"أبحاث في تاريخ الشرق القديم".. عندما تتكلَّم الحجارة
ينجح الدكتور إبراهيم خلايلي في كتاب "أبحاث في تاريخ الشرق القديم" أن يجعل الحجارة القديمة تتكلّم من جديد؛ لا لتروي قصة ملوك اندثروا فحسب، بل لتكشف المسارات الطويلة التي صنعت حضارات الشرق وأسهمت في تشكيل العالم الذي نعرفه اليوم.
-
"أبحاث في تاريخ الشرق القديم".. عندما تتكلَّم الحجارة
ثمّة كُتُبٌ تُقرأ بوصفها مستودعات للمعلومات، بينما كُتُبٌ أخرى تدفع القارئ إلى إعادة النظر في تصوّرات راسخة عن التاريخ والهوية والحضارة. ينتمي كتاب "أبحاث في تاريخ الشرق القديم" للدكتور إبراهيم خليل خلايلي إلى الفئة الثانية، إذ لا يكتفي بجمع المعطيات التاريخية والأثرية، بل يحاول أن ينفذ إلى ما وراء الوقائع، حيث تتشكّل العلاقات العميقة بين الشعوب واللغات والثقافات التي صنعت وجه الشرق القديم.
في هذا البحث لا يبدو التاريخ سلسلة من التواريخ والحروب وأسماء الملوك، بل كائناً حيّاً يتحرّك عبر الجغرافيا واللغة والذاكرة. ومن خلال ثلاثة محاور متكاملة، يفتح المؤلف أبواباً واسعة على عالم ظلّ طويلاً أسير القراءات التقليدية، مُقَدِّماً رؤية تستند إلى النصوص المسمارية والنقوش الآرامية والمصادر الكلاسيكية والدراسات الحديثة في الآثار واللغات القديمة.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في الكتاب الصادر عن دار دلمون الجديدة في دمشق هو الدراسة المخصصة للآراميين، ذلك الشعب الذي غالباً ما مرّ ذكره عابراً في الكتب المدرسية، رغم أنه كان أحد أبرز الفاعلين في تاريخ المشرق القديم. فالآراميون، كما يكشف الدكتور خلايلي، لم يكونوا مجرّد قبائل بدوية استقرت على أطراف الإمبراطوريات، بل كانوا أصحاب مشروع سياسي وثقافي ترك بصمات عميقة في تاريخ المنطقة.
بناء مشهد سياسي غابر
يتتبّع المؤلّف مسار تشكّل الممالك الآرامية في شمال سوريا وشرقها، من بيت بحياني وبيت عديني إلى أرفاد وحماة ودمشق. وما يثير الإعجاب في هذه المعالجة أنها، إضافة إلى تحديدها المواقع الجغرافية وسرد أسماء المدن، تعيد بناء المشهد السياسي الذي ولدت فيه تلك الممالك، ولا سيما أنّ المنطقة كانت آنذاك مسرحاً لصراع مستمر بين القوى الصاعدة، وفي قلب هذا الصراع حاول الآراميون بناء كياناتهم السياسية والحفاظ على استقلالهم في مواجهة التوسّع الآشوري المتواصل.
ومن الصفحات التي تستوقف القارئ تلك التي تتناول الحملات العسكرية الآشورية على الممالك الآرامية، حيث يستثمر المؤلف النصوص الملكية الآشورية ليعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات. وهنا تبرز قيمة العمل البحثي، فالنقوش التي تركها الملوك الآشوريون لا تُقرأ بوصفها سجلات انتصار فحسب، وإنما بوصفها وثائق تكشف طبيعة التوازنات السياسية في المنطقة. ومن خلالها تظهر الممالك الآرامية لاعباً رئيسياً لا هامشياً، قادراً على المقاومة والمناورة وبناء التحالفات رغم الفارق الهائل في القوة العسكرية.
انتصار اللغة على السلاح
لكنّ المفارقة الكبرى التي يبرزها الكتاب تتمثّل في أنّ الهزيمة السياسية لم تكن نهاية الآراميين. فبينما سقطت ممالكهم تباعاً تحت السيطرة الآشورية، بدأت لغتهم تحقّق انتشاراً غير مسبوق. لقد انتصرت الآرامية حيث عجز السلاح. وما يكاد القارئ يفرغ من هذه الصفحات حتى يدرك أنه أمام واحدة من أهمّ الظواهر الحضارية في تاريخ الشرق القديم: لغة شعب صغير نسبياً تتحوّل إلى لغة إدارة وتجارة ومراسلات في إمبراطورية مترامية الأطراف.
يشرح المؤلف هذه الظاهرة عبر تتبّع انتشار الآرامية في المراكز الحضرية الكبرى وفي المؤسسات الإدارية، حتى أصبحت اللغة المشتركة بين شعوب متعدّدة الأعراق والثقافات. وهنا تتجاوز الدراسة حدود التاريخ السياسي لتدخل في عمق التاريخ الثقافي، إذ تكشف كيف تستطيع اللغة أن تبني ما تعجز عنه الجيوش، وكيف يمكن لثقافة ما أن تواصل تأثيرها حتى بعد زوال حواملها السياسية.
