"لبنانيون" لا "سوريون": "الرابطة القلمية" في قفص الهوية اللبنانية
كيف تحوّل تكريم أدباء "الرابطة القلمية" في نيويورك إلى معركة على "الهوية" اللبنانية؟ وهل يعدّ توصيف "أدباء المهجر" بأنهم "سوريون" إنكاراً للبنانيتهم؟
كما يحدث غالباً في الحدائق بوصفها فضاءات عامة للنقاش والجدل، أيقظت حديقة "القلم: شعراء في الحديقة"، التي افتُتحت مؤخراً في حيّ "سوريا الصغيرة" في نيويورك تكريماً لأدباء "الرابطة القلمية"، خصوماتٍ هويّاتية نائمة.
النقاش الثقافي الذي دار حولها ما لبث أن تصاعدت حدّته، فتحوّل السجال إلى ما يشبه نوبة غضب جماعية، أو "هستيريا هويّاتية" مكتومة انفجرت ضربة واحدة.
ففي حديقة إليزابيث برغر، بالقرب من الحيّ الذي عُرف تاريخياً بـ"الحيّ السوري" لاستقباله مهاجرين قدموا من بلاد الشام إلى نيويورك، أُزيح الستار عن نصبٍ صممته الفنانة الفرنسية المغربية، سارة أوحدو، تكريماً لأدباء المهجر المرتبطين ببيئة "سوريا الصغيرة" في نيويورك، وبينهم أعضاء في "الرابطة القلمية" وكتّاب آخرون من محيطها الأدبي.
استند العمل المنحوت بأسلوب حداثي إلى تشكيل تجريدي لكلمة "قلم" بأبجدية تكاد تستعصي على القراءة، كأنّ النصب معلّق بين الزخرفة والمعنى، وإلى جانبه وُضع مقعدان مزيّنان بالفسيفساء، نقشت عليهما اقتباسات من أعمال الكتّاب المكرّمين.
وقد اقتصر التكريم على 9 أدباء هم: إيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة، وجبران خليل جبران، وندرة حداد، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، وعباس أبو شقرا، وعفيفة كرم، وأغابيا معلوف.
لقد كتب جبران ونعيمة والريحاني من أفق يتجاوز القومية الضيقة. كانوا يبحثون عن إنسان مشرقي حديث، وعن لغة جديدة، وعن انتماء مفتوح على العالم، لا عن هوية محنّطة داخل متحف وطني مغلق.
وقد ارتبطت مسارات هؤلاء جميعاً، بدرجات متفاوتة، بالصحافة والأدب وحركة النهضة العربية، ضمن ما صار يُعرف لاحقاً بـ "أدب المهجر"، أو كما سُمّي في بداياته "الأدب السوري المهاجر".
بمجرّد الحديث عن "أدب المهجر"، يعني ذلك، بالضرورة، الحديث عن حركة ثقافية واجتماعية لم تكن منفصلة عن الأدب، بل متداخلة معه عضوياً. فقد شكّل نقد الاستبداد والعلاقات الاجتماعية السائدة أحد أبرز هواجس هؤلاء الكتّاب، إلى جانب انشغالهم المحموم بأسئلة اللغة والتراث والهوية والغربة، وبكيفية إنتاج إنسان مشرقي حديث قادر على العيش داخل عالم متحوّل.
لكن ما إن أُزيح الستار عن العمل الفني وانتهى التكريم، حتى انتفض بعض النخب الثقافية والسياسية اللبنانية، معربةً عن امتعاضها من إسباغ الهوية السورية على الأدباء المكرّمين، وفي مقدّمهم جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة، باعتبارهم، وفق المحتجّين، أدباء لبنانيين لا سوريين.
تأويل الهوية بوصفها ملكية مغلقة
-
جبران خليل جبران
على الفور، قدّم وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي، وثيقة اعتراض إلى الجهات المعنية. دعا رجّي الدبلوماسيين في نيويورك وواشنطن إلى "تصحيح النص بما يتوافق مع الحقائق التاريخية والثقافية والجغرافية المعروفة، وبما يؤكّد أصول هؤلاء الكتّاب اللبنانية الأصيلة، الذين شكّلوا جزءاً أساسياً من التراث الثقافي اللبناني في العالم"، مشدداً على "أهمية الحفاظ على الدقّة في توثيق إسهامات روّاد الشتات اللبناني، لما يمثّلونه من قيمة أدبية وحضارية في الذاكرة الوطنية وفي خصوصية الهوية اللبنانية".
لم يقتصر هذا الاعتراض على الخطاب الرسمي، بل واكبه خطاب ثقافي جاء داعماً للموقف السياسي المنغلق، إذ بدا وكأنه استنفار متأخر ضد شبح "سوريا الكبرى"، أو ضد أي استعمال لكلمة "سوري"، حتى لو كان ذلك في سياق تاريخي يسبق نشوء الدول الوطنية نفسها.
على هذا النحو، اتضح أن الحساسية لا تتعلق بالتأريخ بقدر ما تتعلق بتأويل الهوية بوصفها ملكية مغلقة.
