"ماشي أونلاين": مرثاة لمن "نسي" أن يموت!

تتجاوز "ماشي أونلاين" حدودها كعمل فني. أن تذهب إلى المسرح في شارع الحمرا، وتسمع عن أنصار والخيام، ثم تعرف أن جزءاً من تذكرتك سيذهب إلى عائلة نازحة، هذا هو التواصل الحقيقي الذي فشلت فيه وسائل التواصل.

  • جوي خلاق في لقطة من مسرحية
    جوي خلاق في لقطة من مسرحية "ماشي أونلاين"

حين صارت الحرب أسلوب حياة، والنسيان رفيقها.

لا تدخل إلى مسرح "المدينة" في شارع الحمرا في بيروت، كما تدخل إلى صالة عرض عادية. تُلقى فيها كمن يلقى في ساحة معركة وضعت أوزارها للتو. فما أن تطأ قدماك المكان حتى تظن نفسك قبالة دبابة لا تلفظ أنفاسها الأخيرة، أو مجموعة غرف متلاصقة لا تطل على شيء، أو مربعات رقعة شطرنج قُتل كل جنودها.

الديكور عبارة عن علب حديدية متآكلة، متراصة كدمى روسية، أو زنازين لا تعرف أي سجن تنتمي إليه. هذه السينوغرافيا تعكس التشظي الرقمي والنفسي للعرض. ربما هي سجن سياسي، ربما طائفي، ربما مذهبي، ربما حزبي، ربما افتراضي. وربما كلها مرة واحدة.

ثم تنظر إلى الممثلين. إيلي متري، الممثل الكوميدي الذي عرفه الجمهور بخفة ظله، يرتدي هنا جعباً عسكرية، هو وجوي حلاق في تجربتها المسرحية الاحترافية الأولى. يحملانها طوال معظم العرض. ليست أزياء عادية. إنها أثقال فارغة، شريكهما الثالث. الجعبة العسكرية، المصممة لحمل الذخيرة إلى حرب ما، صارت هنا عبئاً بلا معنى. كمثل من يحارب في معركة لا يعرف أطرافها. الحرب ليست فقط خارج القاعة. إنها هنا، محمولة على الأكتاف، في انتظار أن تبدأ.

لكن، قبل ذلك، عليك أن تعبر شارع الحمرا. هذا الشارع العتيق الذي ظلّ، رغم كل حروب بيروت، يعاند. يعاند كي يبقى على قيد الفن، على قيد الأدب، على قيد الحياة. مكتباته التي أُغلِق نصفها، مقاهيه التي تغيّر روّادها، جدرانه المثقوبة بالرصاص القديم والجديد. والآن، في زمن العدوان الإسرائيلي الراهن، لا يزال مسرح المدينة مضاءً. لا يزال يقول تعالوا لنرى معاً كيف تبدو الحرب حين تصبح أسلوب حياة.

هذه ليست مصادفة. مسرحية "ماشي أونلاين" التي كُتبت في أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006، كجزء من بحث ماجستير للمخرجة وكاتبة الفكرة، خلود ناصر، وقُدِّمَت لأول مرة على خشبة مسرح المدينة في 2009، تُعرض اليوم من جديد.

البحث الأكاديمي قارن بين نصوص عن الحرب والصدمة، لكن الحياة اللبنانية جعلت من البحث الأكاديمي نبوءة تتحقق. المخرج مازن سعد الدين، الذي يؤمن بأن "الفن في أوقات الأزمات لا يمكن أن يبقى صامتاً"، يقول إن الجمهور "سيكتشف مدى آنية العمل". لكن "الآنية" هذه ليست مجرد تشابه. إنها عودة أبدية. العرض الذي قُدِّمَ أيضاً في مهرجان دمشق المسرحي عام 2010، يعود اليوم إلى بيروت وقد صار أكثر قتامة، كمن يضع قدمه على أثر قدمه في الرمل، فلا يجد فرقاً، بل يجد الحفرة أعمق.