بين المشرق والمغرب
أما البحث المتعلّق بالجذور المشتركة بين المشرق والمغرب في العصر الكنعاني فيمثّل محاولة جريئة للبحث في الطبقات العميقة للروابط الحضارية العربية. والمؤلّف لا ينطلق من افتراضات مسبقة، بل من شواهد لغوية وأثرية وتاريخية يسعى من خلالها إلى تتبّع خطوط التواصل القديمة بين ضفتي العالم العربي.
في هذا السياق، يستعيد الكتاب الدور التاريخي للفينيقيين والكنعانيين بوصفهم وسطاء حضاريين عبر المتوسط. فالسفن التي غادرت مرافئ الساحل السوري واللبناني لم تكن تحمل الأخشاب والمعادن والأصبغة فحسب، بل كانت تحمل معها أنماط التفكير واللغة والرموز الدينية وأشكال التنظيم الاجتماعي. وهكذا يتحوّل البحر المتوسط من حدّ فاصل بين المشرق والمغرب إلى فضاء للتفاعل المستمر والتبادل الحضاري.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يعيد النظر في الصورة الشائعة التي تنظر إلى المشرق والمغرب باعتبارهما عالمين منفصلين. فالدكتور خلايلي يقترح رؤية مختلفة ترى في الحضارات الكنعانية والفينيقية جسراً تاريخياً مبكراً ساهم في تشكيل فضاء ثقافي متصل امتد من شواطئ بلاد الشام إلى سواحل شمال أفريقيا وغرب المتوسط.
وما يمنح هذه الرؤية قوة إضافية هو اعتمادها على اللغة بوصفها شاهداً تاريخياً. فاللغة في هذا الكتاب ليست أداة للتعبير فحسب، وإنما سجلٌّ لذاكرة الشعوب. ومن خلال دراسة الأسماء والجذور اللغوية والمصطلحات المشتركة، يحاول المؤلف تتبّع آثار التفاعل الحضاري عبر القرون. وهكذا تتحوّل الكلمات إلى خرائط خفية تكشف طرق الهجرة والتجارة والتبادل الثقافي، تماماً كما تفعل اللقى الأثرية والنقوش المكتشفة.
مقاربات متعّددة التخصصات
ولا يقلّ القسم الببليوغرافي أهمية عن الدراسات التي يضمّها الكتاب. فغالباً ما يُنظر إلى الببليوغرافيا على أنها عمل فني أو تقني محدود القيمة، لكنّ الدكتور خلايلي يحوّلها إلى أداة معرفية حقيقية. فالجهد المبذول في جمع وتصنيف المصادر العربية والأجنبية الخاصة بتاريخ الشرق القديم ولغاته وآثاره يعكس وعياً عميقاً بحاجات الباحثين والدارسين، ويوفّر لهم خريطة واسعة للحقول البحثية التي يمكن استكشافها مستقبلاً.
ومن الناحية المنهجية، يكشف الكتاب عن باحث يمتلك قدرة واضحة على الربط بين الحقول المعرفية المختلفة. فالتاريخ هنا يجاور علم الآثار، واللغويات تتقاطع مع الجغرافيا التاريخية، والنقوش القديمة تتحوّل إلى مفاتيح لفهم التحوّلات السياسية والاجتماعية. وهذه المقاربة المتعدّدة التخصصات هي إحدى أهمّ نقاط قوة الكتاب، لأنها تمنع الوقوع في النظرة الأحادية التي طالما أفقرت الدراسات التاريخية.
كما أنّ القارئ يلمس في ثنايا العمل احتراماً واضحاً للمصدر التاريخي، إذ إنّ المؤلف لا ينجرف وراء الأحكام الجاهزة، ولا يكتفي بترديد ما قاله السابقون، بل يحاول دائماً العودة إلى النصوص الأصلية ومقارنتها ومناقشتها. ومن هنا تأتي القيمة العلمية للكتاب، خاصةً أنه لا يقدّم خلاصات نهائية بقدر ما يفتح مساحات جديدة للتفكير والبحث.
ذاكرة ثقافية
إنّ القراءة المتأنية لهذا العمل تقود إلى نتيجة أساسية مفادها أنّ الشرق القديم لم يكن مجرّد فسيفساء من الممالك المتنافسة، بل كان شبكة معقّدة من العلاقات الثقافية واللغوية والاقتصادية التي ربطت شعوبه بعضها ببعض رغم الحروب والصراعات. ومن خلال تتبّع سيرة الآراميين والكنعانيين والفينيقيين، يكشف الكتاب عن عالم أكثر حيوية وانفتاحاً مما توحي به الصور النمطية الشائعة.
لهذا كلّه، يمكن القول إنّ كتاب "أبحاث في تاريخ الشرق القديم" ليس مجرد كتاب متخصص موجّه إلى المؤرّخين وعلماء الآثار، بل هو مساهمة فكرية جادّة في فهم الجذور الحضارية للمنطقة. إنه عمل يذكّرنا بأنّ الماضي لا يعيش في المتاحف وحدها، بل في اللغات التي نتحدّثها، وفي أسماء المدن التي نسكنها، وفي الطبقات العميقة من الذاكرة الثقافية التي ما زالت تشكّل وعينا حتى اليوم.
وبهذا المعنى، ينجح الدكتور إبراهيم خلايلي في أن يجعل الحجارة القديمة تتكلّم من جديد؛ لا لتروي قصة ملوك اندثروا فحسب، بل لتكشف المسارات الطويلة التي صنعت حضارات الشرق وأسهمت في تشكيل العالم الذي نعرفه اليوم.