"عرق متوهّم" لـ شلومو زند: الصهيونية تبنّت موضوع العرق اليهودي وأنهم شعب الله المختار

معاداة السامية مصطلح استحدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهو مفهوم لا أساس علمياً له وإنما محاولة إضفاء صيغة علمية على كراهية عتيقة، وبالطبع توجد لغات سامية، فيهود أوروبا لم يتكلموا العبرية وإنما تلاوة صلواتهم بها فقط فهم لم يكونوا أبداً ساميّين.

  • كيف خلقت كراهية اليهود بالغرب احتلال فلسطين  في كتاب
    كيف خلقت كراهية اليهود بالغرب احتلال فلسطين في كتاب "عرق متوهّم" لـ شلومو زند

يعتبر شلومو زند من أبرز المفكّرين اليهود الذين ميّزوا بين اليهود كطائفة دينية موجودة في العالم وبين الصهيونية كفكر استعماري جنّد وجيّش هذه الطائفة لخدمة مشاريع للهيمنة الاستبدادية على أرض الآخرين، ففي كتابه "عرق متوهّم ـــــ تاريخ موجز لكراهية اليهود" الذي صدر بالعربية عن دار مدارات للأبحاث والنشر، يؤكّد فيه عدم تسامحه مع حالات القبح والبشاعة التي تغذّي الرفض تجاه الأقليات العرقية والإثنية والجندرية أو الدينية.

 ويحاول أن يبحث في الأسباب التاريخية والدينية لكراهية اليهود في العالم الغربي والمسيحي، إذ يقرّ بفكرة التأثير المتبادل بينهم وبين الأوساط الاجتماعية التي يعيشون فيها، فانعزالهم ليس طبيعة وإنما ردّة فعل على النظرة المتدنيّة التي لاحقتهم من الكنيسة لأنهم وفق الرواية المسيحية وعبر سيناريو صلب المسيح أصبحوا كشعب يهودي قتلة ابن الإله، ويجب على ذريتهم الملعونة دفع الثمن رغم تبرّؤ بيلاطس الحاكم من الأمر "إنجيل متى".

خاصة عندما اعتمد قسطنطين النصرانية كدين رسمي للإمبراطورية الرومانية، وبهذا انتصرت النصرانية على اليهودية التي استمرت 250 سنة، والحقيقة أنه لم يضطهد اليهود ولكنه حرّم التزاوج بين المسيحين واليهود، وحظر على اليهود ختان عبيدهم فالمقصد ليس الإبادة وإنما تصفية ديناميكية التهوّد.

إقرأ ايضاً: تفكيك أسطورة الشعب اليهودي

والأهمّ لديه أن يثبت أنّ اليهودية ليست عرقاً وإنما دين كان يمكن في الماضي أن يدخله من يشاء، ورد ذلك في سفر "روت" وسفر "استر" "بأنّ الملك داوود يعود نسله إلى فتاة متهوّدة من نسل موآب"، وهذا يقوّض فكرة الانعزالية التي يدعون بها ومعارضة لها بشكل كامل. يقول أوريجينيس أحد المفسّرين الأُصلاء للتوراة: "الاسم اليهودي ليس اسم عرق وإنما اختيار "أسلوب الحياة" فإذا قبل إنسان أجنبي منهاج اليهود وهوّد فقد أصبح يهودياً، كما جزم  تيودور مومسين المؤرّخ الأكبر لروما القديمة في حينه أنّ اليهودية لم تكن منغلقة على نفسها بل كانت تبشيرية، مما جعل الفيلسوف "سينكا" يخشى من زيادة المنتمين إليها نتيجة الشعبية الكبيرة لعقيدة التوحيد، هذا الانتشار بدأ يتقلّص نتيجة انتشار دين المحبة الذي لم يكن وقتها متسامحاً مع اليهود.

لم يكن رعايا مملكة يهودا من مرتادي البحر مثل الفينيقيين واليونانيين لذا فإنّ لغتهم العبرية أو الآرامية لم يتكلّم بها المتهوّدون الجدد لكنّ التوحيد كان بمثابة صرعة جديدة لاقت إقبالاً كبيراً لدى المنتسبين الجدد.

يتحدّث صاحب "اختراع أرض إسرائيل" بأنّ أسطورة النفي عاشت طويلاً رغم عدم وجود أيّ كتاب بحثي يؤكّد استئصال الرومان لليهود الموجودين طوعاً أو قسراً، وأنّ آباء الكنيسة كي يخلقوا تواؤماً بين الدينين عمدوا إلى تأكيد هزيمة اليهود على أيدي الرومان وطردهم في شتات الأرض تكفيراً  عن فعلتهم  لرفض الرواية المسيحية عن المسيح وولادته بما هو مشابه لتشرّد قابيل ونفيه بعد قتله هابيل.