رجل يبحث عن حدث لا يحدث: إيلي متري بين النسيان والجعبة

  • من اليمين: إيلي متري وجوي حلاق ومازن سعد الدين

في قلب هذه العلب الحديدية، يقف رجل. إيلي متري، ذو الخلفية الكوميدية، يحمل على كتفيه أثقال ذاكرة شبه مفقودة. وفوق ذلك كله، جعبة عسكرية تثقل جسده. هو رجل فقد القدرة على تذكر اللحظة التي دمرت حياته. لا صور، لا أدلة، لا رواية ثابتة. لكنه يحمل ذخيرة لحرب لا يتذكر أنها حدثت. إيلي متري الذي أضحك الجمهور مراراً من قبل، ها هو الآن يوجعهم بصمته الناطق في لحظات، وبكلماته التي لا تتذكّر فتعادل الصمت في لحظات أخرى.

أداؤه هدوء قاتل، نظرات شاردة، أكتاف تترهل في لحظة ثم تتصلب في أخرى. حركاته مثقلة بالجعبة التي تئز على صدره. هو يجسّد رجلاً يبحث عن شيء لا يعرفه، وهذا هو أصعب ما في الدور.

البنية السردية التي ابتكرتها خلود ناصر (فكرة وإعداد)، والمحامية والباحثة التونسية مريم بوسالمي (حوار ودراماتورجيا)، مجزأة كمرآة حطمها قناص. العرض يمتد لخمسين دقيقة، موزعة على 14 لوحة، 10 منها بموسيقى تصويرية لجمال جعفر. هذا التقطيع ليس اعتباطياً، بل هو محاكاة لإيقاع الوعي الممزق. الماضي والحاضر ومستقبل متخيل، كلها تتناسل داخل بعضها بعضاً. هذا ليس تلاعباً حداثوياً، بل تشريحاً لوعي لبناني لا يعرف الحروب كأحداث، بل كمناخ. "الفلاش باك" هنا ليس أداة سردية، بل هو "فلاش باك" فارغ، البطل يعود إلى الماضي مراراً، والماضي يرفض أن يظهر. بعض النقاد القدامى لعرض 2009 أشاروا إلى "مشكلة في الإيقاع" و"ثقل النص". لكن بعد 15 عاماً، ربما لا يعود هذا الثقل عيباً فنياً، وإنما هو الثقل الحقيقي للعيش تحت وطأة حروب لا تنتهي.

المرأة التي تحمل جعبتها أيضاً: جوي حلاق بين الرقمنة والعسكرة

في مقابل متري، تقف جوي حلاق في تجربتها المسرحية الاحترافية الأولى. امرأة تلتقي رجلاً عبر الإنترنت، تحاول أن تبني علاقة افتراضية، وعلى صدرها ذخيرة لحرب لا تشنها. هذا هو السجن المضاعف، أن تكون محاصراً بشاشتك، ومقيداً بحزام حربي لا معنى له. حلاق لم تكن ممثلة مسرح محترفة من قبل، وهذا تحديداً ما يمنح أداءها مصداقية مرعبة. 

أداء جوي حلاق مختلف تماماً. هي (الشخصية) باردة بالضرورة، لأن من يعيشون على الإنترنت لا يعرفون كيف يكونون دافئين. صوتها هادئ، حركاتها محسوبة، حتى تنهداتها تبدو مقاسة. لكن تحت هذا البرود، ترسم ملامح امرأة يائسة، تموّه يأسها بضحكات خفيفة. تفاهمها مع إيلي متري ليس تفاهم نجوم، بل هو حضور صادق في قلب العبث. حوارات مريم بوسالمي القصيرة المتقطعة تمنحهما فسحات التقاط أنفاس، أشبه بمحادثات "واتساب" لا يعرف أحد كيف تنتهي، أو بخبر عاجل يُقرأ ثم يُنسى.

