"يا رمضان يا بو الحمائم".. ما حكاية الأهازيج الرمضانية في اليمن؟
"يا رمضان يا بو الحمائم". كيف يعيش اليمنيون شهر رمضان وما هي الأهازيج الخاصة به؟
تُعدّ الأهازيج الرمضانية في اليمن مظهراً من مظاهر الخصوصية، التي يحظى بها شهر رمضان في ثقافة اليمنيين وتقاليدهم وعاداتهم الشعبية، بدءاً من الأيام الأخيرة من شهر شعبان، التي يجوب فيها الأطفال الشوارع وأزقة الحواري والقرى، وهم يردِّدون أهازيج خاصة بالاحتفاء بمقدم الشهر الكريم، كما يردِّدون بعضاً من مضامين الأغاني التراثية، التي تحيل على سياقات مدحه، والاحتفاء به.
ترحيباً وتحية مسائية
لا تهلّ أول ليلة رمضانية، إلّا والأطفال على أهبّة الاستعداد لقضاء لياليه على طريقتهم، التي يحصلون من خلالها على بعض النقود من المنازل، أثناء مرورهم بساحاتها وهم يتغنّون بالأهازيج الرمضانية. ولا سيما تلك التي تتعلّق بالأسبوع الأول من هذا الشهر. إذ تتعالى أصواتهم بها قبل صلاة العصر، أو بعد الإفطار [1]، وتناول وجبة العشاء، من مثل:
"يا رمضانْ يا بُو الحَمائمْ** ادّيْ لابيْ قُرْعةْ دراهِمْ [2]
يا رمضانْ يا بُوْ المَدافِعْ [3] ** ادّيْ لنا مخزَنْ بضائعْ"
وتقوم هذه الأهزوجة على التعبير عن معنى هذا الشهر في وعي الأطفال، وشعورهم باستثنائيته وسعادتهم به. تلك السعادة التي يربطونها بمدى تمكُّن آبائهم من توفير احتياجات الشهر ومتطلباته، كما يربطونها بالشهر نفسه، متوسّمين فيه القدرة على تدبُّر كيفية توفيرها، تداعياً مع رؤيتهم في الزمن، كائناً ذا سمات بشرية، يمكن التعاطي معه من خلالها.
وفي سياق ذلك، تحيل رؤية الطفولة تلك على قلق الصغار من عدم تمكّن آبائهم من توفير المراد منهم؛ لمحدودية إمكانياتهم المادية، وهو ما قاد أطفالهم إلى اتخاذ الدعاء وسيلةً للبحث عن حلٍّ لهذه المشكلة، موجِّهين الدعاء إلى الشهر المبارك؛ كي يجود على آبائهم بما يكفي من النقود لشراء أشيائه ومقتضياته. ثم يعززون دعاءهم، بصيغة أبلغ تعبيراً عن ارتباط تلك الحاجة بهم، وما تفضي إليه من تحوير الدعاء بالعطاء لهم هم: "ادّي لنا"، ليس عطاء النقود، وإنما عطاء المتطلبات نفسها، التي أحالت عليها "البضائع".
ومع نهاية الأسبوع الأول وبداية الأسبوع الثاني، يشدو الأطفال بأهازيج "تماسي رمضان"، التي منها:
"يا مسا جِيتْ أمسِّي عندكمْ ** يا مسَا والجَمالةْ هِيْ لكُم.
"يا مسا واسعد الله المسا ** يا مسا جَدَّد الله الكِسا"
وتتنوّع مضامين هذه التماسي، وتختلف باختلاف المناطق. وعلى ذلك، فجميعها تحيل على الاحتفاء بطقوس هذا الشهر، والاستمتاع بتفاصيله، والدعاء بالخير والسعادة لكل من يسمع ترديدهم لها.