يؤكّد من ناحية ثانية أنّ العصر الذهبي لليهود كان في إسبانيا أيام الفيلسوف "موسى بن ميمون" ولم يكن في حدود الحضارة الإسلامية أيّ نوع من الكراهية وإنما بعض التعالي وحسب، فمعاداة السامية مصطلح استحدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهو مفهوم لا أساس علمياً له وإنما محاولة إضفاء صيغة علمية على كراهية عتيقة، وبالطبع توجد لغات سامية، فيهود أوروبا لم يتكلموا العبرية وإنما تلاوة صلواتهم بها فقط فهم لم يكونوا أبداً ساميّين.

ويحدّد أماكن وجود اليهود في الشرق، ففي اليمن قامت مملكة يهودية قديمة وهي حمير وصلت إلى حدود الرياض اليوم، وتعتبر "حديب" المملكة اليهودية الأولى وأنّ العاصمة المنغولية دفعت بالكثير من المتهوّدين إلى شرق أوروبا مما أسهم بوجود تجمّعات كبيرة منهم فيها لا تقارن بالمجموعات الموجودة في أماكن أخرى.

ولكن رغم الإذلال والكراهية بقوا مقتنعين بأنهم شعب الله المختار وقد بدأوا بالتخلّي عن فكرة تهويد العالم في القرن الرابع للميلاد.

بداية العلاقات النصرانية اليهودية في أوروبا:

المفارقة التاريخية أنه "لولا الكنيسة وكتّابها الأوفياء لما توفّرت لنا الأسفار الخارجية "الابوكريفا والكتب المنحولة"، ولا أسفار الموكابيئين ولا الكتب الفكرية لفيلون السكندري، فالنصرانية عزّزت قبضتها على الجماهير العريضة من الفلاحين في نهاية الألفية الأولى للميلاد، ونشوء الإقطاع ارتبط بتحالفات وقواعد من الولاء للنصرانية برزت فيه الحاجة إلى آخر ليقوم بالأعمال الزراعية، فاليهود لم يستطيعوا امتهان الزراعة لأنهم حضريّون فقد دفعوا لامتهان الإقراض بالربا، وبسبب علاقات الإنتاج والكنيسة المرتبطة بالتشكيلة الإقطاعية لذلك صاروا هم أصحاب الإقراض بالمال المكروه، وليس من فتوى تلمودية في هذا وله دور في الكراهية المتأخرة أكثر منه لقصة يهوذا الإسخريوطي".

في عام 1906 كانت أوروبا في حال نهوض اقتصادي بدأت فيه بالتحضير للحروب الصليبية بذريعة تحرير الأراضي المقدّسة وبخاصة كنيسة القيامة في أورشليم، وبرزت ظاهرة غريبة وهي التعامل القاسي مع اليهود في طريقهم إلى البلاد المقدّسة، الطريق الذي زرعوه بالنهب والسرقة والقتل والاغتصاب، وكثير منهم أجبر على التنصّر بالقوة، وفي كلّ معركة يتهم كلّ طرف بالمخازي والجرائم المرتكبة من الآخر، مما يؤجّج وتيرة العنف والاقتتال الأمر الذي هيّأ الوعي الشعبي للمزيد من الاحتقان والكراهية. وعند وصول الحملة إلى أورشليم كان ضحاياها مجازر من المسلمين واليهود "طائفة القرّائين" وطردهم من المدينة التي لم يسمح لهم بالدخول إليها إلا بعد تحريرها على يد صلاح الدين الأيوبي.

هذه المذابح الحاصلة دفعت الكنيسة إلى الردّ وخاصة أنها مخالفة لتعاليم القديس أوغسطين، الأمر الذي دفعها لإصدار تحريم تنصير اليهود بالقوة وعدم نهب ممتلكاتهم والمساس بهم، وبهذا برّأت الكنيسة نفسها، ولكن في الحملة الصليبية الثالثة المتوحّشة عام 1215 عادت لتصيغ قوانين تحريم الربا لليهود ومنع تزاوجهم مع المسيحيين أو شغل مناصب عامة، وإجبارهم على ارتداء ملابس معيّنة تميّزهم وفرض ذلك على المسلمين أيضاً.

وقد طرد اليهود من باريس أكثر من مرة وصودرت ممتلكاتهم لدعم الخزينة الملكية وقد أثبت بعض القساوسة أنّ التلمود يذمّ المسيح والنصرانية وأدّى ذلك إلى إحراق كتب التلمود الموجودة، وقد توالت في فرنسا حملات الطرد والرجوع أكثر من مرة، وفي إنكلترا كذلك؛ وفي أكثر من بلد ولكنّ الطرد الأهمّ كان من شبه الجزيرة الإيبيرية الذي ازداد عددهم فيها بشكل كبير أيام الحكم الإسلامي فيها، ويعتقد أنّ قدومهم من السواحل الفينيقية القرطاجية الذين تهوّدوا فيها لأنه لم يذكر أيّ شيء عن هجرة من مملكة يهودا إلى إسبانيا البعيدة.