معتقلات لا تموت: أنصار، الخيام…والذاكرة 

في زوايا النص، تكمن أشباح لا تموت، معتقل أنصار، معتقل الخيام. تلك البقع من الأرض اللبنانية الجنوبية التي حوّلها الاحتلال الإسرائيلي إلى جحيم. لم يكونا مكاناً يسمح بأي نشاط إنساني، فما بالك بالفني. كانا مكاناً لنزع الإنسانية، للتعذيب، والعزل. لا مسرح هناك. فقط جدران تئن، وصمت أثقل من القنابل.

المسرحية تستدعيهما كجرح مفتوح، كتذكير بأن العدوان الإسرائيلي "دائم ومتكرر". أنصار والخيام ليسا "ملهمين" فنياً، بل دليل إدانة. ومن فرط السجون التي يُعاش فيها لبنانياً (سجون الاحتلال، ثم الطائفية، ثم المذهبية، ثم الحزبية)، بات الموتى وحدهم أحراراً. هذا ما يختزله الشعار الدعائي للعرض "العايش فارّة بالقفص والميّت عصفور بالسماء". القفص يتسع للجميع، للمعتقل، وللعاشق، وللمواطن العادي، وللممثل على الخشبة.

السجن الرقمي: حربان في وقت واحد

لكن السجون لا تنتهي عند الحديد. السجن الأحدث نحمله في جيوبنا. المسرحية تتناول أيضاً تأثير الأخبار المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، تلك الحرب الناعمة التي تجعلنا لا نميز بين الخبر الحقيقي والإشاعة، بين القصف الوشيك والإعلان التجاري. العلاقة بين إيلي متري وجوي حلاق لا تكتمل أبداً، لأن التواصل الرقمي هو عزلة مقنّعة. نخبر أنفسنا أننا "نتواصل"، بينما نبتعد. ومن فرط ما نتصافح بــ "الإيموجات"، نسينا كيف نلمس.

الممثل هنا يمسك هاتفه كما يمسك السجين بقضبان زنزانته. الشاشة جدار زجاجي سميك يمنع اللمس. ومن المفارقات أن المسرحية التي تنتقد العزلة الرقمية، تُعرض اليوم في زمن أصبح فيه الناس ينظرون إلى هواتفهم ليعرفوا أي حيّ سيقصف بعد دقائق. صارت كلمة "أونلاين" في العنوان تعني أكثر من مجرد "متصل بالإنترنت"، صارت تعني "على قيد الحياة... حتى إشعار آخر".

المخرج مازن سعد الدين يصر على أن النص لا يخلو من جرعات كوميدية. كيف نضحك في مسرحية عن "الحرب كأسلوب حياة"؟ أي لبناني يعرف أن الضحك هنا ليس تهرباً، بل سلاح بقاء. الكوميديا ليست لتخفيف وطأة القضايا، بل لجعلها أكثر قسوة. تضحك على شيء، ثم يئز في صدرك طوال الليل.

هذا هو إيقاع العرض الذي لا يتجاوز الخمسين دقيقة. إيقاع سريع كضربات قلب تحت القصف. الزمن المعلّق هو زمن انقطاع الكهرباء، زمن النازح الذي لا يعرف متى يعود. الموسيقى التصويرية لجمال جعفر في 10 لوحات من أصل 14 ليست مجرد خلفية، بل هي نبض آخر للعرض، تخلق إيقاعاً متوتراً يذكرنا بأن الصمت في الحرب ليس راحة، بل هو الهدوء الذي يسبق القصف.

من المعنوي إلى المادي: حين لا يكتفي المسرح بالشهادة

لكن الأكثر نبلاً في هذا العمل هي المبادرة التي اتخذتها فرقة المسرح، تخصيص 50% من العائدات لدعم العائلات النازحة، بالتعاون مع جمعيتيْ "Amis CLAC" و"Right To Play". هذه المبادرة تحوّل المسرحية من نص عن الألم إلى آلية لتخفيفه.