-
صورة عائلية لأمين الريحاني (الواقف في أقصى اليسار) مع والديه وإخوته في نيويورك
تكمن المفارقة في أن من بين الأصوات الممتعضة ظهر عصام خليفة، وهو مؤرخ ومساهم في كتابة كتب التاريخ المقررة في المناهج التعليمية. وهي مفارقة تكشف كيف يمكن للمؤرخ المرموق، أن يقع أسير السردية الوطنية التي يفترض به تفكيكها، بسبب قد يكون "انحيازاً" سياسياً على الأرجح.
المشكلة ليست في كلمة "سوري"، بل في الخوف منها. فحين تتحول الهوية إلى ملكية مغلقة، يصبح التاريخ نفسه مهدداً بالمصادرة، ويُطلب من الذاكرة أن تخضع لحدود لم تكن موجودة يوم صاغ هؤلاء الأدباء مشروعهم.
هكذا، بدت تلك النخب الثقافية، في استنفارها العاجل ضد توصيف أدباء "الرابطة القلمية" بأنهم سوريون لا لبنانيون، أكثر تشدداً وتصلباً من سياسيين معروفين بنزعتهم اليمينية.
هؤلاء السياسيون عذرهم معهم على الأقل، فإجلالهم للقومية الضيقة يفرض عليهم "فطرياً" إجهاض الحقائق، والتنديد بوصف أدباء المهجر بأنهم سوريون، مفضّلين، عوضاً عن ذلك، منحهم الجنسية اللبنانية. لكن ما الذي يجعل النخب الثقافية المتنورة تدخل في هذه المعمعة؟ هل هي "فوبيا" من "السوري" أم تضخّم هوياتي؟
لقد غدا السجال أقرب إلى نزاع على الذاكرة التاريخية نفسها، أو محاولة مستترة لمصادرة إرث أدباء "الرابطة القلمية" وجرّه قسراً إلى داخل سردية أيديولوجية معاصرة. فقد تعامل هؤلاء مع توصيف أدباء "الرابطة القلمية" بوصفهم "سوريين" كما لو أنه إنكارٌ للبنانيتهم، لا توصيفاً تاريخياً يعود إلى مرحلة كانت فيها بلاد الشام أو سوريا الكبرى تُقرأ ضمن مجال جغرافي وثقافي واحد، سبق تشكّل الدول الوطنية وحدودها الحديثة.
بل تعاملوا مع الهوية كما لو أنهم جهاز تفتيش، مهمته انتزاع جبران ونعيمة والريحاني من فضائهم السوري، ومنحهم، بأثر رجعي، "جنسية" ثقافية "صافية" توافق المخيال الوطني اللبناني المعاصر.
-
أمين الريحاني
والحال هذه، فقد كشف هذا الإصرار على نزع الصفة "السورية" عن أدباء "الرابطة القلمية" عن خلل منهجي، يقوم على إسقاط واقع سياسي لاحق، أي تقسيم بلاد الشام إلى دول منفصلة بعد الانتداب، على وعي تاريخي سابق لم يكن يعرف هذه الحدود.
إن وصف أدباء المهجر بأنهم "سوريون" في سياق "سوريا الصغيرة" لا ينفي لبنانيتهم، بل يعيدهم إلى فضائهم التاريخي الأوسع: بلاد الشام، حيث كانت الهوية الثقافية أرحب من حدود الدول التي وُلدت لاحقاً.
هذا الإصرار إذاً على نزع الصفة "السورية" عن أدباء "الرابطة القلمية" يتغاضى عن تباهي أدباء الرابطة، وعلى رأسهم جبران ونعيمة، بسوريتهم وانتمائهم إلى سوريا الطبيعية أو بلاد الشام، وعن نتاجهم الثقافي الذي تطلّع إلى العالم من منظار كوني، ولا يُفهم إلا كجمود فكري وإذعان لمنطق استعماري. كما يتغاضى عن أن مشروعهم الفكري والأدبي كان، في جوهره، مشروعاً كونياً يتطلع إلى الإنسان والعالم، لا إلى الهويات المنغلقة والحدود الصلبة.
على هذا النحو، لا يبدو تحويل الانتماء إلى ساحة مصادرة واحتكار سوى انزياح نحو فهم دوغمائي للهوية، يجعلها أقرب إلى وثيقة امتلاك منها إلى سيرورة تاريخية وثقافية مفتوحة. وهو فهم يكشف، في المطاف الأخير، عجزاً عن استيعاب الأفق الفكري الذي انطلق منه أدباء "الرابطة القلمية" وعن مشروعهم بذاته.
"الرابطة القلمية" وإعادة تخيّل الإنسان المشرقي
-
ميخائيل نعيمة
هو ليس خطأً منهجياً في التعريف، ولا مجرد نزق إيديولوجي يغلِّب الهوية السياسية الضيقة على إرث ثقافي واسع اشتغلت عليه "الرابطة القلمية"، بل يكشف، في جوهره، جهلاً بالمشروع الفكري الذي حمله "أدباء المهجر" برمّته.
