"عروس قونيا"... حين تتمّ محاكمة التاريخ لعلاج الحاضر المضطرب!!
تألّقت رشا دندشلي في رسم فضاء "قونية" بحسّ بصري ثريّ، فالثلوج والخانات ورائحة البخور وأصوات الناي لم تكن مجرّد ديكور تاريخي بل عناصر فاعلة في التشكيل النفسي للشخصيات، فنجح نص الرواية في جعل الخيال شكلاً من أشكال الذاكرة.
-
"عروس قونيا"... حين تتمّ محاكمة التاريخ لعلاج الحاضر المضطرب!!
في روايتها "عروس قونيا: محاكمة شمس التبريزي" الصادرة حديثاً عن دار الفارابي في لبنان لعام 2026 تقدّم الكاتبة رشا دندشلي مغامرة سردية جريئة تخلع عن التاريخ الصوفي هالته المثاليّة المطلقة لتنزل به إلى أرض الوجع الإنساني، معيدةً الصوت إلى الهامش المنسي والمستتّر خلف جدران مدينة قونيا في القرن الثالث عشر.
الفطرة في مواجهة جموح الغيب:
تبدأ دندشلي نصّها بإعلان انحيازها التامّ للمقاس الإنساني البسيط قبل الدخول في سراديب العرفان والوجد، وهو ما يتجلّى في أولى عبارات الرواية التمهيدية "قرّرتُ أن أعيش كإنسان بسيط، على الفطرة، لا تعنيني أسرار الوجود التي أبهمت العقل، ولا يشغلني الوصول إلى حقيقة لا يدركها إلا من خلع عن نفسه لباس البشر". بهذه العبارة، تضعنا الكاتبة أمام الأطروحة المركزية للعمل؛ وهي أنّ التسامي الروحي والبحث عن "النور المطلق" الذي خاضه جلال الدين الرومي وشمس التبريزي قد يحمل في طيّاته أحياناً سحقاً للذات الإنسانية البسيطة التي لا حول لها ولا قوة حيث تعتمد الرواية على بنية مركّبة تتشابك فيها الأزمنة والأمكنة عبر أربعة أجزاء وثمانية وأربعين فصلاً.
تتنقل دندشلي ببراعة وسينمائية أخّاذة بين زمنين يفصل بينهما ثمانية قرون؛ الزمن الأول هو زمن الحاضر في (بيروت 2023) حيث نعيش أزمة مخرجة وثائقية (كيميا/ياسمين) مثقلة بآلام غزة وصدمات الواقع، تقودها محاولة انتحار فاشلة إلى نفق من اللاوعي والذاكرة والتقمّص. أما الثاني فهو زمن الماضي (قونيا القرن الثالث عشر) حيث سيرة الطفلة اليتيمة "كيميا خاتون" التي نشأت في كنف الرومي وتزوّجت قسراً من شمس التبريزي كغطاء اجتماعي لتثبيت وجوده في المدينة. فيتحرّك الزمن في وعي البطلة بطريقة مائعة لا خطية وتختزل دندشلي هذا الاندماج الكمومي الكوني في نهاية الرواية بعبارة بليغة حيث تقول "وعندها، وقع الإدراك في عقلي كالصاعقة، لقد كان كلّ ما عشته… شمس، جلال الدين، كيميا، قونيا، السماع، الأشعار، الزلزال، والموت… كلّ ذلك لم يكن سوى لحظة. خمسٌ وعشرون دقيقةً فقط، كانت كافية لتزيحني من حاضري وتلقي بي في غيابات قرونٍ مضت".
محاكمة التبريزي :
إنّ القيمة النقدية الكبرى للرواية تكمن في فتحها لملف "كيميا" كطفلة انتُزعت براءتها لتُقدّم كقربان لتهدئة جموح الصراع الروحي والاجتماعي بين الكبار، فحاكمت دندشلي الطريقة التي صاغ بها المريدون والمؤرّخون هذا التاريخ، حيث جرى "تنزيه الرموز" على حساب طمس مأساة طفلة قاصرة أُرغمت على التسامي، فلا تقدّم الرواية خطاباً وعظياً مباشراً، بل تدع انكسار كيميا يتحدّث عن صدمة الطفولة، وتعيد صياغة مفهوم الإيمان الذي يتولّد من رحم المعاناة والرضوخ المشوب بالأسئلة والشكوك "الإيمان الحقيقي يولد في لحظة انكسار"، وتجعل من السماء والمدى المفتوح المتنفّس الوحيد لبطلتها "السماء هي المتسع الوحيد الذي لا يضيق بأسئلة كيميا المُلّحة".
الرؤية البصرية والجمالية:
تألّقت رشا دندشلي في رسم فضاء "قونية" بحسّ بصري ثريّ، فالثلوج والخانات ورائحة البخور وأصوات الناي لم تكن مجرّد ديكور تاريخي بل عناصر فاعلة في التشكيل النفسي للشخصيات، فنجح نص الرواية في جعل الخيال شكلاً من أشكال الذاكرة مكمّلاً الفجوات الصامتة في بطون الكتب التاريخية ليمنح النساء المنسيات حقّ سرد تجاربهنّ الشخصية.
قسوة النصّ ومتعته في آن واحد:
"عروس قونيا" نصّ ممتع ومزعج في آنٍ واحد، فإمتاعه يأتي من لغته الشاعرية المتدفّقة وبنائه المحكم، أما إزعاجه للبعض فينبع من جرأته على ملامسة المقدّس البشري ومساءلته! فكنّا أمام رواية لا تنتهي بانتهاء صفحاتها، بل تترك القارئ معلّقاً بين دقيقة حلم وقرون من التساؤل عن ثمن النور الروحي عندما يدفعه الضعفاء.