هنا تتجاوز "ماشي أونلاين" حدودها كعمل فني. أن تذهب إلى المسرح في شارع الحمرا، وتسمع عن أنصار والخيام، ثم تعرف أن جزءاً من تذكرتك سيذهب إلى عائلة نازحة، هذا هو التواصل الحقيقي الذي فشلت فيه وسائل التواصل. هذا هو الجسد الذي تعود به إلى المسرح. هذا العرض المسرحي اللبناني يقرّر اليوم، كما أراد له مازن سعد الدين، ألا يكون بريئاً. لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، بل يمسح جرحاً راهناً.

التجارب المُرَّة كلَّ مَرَّة

السؤال الذي تتركه المسرحية معلقاً هو نفسه سؤال المخرج "لماذا يعيد التاريخ نفسه بأشكال مختلفة؟"
لا إجابة. لكن ديكوره الحديدي، وتقنيته الزمنية المجزأة، وإصراره على العودة في زمن قصف جديد، كلها تجيب بصمت: الإصرار على الحياة رغم أنف الموت. عدوان 2006، عدوان 2024. نازحو الأمس، نازحو اليوم. أنصار والخيام لم يغلقا أبوابهما حقاً.

خلود ناصر قدمت بحثاً أكاديمياً عن الحرب والصدمة عام 2009، وها هي الحرب تعود لتقدم لها مادة جديدة لبحث لم ينتهِ. لكن في هذه الحلقة، هناك إصرار المسرح على الحياة. أن تعرض عملاً عن الحرب فيما القصف خارج القاعة في بقعة أخرى من وطنك. أن تخصص ريع التذاكر لمن فقدوا بيوتهم. أن تقول ربما لا نستطيع إيقاف الحرب، لكننا نجعل من الفن عملاً تضامنياً حياً.

مرثاة لمن يقول "ماشي" وينسى أن يموت

عندما تغادر قاعة مسرح المدينة، لا تترك الحرب وراءك. هي تنتظرك في الشارع، في الأخبار، في وجه النازح. وربما تنسى تفاصيل الحوار، لكنك لن تنسى الجعب العسكرية. تلك القطع التي ظلت معلقة على صدريْ الممثليْن، تذكرك بأن الحرب ليست فقط خارج القاعة، بل هي أيضاً زيّك اليومي. نحن اللبنانيين نرتدي جعباً منذ عقود، لكنها ليست دائماً مرئية.

"ماشي أونلاين" لم تكن هروباً. كانت تمريناً على كيف تعيش وأنت تعلم أنك قد لا تعيش. العنوان الآن صار أوضح، "ماشي" هي كلمة المرور اللبنانية. تعني "لا بأس"، تعني "الأمور ماشية"، تعني "متصل"، تعني "تعمل"، تعني "سأستمر". يقولها البطل وهو يبحث عن ذكرى مفقودة، وتقولها البطلة وهي تنتظر حباً لا يصل، ويقولها الجمهور وهو يغادر القاعة ليواجه شارعاً قد يكون هدفاً في أي لحظة. 

الشعار الدعائي للعرض يقول "العايش فارّة بالقفص والميّت عصفور بالسماء". لكن المسرحية تضيف سطراً ثالثاً غير مكتوب "واللي بيناتهم عم يقول ماشي".

في هذا السياق، يكون الموتى هم الأحرار، لأنهم خرجوا من دائرة التكرار. أما نحن، الأحياء الذين نسِيَنا الموت، فكل ما يبقى لنا هو أن نبقى "ماشي أونلاين"، نحمل شاشاتنا كأسلحتنا الأخيرة، وجعبنا الفارغة كتذكارات، ونبحث عن حدث منسي.

لكننا، رغم كل شيء، نذهب إلى المسرح. نشتري تذكرة. نعرف أن نصف ثمنها سيذهب لعائلة بلا بيت. ثم نعود إلى شارع الحمرا، حيث لا تزال الأضواء مضاءة. وهذا، ربما، هو نوع من الانتصار المتاح. أن نقول "ماشي" ونستمر.

اخترنا لك