أهازيج الأطعمة
من مضامين الأهازيج الرمضانية في اليمن، تلك المحيلة على أطعمة خاصة بهذا الشهر، كما في هذه الأهزوجة:
رمضانْ حقّ اللّحالِحْ ** العصيدْ والسّمن مالحْ [4]
ومثلها:
يا رمضانْ كُنْ سيرْ وروِّحْ ** عنْد الذيْ تِسْكِيْ تلوِّحْ [5]
فهنا، يتغنّى الأطفال بخصوصية طعام شهر رمضان، وأصنافه التي من أهمها: "اللحوح"، والخبز "الملوّح"، الذي ترتبط صناعته بتفاصيل متعددة، تضفي عليه تميّزاً ولذةً خاصة به. لذلك كان محط اهتمام هذه الأهزوجة، التي تشير على الشهر الكريم، أن يضع في حسبانه المرور على نوعية خاصة من النساء، هنّ أولئك الماهرات، في إعداد هذه النوع من الخبز المميّز.
كما تشمل الأهازيج الرمضانية في اليمن مضامين ذات علاقة بالزراعة، من مثل:
"رمضانْ ما جاءْ يِعْملْ ** لا دُبّا ولا جرْمل" [6]
إذ تشير هذه الأهزوجة إلى حلول شهر رمضان في فصل الصيف، الذي تكثر فيه زراعة "القرع"، و"اليقطين". وتمضي الإحالة فيها إلى تأويل الظرف، الذي قيلت فيه، كأن يكون صيفاً غير مثمرٍ؛ لأسباب متعلقة بالزراعة وتواضع محاصيلها، وغياب الفائدة منها. وبناءً على ذلك؛ جاء التساؤل عن دواعي مجيء شهر رمضان، في أحوال ليس فيها هاتان الثمرتان، اللتان ارتقت بهما الأهزوجة، إلى مستوى أن تكوّنا من المكونات الجوهرية في طبيعته الاستثنائية.
أهازيج تهاميّة
على ما تتسم به الأهازيج الرمضانية في اليمن من خصائص فاعلة في إضفاء التعميم على فضائها الدلالي، الذي تظهر من خلاله في شتى المناطق اليمنية، إلّا أنّ بعض المناطق تتفرّد بأهازيجها الرمضانية الخاصة بها، من ذلك، ما يتجلى في محافظة الحديدة ومجتمعها التهامي، من أهازيج يغلب عليها أن يردّدها الأطفال أثناء ممارستهم بعض ألعابهم.
من تلك الألعاب، لعبة "المخص"، التي يجتمع فيها الأطفال حول المساجد قبيل مغرب اليوم الرمضاني، ويمارسونها حتى موعد أذان المغرب، وحينما يلاحظون المؤذن وهو يصعد إلى المئذنة، يهتفون بصوت جماعي جهوري، مُردِّدين هذه الأهزوجة:
"حودانةْ مدْري قيانهْ ** في ام طيانهْ يلعب حصانهْ" [7]
ويظهر في ارتباط ترديد الأطفال لهذه الأهزوجة بملاحظتهم صعود المؤذن إلى المئذنة، خيطُ إحالةٍ على انتمائها إلى أزمنة قديمة، لم يكن فيها استخدام مكبرات الصوت مُتاحاً. وعلى ذلك، فلم يحدّ هذا الاستخدام في العصر الحديث من حيويّتها. إذ يستمر الأطفال في ترديدها، حتى يتعالى صوت المؤذن، فينطلقوا صوب منازلهم، وهم يردِّدون أهزوجة أخرى متسقة مع تلك اللحظة:
"وأذَّنْ.. وأذَّنْ
وامْ لحوحةْ بَرْدَنْ [8]
وامْ شُرْبَةْ تِكَلْعَدَنْ"[9]
تنطلق الدلالة هنا من لحظة الأذان، بوصفه إيذاناً بالإفطار، والتوجُّه إلى الأطعمة، التي صار بالإمكان تناولها، بعد انتظارٍ طويل، أحال عليه توصيف الأطعمة، بصفات متعلقة بمرور وقت على جاهزيتها للتناول: (البرودة/ وبدء التصلُّب).
