوات المعتّدة بجسارتها وداعميها من الداخل والخارج. 

من أعداء العراق استمدت قوى الأمر الواقع قوتها وراحت تنشر الفساد وتمارس الاعتداء والإهانة للناس في غياب الضمير الوازع، والدولة الرادعة.  بهذا الفصل من حياة بغداد ينهي أزهر جرجيس فصول روايته " حجر السعادة " الاثنين والثلاثين  بعد أن قدمت لقارئها وبعدسة المصور الفوتوغرافي كمال لوحة بانورامية شاسعة للعراق بقاعه الاجتماعي والاقتصادي بين الفترة الممتدة من 1962 إلى 2018 وأثر سياسات الحكومات المتعاقبة والتدخلات الإقليمية والدولية، ولا سيما الأميركية منها على هذا البلد المبتلى منذ فجر التاريخ بالاستبداد والاستعمار.

لاقت رواية "حجر السعادة " وهي الرواية الثانية للكاتب، بعد روايته الأولى "النوم في حقل الكرز" رواجًا لجمهور القراء ومحبي القراءة واحتفاءً من قبل النقاد، ووصلت  إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية للرواية العربية لعام 2023، وتعتبر وثيقة تاريخية وأدبية للعراق في حقبة زمنية استثنائية في تاريخ هذا البلد المفتوح على عواصف 

التحولات والإحتمالات، وهي وإن لم تكن شاملة وموسوعية كرواية "أرض السواد" للراحل عبد الرحمن منيف التي قدمت صورة ملحمية لتاريخ العراق الحديث وتأثير النفوذ البريطاني في تشكل دولة العراق الحالية، فإنها بصفحاتها التي لم تصل إلى 300 صفحة ولغتها الانتقادية الساخرة، تمكنت من تقديم صورة حية للواقع كما هو، من دون أقنعة ورتوش، وبيّنت التأثير المدمر للحرب على حياة الناس في بغداد وعاداتهم وطبائعهم، كما حملت رؤية تزاوج بين مصير الفرد، ومصير الجماعة، فهل يكون مصير العراق، كمصير مواطنه كمال، الغائم، الحائر، الممزق بسلاح الاستعمار والتدخل الأميركي السافر والطائفية والفوضى والتفلت والفساد؟

اخترنا لك