ذلك أن "أدب المهجر" لم يكن أدباً معزولاً عن أسئلة المجتمع والتاريخ، كما لم يكن كتابة جمالية خالصة على شاكلة "الفن للفن"، إنّما تجربة فكرية وثقافية حاولت إعادة تعريف الإنسان وعلاقته باللغة والهوية والعالم. ومن رحم هذه التجربة، شُقّت الطريق لاحقاً أمام الحساسية الحداثية في الشعر العربي، من بدر شاكر السياب وصولاً إلى أدونيس، بما حملته من تمرّد على الأشكال الجامدة والرؤى المغلقة.
لقد كان مشروع "الرابطة القلمية" محاولة لإعادة تخيّل الإنسان السوري، أي المشرقي، خارج البنى التي كانت تخنقه. ولهذا يستحيل فهم جبران ونعيمة والريحاني بوصفهم مجرد "أدباء لبنانيين" بالمعنى الوطني المتأخر للكلمة، كونهم كتبوا من أفق أوسع بكثير من فكرة الهوية القومية الصافية التي يُراد حشرهم فيها اليوم.
جلّ ما فعله هؤلاء هو صراعهم مع الهويات الضيقة والأصفاد السياسية والاجتماعية التي تكبّل الإنسان، من اللغة مروراً بالعلاقات الاجتماعية التي فرضتها الإمبراطورية العثمانية، وصولاً إلى التفسخ الحضاري بين الشرق والغرب.
لم يكن السجال حول نصب "القلم" خلافاً على تسمية عابرة، بل كشف عن صراع أعمق على الذاكرة التاريخية، وعن رغبة في إخضاع أدباء المهجر لهوية وطنية ضيقة لم تكن حدودها قد تشكّلت بعد في وعيهم وزمنهم.
لقد خاض أدباء "الرابطة القلمية" ثورة حقيقية ضد البلاغة التقليدية والأساليب الموروثة، ساعين إلى تحرير اللغة العربية من ثقل الزخرفة والمحسنات التي سجنتها طويلاً. كانوا يريدون لغة حيّة، مرنة، قادرة على التعبير عن الإنسان الحديث وقلقه الروحي والوجودي، لا لغةً تبجّل الأصنام البلاغية وتمارس طقوسها في معابد التراث. ولذلك كان بحثهم اللغوي بحثاً عن خلق لغة حديثة، تنتج وعياً جماعياً جديداً وحديثاً.
-
بائع مرطبات في أحد شوارع "سوريا الصغيرة" في نيويورك أواخر القرن التاسع عشر
لقد ارتبط هذا التصوّر للغة بفكرة أوسع عن الهوية بوصفها كياناً قابلاً للاتساع والتشكّل، وبفهمٍ يرى في اللغة "ذاتاً" حيّة لا مجرّد "موضوع" جامد.
من هنا، غدا تحديث اللغة عندهم فعلاً سياسياً واجتماعياً، ينطوي على إعادة بناء الفرد، وإعادة ترتيب علاقته بالجماعة، وإعادة تعريف موقع الثقافة العربية داخل عالم حديث.
وبالتالي، يمكن فهم مشروعهم اللغوي، في عمقه، بوصفه مشروعاً لتوسيع أفق الانتماء: انتماء لا يختزل في جغرافيا أو في سردية قومية ضيقة، بل يعيد إنتاج الإنسان من جديد، بوصفه كائناً مشرقياً يعيش "في العالم".
على أنّ أحد أبرز اهتماماتهم كان الهمّ القومي الذي انشغلوا فيه بمعناه الحضاري. "أدباء المهجر" لم يتعاملوا مع "سوريا" أو "الشرق" باعتبارهما هويات انعزالية مغلقة. فقد كانت سوريا بالنسبة إليهم فضاءً حضارياً وثقافياً مفتوحاً. بل إن تجربة المهجر نفسها دفعتهم إلى النظر إلى الهوية بوصفها تجربة ثقافية وروحية متحركة، وليس سجناً وطنياً نهائياً.
-
من اليمين: ميخائيل نعيمة، عبد المسيح حداد، جبران خليل جبران، ونسيب عريضة
هكذا، تظهر هشاشة السجال الحالي. إنّ الإصرار على اختزال أدباء "الرابطة القلمية" داخل هوية لبنانية صافية يناقض، بصورة تكاد تكون كاملة، المشروع الفكري الذي حملوه.
هؤلاء الكتّاب الذين حاولوا توسيع معنى الإنسان والانتماء واللغة، يُعاد تقديمهم اليوم كملكية وطنية ينبغي حمايتها من "التسرّب" إلى أي هوية أخرى، وكأن المطلوب هو "تحنيطهم" داخل متحف الهويات الضيقة.
هكذا، يتحول المشروع الأدبي الذي قام، في جوهره، على مقاومة الحدود، إلى مادة يُعاد حشرها داخل الحدود. هؤلاء الذين يريدون إلباس جبران والريحاني ونعيمة الهوية اللبنانية إنما كان جبران والريحاني ونعيمة يدعون في كتاباتهم إلى التمرد عليهم والانفلات من استبدادهم.