كذلك هو الأمر في ممارسة الأطفال للعبة "العزبي"، التي يتبادلون فيها هدايا الحلوى، ثم يتجهون بموكب إلى الشخص المُهدَى إليه، وهم يردّدون هذه الأهزوجة:
"وامْعزبيْ سرَى وما يبا نيْشْ ** لهْ أمْعَجْلْ وسبْعةْ حنانِيش" [10]
وفي السياق نفسه، تأتي لعبة "ريشان"، التي يجتمع فيها الأطفال، ويلبس أحدهم ثياب مهرّجٍ، يطلقون عليه اسم "ريْشَانْ"، ويجرون خلفه مُردّدين هذه الأهزوجة:
"ريشَانْ وارْيشانْ ** ريْشانْ مسافرُ
ريشانْ وارْيْشان ** ريْشان مجنونٌ شعْرتهْ حنونُ
ريْشان وَارْيشانْ ** ريشانْ هشَالْ يشي فنيْلة وشالُ" [11]
وحينما يقترب الشهر المبارك من النهاية، تبدأ تقاليد توديعه، التي تفضي إلى تعديل هذه الأهزوجة، بما يتناسب مع أحواله الأخيرة:
"ريْشان واريْشان ** لَفْلِفْ ملاعقكْ
ريْشانْ واريْشانْ ** العيدْ يلاحقكْ"
إذ يظهر التأثير الزمني في تضمين الأهزوجة ما يحيل على لفت انتباه "ريْشانْ"، إلى هذه النهاية، وإلى ما عليه من استعدادات المغادرة، كأن يقوم بجمع أشيائه، التي أحالت عليها رمزية "الملاعق"، بينما أحال على جمْعِها فعلُ الأمر "لَفْلِفْ" بخصوصيته المحكية، الدالة على حركيّة جمع الأشياء، بصورة منتظمة ومتسارعة.
من ناحية أخرى، تلوح مظاهر توديع شهر رمضان في هذه الأهزوجة، من خلال تزامن ترديدها مع الأيام العشر الأخيرة منه، التي يكثّف فيها اليمنيون من طقوس العبادة، مع شعورهم بمسحة حزنٍ على قرب انتهاء طقوس هذا الشهر، التي عزّزت فيهم مشاعر الألفة والطمأنينة.
وبنوع من المواساة، يحاولون تجاوز هذه المشاعر بالاستعداد لأجواء عيد الفطر، من خلال التسوّق، وشراء الملابس الجديدة، وتهيئة المنازل لاستقباله، وصناعة ما يليق به من الكعك والحلويات الخاصة به.
[1] عبده منصور المحمودي، "طقوس الإفطار الرمضاني في اليمن: تكافل روحاني وألفة اجتماعية". الميادين الثقافية، 18 شباط/فبراير 2026.
[2] "قُرْعَة": كيس كبير من الجلد، يُحمل به الحَب على ظهور الدواب.
[3] "يا بو المدافع": إشارة إلى سماع الطلقات، التي يطلقها مدفع رمضان، في عددٍ من المدن اليمنية إيذاناً بإفطار الصائمين، وإمساكهم بعد السحور.
[4] "اللحالح": "اللحوح"، أحد الأطعمة الرمضانية في اليمن.
[5] الذي تِسْكي: التي تعرف. تُلوّح: تصنع الخبز المُلوّح.
[6] الدبا: ثمرة اليقطين.
[7] يمكن تأويل الدلالة في صيغة هذه الأهزوجة، بما تقوم عليه من رمزية في "حودانة" إلى شخصية عامة غير محددة، ترتبط بها التساؤلات عن مكان وجودها، واحتمالات انشغالها ملاعبةً حصانها، في أرضها (طيانه).
[8] "وامْ لحوحة بَردن": اللحوحة بردتْ.
[9] "امْ شُرْبة": الشُّرْبة، نوع من أنواع الأطعمة اليمنية، الأكثر حضوراً في الموائد الرمضانية. "تِكَلْعَدنْ": بدأت بالتصلّب.
[10] "وامْعزبي": والعزبي. "ما يبانيشْ": لا يريدني. "أمعجَل": العجل. "سبعة حنانيش": سبعة ثعابين.
[11] يشِيْ: يريد.