ازدهرت طوائف اليهود إبّان الحكم العربي منذ القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر وبدأ تقويض هذا العصر الذهبي مع حكم المرابطين والموحّدين "متعصّبين مسلمين" مما اضطرّ الفيلسوف موسى بن ميمون إلى الفرار مع أسرته وأتباعه.

ولم تتحسّن أوضاع اليهود بعد السيطرة المسيحية على إسبانيا بل أدّى إلى موجة عنف جديدة مع تفشّي الطاعون في أوروبا، وقد أرغموا فيها على التحوّل عن ديانتهم بوهم أنهم سبب المرض والشرور جميعاً.

ففي عام 1492 أرغم الملكان الكاثوليكيان "فريناندو وإيزابيلا" اليهود والمسلمين على مغادرة  إسبانيا لمن لم يقبل بتغيير دينه، فهاجر قسم كبير إلى أوروبا واليونان وقسم إلى السواحل الأفريقية التي كانت أقلّ جاذبية بالنسبة إليهم، ورغم ذلك مُنع المتنصّرون الجدد من شغل وظائف عامّة في إيبيريا وحتى في أميركا.

وساهم في صياغة هذه الكراهية بعص المفكّرين ممن صاغوا العقليات والفكر في مرحلة الحداثة مثل ايراسموس ومارتن لوثر وفولتير. 

فايراسموس وضع الإنسان في بؤرة الوجود بدلاً من الإله ولكنه أخرج اليهود من هذه البؤرة إذ يلحظ في كتابه "في مديح الحماقة" كراهيته لليهود والنساء معاً، أما محدّث الإصلاح مارتن لوثر فقد قال "إنّ المصلوب ورسله كانوا يهوداً بالولادة ولكنهم اختاروا أن يتنصّروا"، وهو نفسه بعد عشرين عاماً أصدر كتابه المعادي لليهود وهو "عن اليهود وأكاذيبهم" ولم نعلم سبب هذا التحوّل وأعيدت طباعة كتابه في عهد هتلر.

وقد عبّر فولتير عن نفوره من الكاثوليكية ومن النص التوراتي الذي يثني على إبادة غير المؤمنين واحتلال أرض كنعان وإبادة السكان الأصليين فيها واعتبره عملاً بربرياً. 

بقي الحال على هذا النحو إلى أن أقرّ في القرن التاسع عشر في فرنسا اعتراف المساواة بين اليهود وبين سائر الشعب وحذت حذوه بقيّة أوروبا بالتدريج.

اليهود بين الرأسمالية والاشتراكية: 

حاول فورييه الفرنسي تحسين أخلاق اليهود ومعالجة انعزالهم بمحاولة دمجهم بالمجتمع الفرنسي ولكنه يأس بعد ذلك وكان طرحه راديكالياً وصهيونيّاً قبل أن تبتدع فكرة الصهيونية بفكرة إعادتهم إلى فلسطين الأرض المقدّسة لكي يعودوا منتجين وتخليصهم من أفكارهم الربوية الرديئة، وكانت الحاجة هنا لرأسمال يدعم الفكرة، وهنا كان المليونير روتشيلد وإنشاء مملكة يهودية تحظى بالقبول من المسلمين أيضاً وفق رأيه، وبهذا تتخلّص فرنسا من يهوديّها وتحظى بنموذج إنتاجي ناجح.

وقد بدأت إرهاصات الفكرة العرقية بالبروز في القرن التاسع عشر وصنّف البشر إلى ثلاثة أعراق؛ الأبيض والأصفر والأسود، واعتبر اليهود من العرق الأبيض ولكنه أدنى من العرق الجرماني، وقد تبنّته الرأسمالية الأوروبية وكثير من الكتب الصادرة آنذاك واعتبرت أنّ العرق اليهودي السامي دخيل على الدول الغربية ويجب اجتثاثه منها.  

إقرأ ايضاً: اختراع "أرض إسرائيل" و محاولات الإبادة الجماعية للحقيقة التاريخية

في هذا الجو المشحون بالكراهية ظهر صحافي نمساوي هو "تيودور هرتزل" الذي كان كتابه "دولة اليهود" بمثابة استعطاف لروتشيلد بأن يتبنّى القومية اليهودية، ودعا إلى المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا الذي عارضه أكثر من خمسمئة طائفة يهودية، ولم تجد قبولاً إلا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الإبادة الجماعية التي قامت بها النازية تجاه اليهود.

العنصرية في "إسرائيل" متجذّرة في روح القوانين وتدرّس في الجامعات والمدارس وتبثّ عبر وسائل الإعلام بحيث أصبح البلد الموعود في فلسطين حلّاً مناسباً للجميع باستثناء أهل فلسطين أصحاب الأرض الحقيقيين، وقد تبنّت الصهيونية موضوع العرق اليهودي وأنهم شعب الله المختار لحشد التأييد العالمي لـ "دولة إسرائيل"، وأصبحت تمارس على شعب فلسطين الإبادة والقهر بأسوأ ممّا عانت منه وقاسته في أدوار زمنية سابقة.

اخترنا لك